زينب بروحو تكتب:هَاجرْ مَا يُضعفُك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

زينب بروحو تكتب:هَاجرْ مَا يُضعفُك

هاجر ما يضعفك، و تحرر من تلك القيود.

  نشر في 21 غشت 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 غشت 2020 .

هاجر النبي من مكّة، تاركا وراءه كل ما أحبّه فيها، أهله و بيته و صَحبَه. هاجر عندما أصبح بقاؤه فيها يؤلمه، يضعفه و يحول دون أن يحقق فيها أهادفه و رسالته التي أمرهُ اللّه بتبليغها.

كانت هجرتُهُ صلّى اللّه عليه و سلّم بمثابة تضحية كبيرة في سبيل اللّه، لما فيها من ألم الفراق، لم تكن سهلة على قلبه، و هو القائل في مكّة "ما أطيبك من بلد، وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَك"، و مع ذلك هاجر.

هاجرَ الصَّحابة مع النّبيّ، هاجروا أرضَهُم تاركين فيها بَيتَهُم وَ مَالَهُم وَ وَلَدَهُم، و انطلقوا نحو نُور الأمل و اليقين في اللّه.

لم يهاجر النّبيّ و لا الصّحابة معه بحثاً عن المال أو الجاه، بل هاجروا يَحملُون همَّ دين مضطهد و رسالة يسعَونَ إلى تَبليغهَا. هاجروا خَوفاً عَلى أَنفُسهم منَ الفتنة، و الضَّعف و الخُضُوع وهربوا بدينهم إلى حيث يمكنهم تنفُّسُ هواء نقيّ منَ الصّلاح و الاصلاح.

تُعلّمنا هجرةُ النّبيّ، أن لاَ نخشَى ترك الأشياء و الأشخاص مهما كان حُبُّنا و تعلقنا بها عظيما، حين تَحُولُ دون تحقيقنا لأهدافنا، و حين يكون وجودها في حياتنا يضعفنا.

تعلّمنا هجرة النّبيّ أنَّ الهجرَةَ شقَّان، هجرَة حسيَّة من أَرض الكُفر أَو مُحيط السُّوء أَو الرَّذيلَة إلَى دَار الايمَان وَ مَوقع الصَّلاَح، لأَنَّ المحيط الّذي نتواجد فيه يؤثر على قناعاتنا و أفعالنا و تربيتنا و طموحنا.

لذلك سَتَجدُ نَفسَكَ أَحيانًا متعلّقاً بمجموعة منَ الاشخَاص قَد تَربطُكَ بهم عَلاَقَات مُختَلفَة، و قَد تكُونُ مُضطرّاً أَحيَاناً لتركهم و تَرك المَكَان الّذي يَجمعُكَ بهم، حفَاظاً عَلَى نَفسكَ وَ دينكَ و أَهدافك.

تُعلّمُنَا هجرَة النّبيّ، أَنَّ أَقسَى مَا يمكنُ أَن يُبتَلى فيه المَرء "دينه"، وَ أَنَّ أَعظَمَ هجرَة، هجرَة بالدّين، خَوفاً من الفتنة و خوفا من الضَّعف، من مُحيط مليئ بالجهل و الظُّلم إلى مُحيط مليء بالأمن و الأمان.

تُعَلّمُنَا هجرةُ النّبيّ، أَنَّ هُناك هجرَةً رُوحيَّةً، وَ هيَ هجرة مُستمرَّة لاَ تَتوقَّف حتَّى يَلقَى الانسان ربَّه، هي هجرة بالرّوح من الشّرك للإيمان، منَ المَعصيَة للطّاعة، منَ الكُره للحُب، منَ الحَسَد وَ الحقد للتَّسَامُح، من الكَذب للصّدق من التَّشاؤُم للأَمَل وَ منَ الخَوف للثّقة، وَ من الجَهل للعلم، وَ منَ اللاّ-هدف إلَى الهَدَف.

لَم يُهَاجر النّبيُّ بدُون هَدف، بَل حدَّدَ الوجهَة إلى المدينة المنوَّرة، وَ لَم يُهَاجر دُونَ غاية، بَل هَاجَرَ يَحملُ مَشرُوعاً كَبيراً وَ هُوَ إقَامَةُ الدَّولَة الاسلاَميَّة.

تُعلّمُنَا هجرَةُ النّبيّ، أَنَّ الصُّحبَةَ الصَّالحَة مُهمَّة في أيّ رحلة و أيّ هجرَة، سَوَاء كَانت حسّيّةً أو مَعنويَّة، وَ لَنَا في قصَّة صُحبَة أَبي بَكر الصّدّيق للرَّسول خَيرُ مثال، وَ هجرَة الصَّحابة مَع النّبيّ خيرُ دَليل، وَ اختيار الانصار كإخوَة أَعظمُ معنى للصُّحبَة الصَّالحَة الّتي تَأخُذُ بيدكَ، وَ تُقوّيكَ. فَاختَر صُحبَتَكَ جَيّداً.

تُعلّمُنَا هجرَة النّبيّ، أَنَّ الهجرَة مَشرُوع يَنقُلُكَ من ضَعف لقُوَّة، وَ قَد هَاجَرَ المُسلمُون و هم ضعفاء، لكنَّهم عادوا لوطنهم معزَّزين مُكَرًّمين تحت لواء قائدهم بعون من الله و توفيق منه...و قد نصرهم اللّه و أنصفهم لأنَّ قضيَّتَهم كَانَت عادلة و هدفهم كان سَام.

هَكَذَا عَاد النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه و سَلَّم إلى وطنه قويّاً، عاد إليه يُحقّقُ فيه هَدَفَهُ، وَ يُحرّرُهُ من قُيُود الظُّلم و الضَّلاَل، حَتَّى نَتَعلَّمَ أَنَّ الوَطَنَ يَبقَى هُوَ الوَطَن، وَ أَنَّ هجرة الوَطَن لاَ تَكُون للأَبَد، بَل يَجبُ أَن يَكون الهدف منها عودةً إليه أكثر قوَّةً وَ أَكثَرَ نَفعاً، كُلّ حَسَبَ استطاعَته.

لَقد كانت الهجرة النَّبويةُ نقطةَ تَحَوُّل في تَاريخ الإنسانية، كَانت أَعظَم حدثٍ حوَّل مَجرَى التَّاريخ، وغيَّر مَسيرة الحَيَاة ومناهجها، كي تترك لنا أجمل ذكرى و أقوى درس يَدعونَا لنتحرَّر من القُيُود الوَهميَّة الَّتي نَعيشُها من الأعراف و التَّقاليد و القيود النَّفسيَّة الَّتي تُكبّلُ فكرَنَا وَ تُحَاصرُ تَقَدُّمَنَا وَ تُشوّهُ ديننا وَتحيدُ بنَا عَن تحقيق أَهدافنَا العَظيمَة من الصَّلاح و الاصلاَح للبشرية جَمعاء.

قَد يكون اتّخاذُ القرار صعبًا، سواء كانت هجرتُكَ حسّيَّةً من مكان لآخرَ، من مجموعة لأخرى، و من محيط لآخر، أوكانت معنويَّةً، من عادة سيّئة لعادة حميدة او من معصيَّة لطاعة... لكن تُعلّمُنا هجرَةُ النَّبيّ أَنَّ من كانت هجرتُه للَّه، فَلن يخيب، و مَن كانت هجرتُهُ مع اللّه لَن يتُوه و من كانت هجرته إلى اللَّه فَلن يَخسَرَ أَبَداً.

هاجر ما يضعفك، و تحرر من تلك القيود.



  • 7

   نشر في 21 غشت 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 غشت 2020 .

التعليقات

Dallash منذ 3 شهر
لنا في رسول الهدى القدوة الحسنة...صلى الله عليه وسلم...
2
زينب بروحو (Zaineb Brh)
عليه الصلاة و السلام.
خير ما استشهدتم به ( صلى الله عليه وسلم ) ،،، أفادكم الله و أحسن إليكم و أدام عليكم تلك النعمة
1
زينب بروحو (Zaineb Brh)
بارك الله فيكم.
تُعلّمُنا هجرَةُ النَّبيّ أَنَّ من كانت هجرتُه للَّه، فَلن يخيب، و مَن كانت هجرتُهُ مع اللّه لَن يتُوه و من كانت هجرته إلى اللَّه فَلن يَخسَرَ أَبَداً.
جميل تلك المعاني
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك
1
"تُعلّمُنا هجرَةُ النَّبيّ أَنَّ من كانت هجرتُه للَّه، فَلن يخيب، و مَن كانت هجرتُهُ مع اللّه لَن يتُوه و من كانت هجرته إلى اللَّه فَلن يَخسَرَ أَبَداً" صدقتِ , مقال جميل , نفع الله بكِ .
3
زينب بروحو (Zaineb Brh)
آمين. شكرا لك هاجر

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا