" عذرية العقل" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

" عذرية العقل"

  نشر في 17 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 29 يوليوز 2019 .


_ جذبتني ذات مرة عبارة قرأتها ( ما فائدة عذرية الجسد ما دام العقل عاهراً ) ..وكنتُ قد قرأتها مراراً حتى أستوعب حجم ما فيها من معانٍ وإشارات يمكن لها أن تأخذ المرء جانباً غير الذي يأوى إليه ، وقد رأيتُ ما بها من حقيقة يمكنها أن تستوعب الكثير من المواقف التي نراها في حياتنا اليومية وبشكل مستمر ومخيف على السواء ، وأخذت أفكر ملياً .. تُرى ماذا كان يدور في عقل صاحبها حين قالها ، وما الذي دفعهُ لأن يصل إلي بعض كلمات بإمكانها أن تلمس عدة حقائق جملةً واحدة ..

ثم طرحت نفس السؤال على نفسي مرة اخرى وبشكل مختلف وكأن عليَّ الإجابة عنه بكل دقة ومصداقية ..

لكنَّي لم اجد جوابا حاضرا في ذهني ، وظل التفكير يأكل رأسي حتي شعرت أننا ولابد أن ننظر للأمر من زاوية أخرى غير التي إعتدنا عليها ..

وفكرت بلأمر الشائع الذي تربى عليه مجتمع كامل وأنا واحدة من هذا المجتمع الضيق جدا ، وهو أن المرء يولد بفطرة فريدة سواء ان كان رجلاً أو إمرأة ، وهذه الفطرة هي العذرية ، التي قد تلقينا الكثير من النصائح بشأنها منذ نعومة أظافرنا وعقولنا ، وأخذنا نتجرع مدى ضرورة المحافظة على تلك الفطرة وأن خدشها يكون به دمار الفرد دون مُبالغة لا سيما أن الشأن بحال المرأة هو أجَّل وأخطر ..ولا نختلف عند هذا الحد على شيء ٍ مما ذكرت ..

ولكن السؤال الذي يتأرجح في ذهني هنا هو بشأن عقولنا وليس أجسادنا ، فلماذا لن نتلقى ذات يوم أي محاولات للنصح بشأن عذرية العقل ..؟ أليست هذه أيضاً فطرة قد خُلقنا بها ..؟ أليس من واجبنا الحفاظ عليها ..؟

بل إنني أرى أنها الأولى بالحفاظ وأخذ الحيطة من أن تُخدش ..إذ أن العقل هو الذي يقود صاحبه للرذيلة أو الفضيلة ، كما أنه مناط التكليف والسؤال ، فقد نرى أشخاصاً ذو عفة جسدية وطهارة تُعادل طهارة يوسف الصديق ومريم إبنة عُمران ..وهذا حكماً ظاهرياً لمن أراد أن يتدبر ، لكنهُ لا يملك عقلا خصباً صالحاً لمجتمع سوي..

فالفكرة ليست في مجرد ظواهر بل هي أعمق من ذلك ،

فلو سمحت لنفسك أن تأخذ جولة تدبرية في الأمر سوف تصل إلى علتهُ ..

وعلى سبيل المثال اطرأ على نفسك سؤالا ، ماذا تفيد عذرية جسد إمرأة لم يخدشها رجل إن كانت أفكارها عاهرة ، وكيف يكون الحكم عليها كلياً بالعفة إن كانت عفتها مفروضة عليها وكيف السبيل إليى معرفة ذلك والتأكد منه ..؟

وكنت قد قرأت يوما مقولة لأستاذنا الدكتور مصطفي محمود ، تفي بأنهُ لا يمكننا الحكم على إمرأة بأنها طاهرة وذات عفة وهي بين الجدران دون أن تتعرض للمجتمع وتواجه الرجال ..

وهذا دليل على أن الحكم مُرتبط بالتصرُف والميل الفكري وليس الحسي فقط ..

فأي إمرأة لم تتعرض لما يشُد يد الطهر فيها للنزول عنه ، لا ينبغي الحكم عنها بأنها عفيفة ، ولا يوجد الان اي إمرأة لم تتعرض الى ذلك الاختبار بأي طريقة كانت ، والمهم هنا هو طريقة تفكيرها او مدى عذرية عقلها ..

فإننا نستطيع أن نحكم على المرأة بأنها طاهرة بعد خوض تلك المواجهات والاختيار الحر لجانب الطهارة والعفة بإرادة كاملة منها ، والمرأة التي تستطيع أن تعف عقلها فهي بالتالي تستطيع أن تعف جسدها لأن أفكارها سليمة وطاهرة لا يشوبها أي من أنواع الشهوات الفكرية التي يمكنها أن تأخذ المرء إلى ما هو يسمى بالشذوذ الفكري ، الذي ينبذه مجتمعنا الآن دون التفكير للحظات أنه كان من الأولى ان نولي أهتمامنا نحو جوهر الفكرة الأساسية وأن نلقن أولادنا وبناتنا معنى العفة والعذرية الحقيقية ..

وإن كانت المرأة على هذا القدر من العفة الفكرية كانت قادرة على أن تواجه جموعاً من الرجال دون أن تنزل عن عفتها لأن الامر سيكون عندها بمثابة مبدأ أصيل لا يتجزأ عنها ولأن عندها من القناعات والوعي ما يكفيها لأن تترفع عن هذه الذلل المغيضة ...

_وألأمر لا يتعلق بالمرأة وحدها ، فأيضا للرجل عفته ، ولكن ذلك لا يلقى إهتماما في مجتمعاتنا العربية ، لأن الرجل رجل لا يعيبه عيباً وليس لعذريته مقياس كما المرأة ، لكن الأمر عندما يتعلق بطهارة وعذرية العقل ، فإننا نجد أن الرجل والمرأة سواء في ذلك المبدأ ..

فالعبرة اذن بما يكتسبه الفرد من أفكار ومعتقدات تُشكل تصرفاته وتدفعه نحوها ، سواء أكان رجُلا ام إمرأه ..

وأيضا كما المرأة ، فإنه كلما كان الرجل لديه أفكاره السليمة الطاهرة التي تترفع به عن النزول الى منزلة الشهوات وإتباعها ، كان قادراً على أن يواجه جموعاً من النساء دون أن يجد في نفسه ضعفاً أمام إحداهن أو جميعهن ،

لكن مجتعنا الضيق الفكر قد ربى داخل الرجل فكرة أنه لا عيب فيه من جهة الطهارة وعفته وعذريته ليس لها مقياس كما أشرت من قبل، فتجد أفكاره ضعيفة وضيقة ، وانه سيد الأمر إن شاء اتخذ من العاهرات ملجأً له ولملذاته وإن شاء إنصرف عن ذلك آخذاً في اعتباره مبدأ الحلال والحرام ..

وإن كانت القضية هنا ليست في حرمانية العُهر من عدمه فهذا أمر مفروغ منه ، وإنما في مدى فهم أن هذه الحرمانية ليست مقتصرة على عهر الجسد وحسب ولكنها تمتد الى الفكر وان الفكرة هي التي تولد إنسانا ، فألانسان مجموعة من الأفكار تأخذه الى وجهتها ، وكل حسب ما أُعد لنفسه من أفكار ..

و التفرقة بين الرجل والمرأة في هذا الأمر تُولِد نقصاً وخللًا في المجتمع ، لأن كليهما يكملان بعضهما البعض لاسيما في تربية أجيال قادمة ..

ولسيت المقارنه لشيء سوى أن كل منهما إنسان ، يتأثر ويُؤثِر بغيره ويُولَد ويَلِد ويُربي أجيالاً لها تأثيرها أيضاً في المجتمع ..

لذا أرى أن معتقداتنا هي مُحركنا الأكثر قوة نحو مستقبلنا ، فالأمة التي تمتلك معتقد صالح تُربي أجيالاً صالحة ، والأمة التي تشربَت مُعتقد خاطىء تُربي أجيالاً خبيثة ..

والخُلاصة أن مجتمعاتنا العربية لديها من المُعتقدات الخاطئة ما ليس له نهاية مع الأسف ..

وأن هذه المُعتقدات لديها بالطَبع تأثيراتها القوية على الأفراد الكامنين بهذه المُجتمعات ..

مُعتقدات يَتَشربها الكثير منّا ويُلقنها لصغاره ، وكثيرٌ منا يسير على الوتيرة دون تفكير ، ذلك أن مُعظمنا لا يُفكر ولا يتدبر الأمور وهذا بعينهُ ما يُضيعنا ..

فالواجب على كل منّا أن يتعلم جيداً ، أن يقرأ ويتدبر ويعي أين هو وفي اي مجتمع يكون أفكاره ، والى أي وجهة يريد أن يتجه هو وأجيالا من بعده ..

فقد خُلق الإنسان بعقل سوي طاهر لديه القدرة على التفكر والتدبر ولديه القدرة على درء كل مفسدة يُمكنها أن تشوبهُ ..

فالنسأل أنفُسنا بجدية الآن.. أيُ مُعتقد يجب أن نولي أهتمامًا أكبر ، عذرية أجسادنا أم عذرية عقولنا ؟

وماذا يفيد إن كان المرء طاهرًا جسديًا وعاهرًا فكريًا ..؟


  • 8

  • Hend Ibrahim
    ليس مكاني لكنني أتعايش..هنالك بعض الاشياء التي تخفف عني أرق الأختلاف والتنافُر ، كَكثير من الكتب وبعض من الورق وقلم مُتعب مثلي من ثِقل الحياة ..
   نشر في 17 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 29 يوليوز 2019 .

التعليقات

DALLASH BAKEER منذ 4 شهر
فعلا مقال رائع ابدعت اختي..وللأمانة شجعتني لكتابة مقال معنونا بتلك العبارة القاتلة " ما فائدة عذرية الجسد ما دام العقل عاهرا" ..من ابلغ العبارات التي مرت علي..دام مدادك اختي
2
Hend Ibrahim
الله يسعد قلبك استاذي الفاضل..شكرا لرقي اخلاقك
DALLASH BAKEER
تحياتي اختي..لكن اين انت مما اكتب..انا جديد على الموقع
DALLASH BAKEER
كما قلت اختي فقد استوحيت مقالا نشرته الان عنوانه طهر الجسد من عبارتك "عذرية العقل " ولكنه بمضمون مختلف فشكرا لك ..اتمنى أن ينال اعجابك
Hend Ibrahim
اعتذر اخر لإنشغالي لكن اعدك ان اقرأ ما تكتبه..وبالنسبة العنوان المُستوحى من مقالي ، فلي كل الشرف أن تفعل ذلك ..تحياتي
DALLASH BAKEER
تحياتي اختي بوركت
Maha منذ 4 شهر
مقال عظيم و رائع
2
Hend Ibrahim
بارك الله فيكِ
وماذا يفيد إن كان المرء طاهرًا جسديًا وعاهرًا فكريًا ..؟
لماذا لم تفصلي بالشرح بين الطهارة و بين الفكر الناقص هنا....رائع جدا سؤالك ، تمنيت شخصيا لو قرأت التحليل لمبدأ الخلل...روعة منك هذه الحقيقة.
أحسنت.
2
Hend Ibrahim
تركت الاجابة لذهن القاريء ، فلا اريد من قاريء ان يلتقم كلماتي وان يتبع مذهبي ، اريده ان يفصح هو بنفسه عن اجابته ، ليقف امام نفسه موقف الوضوح...
شكرا لكِ دكتورة اسعدني مرورك
مريم مريم منذ 7 شهر
ماذا أقول؟؟..فكرة صراحة "قائمة بذاتها"..أسلوب رائع وجميل..هذا ليس رأيك ورأيي في رأيك لايهم..لأن هذا الذي أنت بصدد التحدث عنه..هو الواقع..الواقع بأم عينيه..الواقع ياحبيبي الواقع الذي تداخلت فيه المفاهيم واختلطت كلها عن بعضها البعض..حتى لم نعد نفرق بين الأشياء.. فالكل بدا متساوي لأننا أصبحنا نأخذ بالمظاهر..عقلنا يلزمه عملية غسيل عقل..لأننا فعلا صرنا على حافة الهاوية..مقال مستنير فكريا وروحيا ..أتمنى لك التوفيق..بارك الله فيك..لقد قلت كل شيئ لم يتبقى لي ماذا أضيف صراحة.. أحسنت القول..أحسنت اختيار العنوان..مقال متكامل شكلا ومضمونا..أحسنت أحسنت أحسنت
4
Hend Ibrahim
شكراااا جدا ، اسعدتيني بكلامك
Samah abd el kader منذ 7 شهر
لقد قرأت المقال أكثر من مرة ‘ مقال عميق وأسلوب أعمق ‘ وأكثر ماأشد إنتباهي " أن المعتقدات هي محركنا الاكثر قوة نحو مستقبلنا ‘ فالامة التي تمتلك معتقد صالحآ تربي أجيالا صالحة ‘ والامة التي تشربت معتقد خاطئ تربي أجيال خبيثة " ففي النهاية المعتقدات هي التي تحدد مصائرنا وتوجهنا نحو المسار والوجهة المراد وصوله... !
4
Hend Ibrahim
بارك الله فيكِ ، أسعدني رأيك ومرورك الراقي ❤
مقال عميق الفكرة والمضمون.. لقد ابدعتى بدرجة كبيرة في طرحك الممتاز . هند .. احياك على فكرك المتألق وقلمك المبدع ..
و للاجابة على سؤالك أيهما يجب أن نولى أهتمامًا أكبر ، عذرية أجسادنا أم عذرية عقولنا ؟ في رأيى الاثنان معا .. إذ أن العقل كلما كان سويا و طاهرا .حال دون انقياد صاحبه نحو الرذيلة وحثه بقوة في انتهاج الفضيلة لذا فالمرء بعقله الذي منحه الله تعالى يستطيع ان يفكر ويتدبر ويحرص على درء كل مفسدة يُمكنها أن تشوبهُ .. وبالتالي يحقق نوعي العفةو العذرية التى طرحتها في مقالك
ومن ثم فإن عذرية وطهر العقل والقلب ستؤدى حتما الى عذرية وطهر الجسد ... تحياتي وتقديري لكى هند
4
Hend Ibrahim
شكرًا جزيلا أستاذي على هذا التقييم الرائع جدا ..وأيضًا بإجابتك ادركت أنك وصلت لمُبتغى المقال ، وأحييك على رأيك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا