على أيّ وجه ستأتي النهاية؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

على أيّ وجه ستأتي النهاية؟

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 11 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 26 ديسمبر 2018 .

على أيّ وجهٍ ستأتي النهاية؟..

هيام فؤاد ضمرة..

ما زالت تتردد أصداء تطورات قضية خاشقجي في الصحافة العالمية بشكل مدوّل، ليس فقط لأنها الجريمة الغريبة بتفاصيلها ونوعها، فهناك جرائم ارتكبت تضاهيها وحشية وقد تتفوق عليها، وليس لأنه الحدث الوحشي الحالي الذي ارتكب على سطح الكرة الأرضية، واسرائيل ترتكب كل يوم مئات الجرائم تفوقها وحشية وظلم وتجني ضد شعب أعزل لا يملك أوهن السلاح، يطالب بحقوقه الإنسانية الطبيعية في العيش الكريم واسترجاع وطنه المسلوب منه عنوة بقوة الإرهاب والترهيب، وبمساعدة وتمهيد من دولة استعمارية لئيمة وخبيثة تسببت في غالبية جرائم الكرة الأرضية.. ولكن لإلهاء العالم بقضية مثيرة عن القضية الرئيسة التي تجري في فلسطين وما حولها، فالعالم كله بات متواطئاً يغض الطرف عن الجرائم الأشد وحشية التي تحصد أرواح الشباب بالعشرات وتصطادهم كما العصافير، وكأن قضية العالم كله تمحورت بقضية ولي عهد السعودية ومقتل الصحافي السعودي داخل سفارة بلاده في اسطنبول، وتحديده كشخصية تتدارى خلفها على أنها المصدر وراء قرار التصفية، ومحاولات ترامب المستميتة ليحافظ على بقائه في موقعه من السلطة إلى أن تستكفي مبادرة صفقة القرن كافة أركانها ويتحقق لاسرائيل حلمها.

العالم بات يعرف الحقيقة وتفاصيلها، فيما الرئيس الأمريكي المراوغ يلعب بأسلوب الرقص الهمجي على طريقة قبائل الغابات في مراسم قتل الضحية وطهيها استعدادا لوليمة دسمة، فالوليمة اليوم هي قضية فلسطين وفرض واقع وجود دولة الاحتلال بكل الوسائل الأخلاقية واللا أخلاقية الممكنة.

الإدارة الأمريكية والكونجرس الأمريكي وشعوب العالم الغربي والعربي بما فيهم الشعب الأمريكي يعرفون الحقيقة الدامغة في قضية خاشقجي، ويحاول أهل السياسة في الولايات الأمريكية قدر المستطاع إطالة وقت التداول بها عن سابق تعمد لهدف إلهاء العالم بقضية ضحية العصر، فصفقة العصر التي يقدمها ترامب على طبق من ذهب تحتاج لقضية عصر مكافئة لها في الإثارة، تشتمل على المثير الغريب من التفاصيل لتجعلها محور اهتمام العالم فيدور حولها ويترك الآخرين يحفرون أساسات الصفقة بكل صفاقة.

لقد تم التضحية برجل مسالم كل ما فعله أنه ابتعد عن وطنه طائعاً تأبياً من ظلم حكام بلده الذين كتموا أنفاس تعبيره عن رأيه وجمدوا سيلان قلمه، وكان عقلانيا في طروحاته الفكرية السياسية وحريصاً على ألا يثير رجال الحكم في بلاده وهو العالم بأسرارهم ودواخلهم، من باب الحرص على ألا يعمدوا إلى الانتقام من أهله المقيمون بين ظهرانيهم.

بعد أن شاعت أسرار الجريمة التي حاولت السعودية نفيها في مبتدأ الأمر واكتفى ولي العهد حينها بالقول أن هناك فئة من المارقين (from regues ) قتلوا الرجل وتخلصوا بأعتى الحيل من آثار جريمتهم، والمارقون هم الخارجين من دينهم إلى الضلالة ببدعة منكرة، أو المنشقين عن جماعتهم بضلال عظيم حد الخيانة والغدر والشر العظيم.. عجيب أمر العرب، طالما هم من المارقين؛ لماذا إذن اتخذوا حيطتهم بهذا القدر من إحكام الخطة، واستخدموا كل وسائل تضليلهم للتستر على الجريمة حد تقطيع الضحية للاسراع في عملية تذويبه بالمادة الكيماوية الشديدة التأثير، ومن تحمل كل هذه الأعباء والتكلفة وفريق كبير أحضر من خارج الحدود بين ليلة وضحاها ناف تعداده عن العشرين شخصاً التي تفوق قدرات المارقين المالية والفنية، وحتى اتخاذهم كافة اجراءات التزييف والاحتياطات المعقدة للتغطية على الجريمة الوحشية، وكانوا يظنون أن جريمتهم ستظل طي الكتمان ولن يكشفها العالم خارج جدران القنصلية، فجمال خاشقجي ليس الإنسان الأول الذي تختفي أثاره عن الدنيا وتذوب سيرته كأنه لم يكن يوماً فيها، فالقصص السياسية وأسرار المخابرات الأمنية لدول كثيرة لا تحصى قد ارتكبت ما هو أعظم من هذا بكثير.

والحقيقة أنهم لم يكونوا على علم بالمفاجأة التي أطارت صوابهم بعد أن تحدثت حكومة تركيا عن الجريمة بتفاصيل دقيقة مرعبة، مما يؤكد أن بين يديها القرائن الصحيحة بما يؤكد قتل الصحافي وتقطيع جسد الضحية إلى أشلاء صغيرة بمنشار كهربائي فيما القتلة يستمتعون بالاصغاء إلى الموسيقى وكأنهم في منتدى رياضي يمارسون تدريباتهم، والقنصل يرقب كل ذلك عن كثب دون أن تطرف له عين.. ولم يعرف أي من أفراد فريق الإعدام أنّ ساعة يد خاشقجي كانت تسجل حتى أنفاسهم وقد كان خاشقجي أحس بارتياب وشك بأمر رجال قنصلية بلاده فعمد إلى ترتيب اجراءات تحفظ حقوقه فيما لو تم خطفه مستبعدا القتل بكل الأحوال، فاتخذ حيطته حيث عقله لم يبتعد إلى أكثر من محاولة خطفه إلى السعودية، كانت ساعته المتقدمة تكنولوجياً تسجل كل المجريات بالداخل إلى جهاز التلفون الذي تركه خاشقجي بين يدي خطيبته خارج أسوار السفارة وكان طلب إليها تسليمه للجهات الأمنية إذا لم يخرج، والتي سارعت بدورها بتسليم جهاز التلفون إلى مخابرات بلدها حين فقدت الأمل بخروج خطيبها خارج أسوار القنصلية، وعلى الفور وصل الخبر لأعلى جهات في الدولة التركية وبدأ مسلسل البحث وتتبع كافة الأحداث.

فقضية خاشقجي باتت تلقى بظلالها على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع بين الفلسطينيين واليهود (للاستسلام) بما أطلق عليها اسم صفقة العصر، واعتبرها الدبلوماسي الاسرائيلي يوسي بيلين أنها أحد أسباب تعطيل الكشف عن خطة ترامب التي تم تسريب الكثير من أجزائها خلال محاولات اقناع الحكام العرب بقبولها، لأنها تعتمد بالدرجة الأولى في التعويل على وليّ العهد السعودي لخلق الغلاف العربي الذي ستحتاجه، واتهامه بأنه وراء الجريمة البشعة وجريمة التسبب بالمجاعة والوباء لأهل اليمن، كل هذا عطل عليها أهم خطوة بالصفقة حيث الأسرة الحاكمة السعودية تلعب دوراً مركزيا في تسهيل سير الخطة حسب ما رسمه لها ترامب

حيث حكم الملك سلمان خالف كل التوقعات الغربية حين برزت بوادر الصداقة بين ولي العهد محمد بن سلمان وصهر ترامب جاريد كوشنر فشجع الأخير على بناء تحالف بين البلدين، وتبين أن من ممكن اعتبار ولي العهد عزيز الغرب والمحقق لأحلام حكام دولة اسرائيل، إلا أن تسلسل الأحداث الغريبة بالقبض على أثرياء البلد والاستيلاء على جزء خيالي من أموالهم، وحرب اليمن وما آلت عليه من نتائج إنسانية بالغة الضرر، وتوتر العلاقات مع كندا، وحصار دولة قطر، وقتل الصحفي الحر داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، ورفض التعاون في القضية وتسليم القتلة المجرمين لحكومة تركيا، تحولت كلها إلى ركام هائل من الإشكاليات متفاقم العقبات، وحال دون التقدم بمبادرة ترامب لإنهاء القضية الفلسطينية بالفوز الساحق للمصالح الاسرائيلية، فقد بات من الصعوبة بمكان التعويل في الوقت الراهن على ولي العهد السعودي وكل هذه القضايا تحاصره من كل زاوية.

هكذا خيّب ابن سلمان أمل واشنطن وإسرائيل في بناء حلمهما حتى الطابق الأخير من برج صفقة العصر، وكانت صحيفة "ها آرتس" ذكرت في مقالة للكاتب "دان شبيرو": إن مصلحة إسرائيل أن يبقى ابن سلمان في الحكم وتبقى السعودية حليفة الولايات المتحدة وهذا يتطلب ايجاد مخرج لابن سلمان من الورطة وإقناع العالم بها، إلا أن انتقاد الكونجرس الأمريكي على مقتل خاشقجي يجعل الأمور تبدو أكثر تعقيداً.. فقد فات على ذكاء ولي العهد السعودي أنه ارتكب أمراً بشعا بقتله خاشقجي بالطريقة الرهيبة التي بها حصلت، هي جريمة لا يستطيع الأمريكان احتمالها ولا قبولهم شخصية بمثل هذا الارتباك والسير معه في بركة متعكرة بالوحل، وعلى اسرائيل ألا تضع بيضها في سلته المخرومة لإلا تندم ندماً كبيراً".

من المؤكد أن العائلة السعودية محصورة الآن في زاوية ضيقة تعاني شعور وقوعها في ورطة كبيرة وتبحث عن مخرج مناسب، فسمعتها باتت مهددة وعليها أن تقلص حجم الأضرار بما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وهناك جيش من الخبراء والمستشارين يبحثون عن وسيلة لخروجها من عنق الزجاجة.

ويرى المحللون أن تحول الموقف السعودي بالنسبة للقضية الفلسطينية بعكس اتجاه حركة عقارب الساعة سببه الأول والأهم معرفتها بقرب نفاذ النفط في آبارها، وتعدد وسائل الطاقة المتوفرة في الوقت الراهن، وترى أنّ عليها أن تتخذ خططاً مختلفة بمواقف تحدد أولوياتها تجاه مصالحها بما يحفظ للأسرة استمرارية حكمها أيضاً.

فإلى أي مدى ستصل الأمور الراهنة؟.. ومتى ستنتهي القضية؟.. وعلى أي وجه سيستمرون في الصفقة الصفيقة؟ 


  • 1

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 11 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 26 ديسمبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا