بيت السُّفهاء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بيت السُّفهاء

قصة قصيرة اجتماعية كوميدية عن دودة البُخل

  نشر في 21 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 23 أكتوبر 2018 .

جمعت سمر قشور البطيخ في كيس بلاستيكي أسود وهمّت برميه في كيس القمامة. رأى شعبان هذه الفِعلة فصاح: "لا, لاترمي قشور البطيخ يا سمر, بل خذيها إلى الماعز لتأكلها."

"أُطعِمُها للماعز؟! سوف تموت يا أبي, إنها قشور قاسية ومتعفنة بعض الشيء."

وبنفاذ صبر قال: "افعلي ما قلته لك يا فتاة."

وكالمعتاد انصاعت سمر لأمر والدها رغم عدم اقتناعها به, ودعت الله أن لا تموت هذه الماعز المسكينة مسمومة يوما, فهي أملهم الأخير بأن يتذوقوا اللحم بعد طول خصام. كان دخول هذه الماعز إلى بيتهم كدخول بابا نويل إلى البيوت في الأفلام, فلم يصدّق أحد من العائلة أنّ شعبان قد وفَى أخيرا وبعد إلحاح دام لسنوات بنذر زوجته, بأنْ تُحضر ماعزا وتوزع لحمها على الفقراء لو جاء مولودها ذكرا. عمر هذا النذر ستة عشرة سنة, أي بعمر مُحسن الذي أتى بعد ثلاثة بنات.

نهضت الأم رضيّة مع أبنائها من على الأرض ليغسلوا أيديهم بعد وجبة عشاء شهية من البطيخ. قال مُحسن وهو يجفّف يديه المبلولتين بفركها في رداء نومه المهترىء: " ياه لم آكل البطيخ منذ أكثر من سنتين. بكم هذه البطيخة يا أبي؟"

أجاب شعبان وهو يتكأ بيده النحيلة على الوسادة المشقوقة: "إنها غالية الثمن يا بني."

قالت رضيّة: "ولكنّ طعمها غريب بعض الشيء, أليس كذلك؟"

أجاب شعبان زوجته في رأسه.. "هذا لأنّ زملائي بالشركة اشتروها ليتقاسموها بينهم, ولأنهم لم يحتملوا رداءة طعمها, ألقوْا بها في سلة المهملات, لكنني أنقذتها وجئت بها إليكم."

قال بصوت مسموع: "ليس فيها شيء يا رضية. بطيخة مثل الوردة." لوَتْ سمر فمها في استهجان ثم ذهبت لتنام.

سمر هي الابنة الكبرى لهذه العائلة. تعمل معلمة رياضيات في مدرسة قريبة. كانت تتحاشى كل الحفلات والتجمعات التي يقمن بها زميلات العمل, لعدم امتلاكها المال الذي تشتري به هدايا المجاملات. إنّ والدها المصون يستولي على راتبها الشهري كله, ثمّ يخبرها أن الرياضة حلوة ولا داعي للتبذير وركوب المواصلات. كانت تتمنى لو يعطيها قليلا من راتبها لتشتري به ثيابا جديدة كزميلاتها الشابات, فمنظر ثيابها البالية وحذائها المرقّع الذي ملّه الاسكافي من كثرة إصلاحه, بات مادة دسمة لأحاديث بعض المعلمات في وقت الاستراحة.

منع شعبان زيارات الجيران والأصدقاء, لأن هذا يتوجب تقديم الشاي والقهوة والضيافة, وهذه أشياء لم تعرف طريقا إلى بيته أبدا. لذا باتت سمر مقتنعة بأن انعزالها عن الناس ومنظر ثيابها الرثة, هما السبب وراء عدم سماعهم لأي طرقة بابٍ تُخفي خلفها عريسا..

لم يكن والدها فقيرا. إنّ لديه راتبا محترما من عمله في وزارة الزراعة. لكنها دودة البُخل التي أكلت روحه حتى بات رجلا كريها تتمنى لو تخرج من سلطانه إلى سلطان أي رجل غير بخيل في العالم, حتى لو كانت الزوجة الثانية أو الرابعة! إنّها لم تعد تهتم...

في يوم الجمعة جلس شعبان عصرا مع زوجته وبناته وهم يحتسون الشاي الذي صُنع من نفس أوراق الشاي الذي تناولوه صباحا, ففي بيتهم إعادة التدوير ليس خيارا, بل أسلوب حياة!

فُتح باب المنزل وأطلّ من ورائه محسن المبتلّ تماما من المطر الغزير خارجا. وضع الفتى كيس الخبز في المطبخ ودخل ليغيّر ثيابه.

نظرت رضيّة بغضب إلى زوجها وقالت: "هل يعجبك هذا؟ ستقتل الفتى يوما ببخلك. أيُعقل أن تبعث به ماشيا إلى المخبز الذي يحتاج نصف ساعة لوصوله, بدلا من أن تُرسله إلى المخبز المقابل لبيتنا!"

أجاب شعبان دون أن يحوّل نظره عن الجريدة بين يديه: "نعم, يُعقل. فصاحب المخبز القريب رجل نصّاب, إنّه يبيع الخبز بسعرٍ أغلى."

تدخلت سمر قائلة: "أغلى بقرشين فقط يا أبي."

نظر إليها شعبان في غضب وقال:"أريد أن أعرف, هل سحبوكِ من لسانكِ يوم ولدتكِ أمّك! إنّكم تستهلكون أربع أكياس من الخبز شهريا, وهذا يعني أنني أوّفر ثمانية قروش كل شهر, أي ما يُعادل ستة وتسعون قرشا سنويا. أنا لا أجد النقود عند عتبة الدار, إنني أتعب لإبقاء هذا البيت مفتوحا."

قطع حديثه الذي حفظوه عن ظهر قلب جرس الهاتف.

نهض ليجيب, وبعد دقيقة بدأ وجهه بفقد لونه الطبيعي واكتساب ألوان أخرى, لم يكن يتحدث, كان يسمع فقط في ذهول تام! وفجأة سقط مغشيا عليه.

كان المتحدّث هو محامي يونس -عم شعبان-. رثى له العم يونس الذي مات في نيوزلندا, ثمّ أخبره بأنه الوريث الوحيد لثروة عمه المقدّرة بمليونَيْ دولار.

بعد استكمال كل الإجراءات الرسمية وخلال بضعة شهور, أصبحت عائلة شعبان تملك بساط الريح وما فوقه. تزوّجت سمر من رجل ثريّ ومحترم, ودخلتْ أُختيْها أفضل جامعات البلاد. أما محسن حبيب أمّه فقد بدأ بتبذير الأموال على أحدث صيحات الموضة في الّملبس والسيارات. حتى رضيّة كان لها من الحب جانب, فانطلقت إلى أطبّاء التجميل لترمّم وتشدّ ما جار عليه الزمن, وبُخل شعبان.

في يوم عيد ميلاده الخامس والخمسون قرّرت الأسرة عمل حفلة صغيرة في غرفته. أحضروا الكيك الفاخر وطلبوا منه أن يحاول نطق أي كلمة لأجلهم قبل أن يطفئوا الشموع, فقد اشتاقوا لسماع صوته.

بفمه المرتخي الهابط ويده اليمنى المتصلبة, أخذ شعبان المشلول والملتصق بسريره منذ شهور, بتحويل نظراته الزائغة بين الوجوه التي نَظفتْ وتغيّرت عليه.

أخذ يحاول باستماتة لينطق الكلمة التي ستبرّد قلبه المكلوم قليلا. مضت خمس دقائق على محاولاته وقد بدأ اللعاب يسيل من فمه, وأخيرا خرجت الحروف المرتجفة إلى مسامع الجميع قائلة:

"يا يااا... يا سسفهاااء."


  • 4

  • نور جاسم
    اسمي نور جاسم. متزوجة. عراقية الأصل, أردنية المنشأ, أمريكية الإقامة, وهذا ساعدني كثيرا في التعرف على الثقافات المختلفة وإقامة الصداقات من كل مكان في العالم. أحب الكتابة/ أحلام اليقظة/الرسم/ السفر/ التمثيل/ الغناء/ الأف ...
   نشر في 21 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 23 أكتوبر 2018 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 6 شهر
أضحك الله سنك نور ،قصة جميلة جدا وطريفة جدا ، بانتظار كتاباتك بشوق دائما ،دام قلمك الرائع.
1
نور جاسم
سلمتِ لي يا وردة. دمتِ بحبّ 3>
يسعدني ويشرفني مرورك لصغحتي وقراءة ما اكتب لقد نشرت مقال جديد من (كتاباتي ) تأليفي ..
1
نور جاسم
أكيد سأفعل 3>
لما الأنسان يكون فقير يحس بنعمة وقيمة النقود لازم نتعلم أن نشكرالله على نعمة التي لا تعد ولا تحصى
وجدت هنا موضوع وطرح شيق
ورائع اعجبني ورآق لي
شكراً جزيلاً لك .
وبالتوفيق الدائم.
1
نور جاسم
تشرّفت بمرورك عزيزتي. أنا أتمنى أيضا لك التوفيق والنجاح الدائمين. نوّرتي!
اشكرك على انك جعلتني اضحك هههههه الحمد لله ، عفانا الله واياكم من افة البخل ، استغربت كيف ان الاخرين استطاعوا ان يغيروا نمط حياتهم ، ولكنني فهمت بعدما اخبرتنا بان المسكين شعبان أصيب بجلطة وهو طريح الفراش ، ولهذا اخذ الجميع بإظهار النعمة عليهم ، زادك الله من فضله ، القصة جميلة جدا جدا ، وشكرا مرة أخرى لأنك جعلتني اضحك.
0
نور جاسم
العفو محمود. شكرا لمرورك الجميل :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا