مفهوم رفع عيسى عليه السلام في القرآن الكريم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مفهوم رفع عيسى عليه السلام في القرآن الكريم

  نشر في 12 شتنبر 2020 .

القول أن رفع عيسى عليه السلام كرفع إدريس مكانا علياً ، ليس صحيحاً ، فإدريس عليه السلام رفعه الله تعالى مكاناً عليّاً، وليس ﴿ إليه ﴾ جلَّ وعلا، الله تعالى قال عن عيسى عليه السلام ﴿ ورافعك إلي ﴾ ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾، ولم يقل: ﴿ إنّي رافعك مكاناً عليّاً ﴾، ﴿ بل رفعناه مكاناً عليّاً ﴾فالرفع إلى الله تعالى ليس كالرفع مكاناً عليّاً ، رفع المسيح عليه السلام إلى الله تعالى كان رداً إلهياً على محاولة اليهود قتله وصلبه ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم [[...]] بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ﴾ ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي﴾ وبالتالي فهو رفع مادي حسي ..فهم مكروا به ، وحاولوا قتله وصلبه ، فمكر الله تعالى من أجل المسيح ، فرفعه إليه ، يعني رفع حسي ..الأمر واضح ، أما القول برفع المكانة ، فهذا لا يمكن أن يكون بمقام مكر الله تعالى ضد مكر اليهود ؟!!

– في دلالات الأصل اللغوي ﴿ رفع ﴾ ، نرى أن في القرآن الكريم له بعدان ، بعد معنوي ، وبعد حسي ، العبارات التي يتجلى فيها البعد الحسي :﴿ ورفعنا فوقكم الطور ﴾ ﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ﴾ ﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ ﴿ والسماء رفعها ووضع الميزان ﴾ ﴿ رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ ﴿وإلى السماء كيف رفعت ﴾﴿ وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت ﴾ ،﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾. العبارات التي يتجلى فيها البعد المعنوي : ﴿ يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات ﴾ ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ...ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ ﴿ ورفعناه مكانا عليا ﴾ ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾

– في مسألة رفع عيسى عليه السلام ، الرفع هنا يتعلق بالبعد المادي ، فالسياق يتحدث عن محاولة الذين كفروا قتل وصلب جسم عيسى عليه السلام ، ويتحدث عن مكر الله تعالى مقابل مكر الذين كفروا ، وبالتالي فرفع المسيح عليه السلام هو رفع حسي مادي ، حيث رفعه الله تعالى إلى السماء لانقاذه من الموت على الصليب ، وكرد على مكر الذين كفروا من بني إسرائيل ، يقول تعالى : ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي ومطهرك من الذين كفروا ﴾ ويقول تعالى ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم [...] بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ﴾ فكلمة ( بل ) تفيد الإضراب الإبطالي أي إبطال المعنى الذي قبلها والردَّ عليه بما بعدها ..والمعنى أن عيسى لم يقتل ولم يصلب كما توّهموا الذين كفروا وانما الحقيقة أن اللّه تعالى مكر من أجله فرفعه إلى السماء .

– القول أن رفع المسيح إلى الله تعالى لا يعني رفعاً مادياً حسياً بحجّة أن الله تعالى موجود في كل مكان ..هذا القول هو في قمّة البهتان ..قالقول أن الله تعالى موجود في كل مكان ، هو قول مغلوط ، لأن هذه المقولة تجعل من وجود الله تعالى هو عين وجود الكون ، عين وجود السماوات والأرض ، فوجوده سبحانه لا يخرج عن أقطار السماوات والأرض ، فالكون هو الله ، والله هو الكون ، وهذا يتضمن كفراً بمطلق الذات الإلهية ، فوجود الكون حادث ، محدود ، فكيف نجعل من وجود الله تعالى المطلق هو عين وجود الكون الحادث ؟!! وهل اللّه تعالى موجود كذات في الأماكن غير النظيفة ؟!! .. إن وجود الله تعالى وجود مطلق ، ووجود السماوات والأرض وجود حادث ، محدود غير مطلق ، والعلاقة بين المحدود والمطلق ، هو أن المطلق يحيط بالمحدود ، من كل الجهات ، ويعلو عليه ، ويقهره ، أي : أن وجود الله تعالى يحيط إحاطة مطلقة بالوجود الكوني ، ويعلو عليه ، ويقهره ، فلا شيء في الكون ، يخرج عن علم اللّه تعالى ودرايته وقدرته وقيومته ، فالكون بعظمته ، مقهور أمام وجود الله تعالى المطلق ، نعم ، فوجوده سبحانه وتعالى هو وجود مطلق قاهر على السماوات والأرض ، متعالٍ عليه .. فالسماوات والأرض ليست شيئاً يذكر أمام الله تعالى المطلق ..ورفع المسيح عليه السلام إلى اللّه تعالى تعني بكل وضوح رفعه نحو جهة العلو رفعاً حسياً ..كون اللّه تعالى متعالٍ على عالم الخلق وهذا ما تؤكده نصوص قرآنية مثل قوله تعالى : وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً

– رفع عيسى عليه السلام إلى اللّه تعالى رفعاً حسيَّاً ..لا يختلف عن تنزيل مائدة ماديَّة حسِّية من عند اللّه تعالى ، تحمل طعاماً ، إجابة لطلب الحواريين ..فكلاهما معجزة تمّت بقدرة اللّه تعالى ولا يحق لمتنطّع أن يشكك بقدرة اللّه تعالى ..فكما أن الله تعالى نزَّل بقدرته مائدة ماديَّة حسِّية من السَّماء ، تحمل طعاماً ، إجابة لطلب الحواريين ، رفع الله تعالى عيسى عليه السلام بجسمه ونفسه إلى السماء رداً على مكر الذين كفروا ،﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين۝قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا [....] ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾[المائدة: ١١٢-١١٤]

– لو نظرنا في الصياغة اللغوية للعبارة : ﴿ ورافعك الي ﴾ لوجدناها تؤكد صحة ما نذهب إليه ..فكلمة ( ورافعك ) جاءت بصيغة المتكلم المفرد للّه تعالى ..وليس بصيغة الجمع المتكلم كما في إدريس ( ورفعناه ..)  ...فصيغة الجمع المتكلم للّه تعالى تفيد أفعال إلهية لا تحمل أي خصوصية لأحد .. مثل إنزال اللّه تعالى الماء من السماء ..وإنباته..إلخ ..( أنزلنا ) ( أنبتنا ) ( فجرنا ) ( أخرجنا ) ...إلخ ..لأن هذه الأفعال تتدخل بها الملائكة والأسباب والعوامل ..مثل إنزال القرآن الكريم والكتب السماوية ..جاء بصيغة ( أنزلنا ) ( نزّلنا ) لأن الملائكة والروح القدس هي التي تنزل بالمناهج الإلهية ..ورفع إدريس عليه السلام ( ورفعناه مكانا عليا ) جاء بصيغة المتكلم الجمع ..لأنه رفع متعلق بالملائكة والأسباب ...بينما العبارة ﴿ ورافعك الي ﴾ تحمل دلالات الرفع فاعلها اللّه تعالى بشكل مباشر بعيداً عن الأسباب ..بعيداً عن الملائكة .كونها جاءت بصيغة المتكلم المفرد ..وهذه الصيغة ( ورافعك ) هي الوحيدة من بين مشتقات الجذر ( رفع ) في القرآن ..فضلاً أن العبارة ﴿ ورافعك الي ﴾ تحمل دلالات ذات خصوصية من اللّه تعالى مباشرة لعيسى  فقط وفقط .. كونها جاءت بعد العبارة : ﴿ إذ قال اللّه يا عيسى ..... ﴾وكل ذلك يؤكد أنه رفع مادي حسي .

–والفارق بين دلالات ﴿ ورافعك الي ﴾ ودلالات ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ يكمن في الصياغة اللغوية ، فالعبارة ﴿ ورافعك الي ﴾ ترد بالصيغة الإسمية صيغة إسم الفاعل ، متعلقة بالله تعالى مباشرة ( صيغة المفرد المخاطب ) ، وهذه العبارة بتلك الصيغة اللغوية لاتصور فعل الرفع ، وإنما تصور وعدا الهيا لعيسى عليه السلام بأن الله تعالى سيرفعه إلى السماء كرد على مكر الذين كفروا ، وأما العبارة ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ ترد بالصيغة الفعلية ، فهي تصور تنفيذ الوعد الإلهي المحمول بالجملة ﴿ ورافعك الي ﴾ .

– وهناك من يحاول أن يحرف العبارة ﴿ ورافعك الي ﴾ عن ظاهر دلالاتها ..بالقول أن رفع المسيح عليه السلام هو أن يكتبه عنده من الذين قتلوا في سبيله عند ربهم احياء و سوف يبعثون يوم الدين احياء للحساب ..نقول إجابة على ذلك ..من يقول هذا الكلام فهو يضرب بآية قرآنية ليلغي نص قرآني آخر..فالعبارة ﴿ ورافعك الي ﴾ هو خطاب ذات خصوصية من الله تعالى لعيسى عليه السلام بإنه يبشره بميزة ستحصل معه ، دون غيره ، دون غيره ، وهي رفعه إلى السماء جسماً ونفساً .. وبالتالي لا يمكن أن نسقط دلالات الاية﴿أحياء عند ربهم يرزقون ﴾ التي تشمل كل المؤمنين ، على العبارة ﴿ ورافعك الي ﴾ التي تحمل دلالات الرفع فاعله الله تعالى لعيسى عليه السلام كرد على مكر الذين كفروا ..فهؤلاء المؤمنون أحياء عند ربهم يرزقون ..كنفوس فقط..ولكن اجسامهم مدفونة في الأرض ..والحياة المقصودة هي الحياة الإيمانية ، وليس الحياة الجسمية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ فالجملة الأخيرة تؤكد أنهم أحياء بالإيمان بدليل كلمة ﴿ أَمْوَاتٌ ﴾ دون كلمة ﴿ موتى ﴾ فهؤلاء هم أحياء بالروح والإيمان وليس حياة عضوية

.. اما رفع المسيح عليه السلام فهو حدث ذات خصوصية لعيسى عليه السلام ، وهو رفع نفسه وبدنه إلى السماء رفعا مادياَ .




   نشر في 12 شتنبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا