احزاب متناحرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

احزاب متناحرة

  نشر في 14 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 21 ديسمبر 2016 .

إن المتأمل في حال البشر وصفاتهم يرى أشكال وثقافات وعادات ونظم مختلفة، فالبعض يسكن في الصحراء والبعض الآخر اتخذ المدن موطنا وآخرون في قمم الجبال عاشوا وبعضهم في سواحل البحار أقاموا. فلكل أمة هوية ولكل شعب تعريف ولكل مجتمع خصائصه العقلية والنفسية والاجتماعية التي تميزه وتعطي له طابعه الخاص بداية من بيئته إلي قوانينه إلي طباعه نهاية بأسس حياته .

ولكن السؤال هنا : هل هذه الخصائص المتضاربة وتلك الثقافات المغايرة يجب أن تؤدي إلي الاقتتال والخصومات أم تكون قنطرة عابرة للشعوب لمزيد من التعارف والتواصل، هل يجب أن تكون سببا لنتحارب أم سببا لنتعاون ؟ هل يجب أن تعطي مبررا ليستعمر بعضا بعض أم ينبغي أن تصبح همزة الوصل لنبي حضارات وأمجاد نشارك فيها جميعا .

أعتقد أن الإجابة لا تحتاج منا كثير عناء؛ إذ المتطلع يجد في طيات القرآن الكريم آية يستشف منها الغرض ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) فالآية صريحة في بيان الحكمة وإظهار العلة فالاختلاف كان للتعارف والتنوع كان للتعاون؛ إذا فأي جريمة نراها اليوم من النزاعات التي تنشأ لمجرد الاختلاف في الرأي أو التباين في الفكر ؟ لماذا كل هذه الحروب التي تعزو في سببها الأول إلي اختلاف الاعتقادات والمبادئ والعادات ؟ هل حقا هذه النزاعات سببها المباشر هو اختلاف الثقافات والأيدلوجيات ؟ أم أنها النرجسية والعصبية كل لذاته وقبيلته ومعتقده .

ما نراه اليوم علي الساحة من الصراعات هو نتاج مباشر لبعد الفهم والتواصل بين المتناحرين ، فسوء الفهم والجهل وعدم معرفة أفكار وثقافات الغير يجعل البعض يتخذ من القرارات والإجراءات ما يحمل معه التهديد للآخرين دون أن يشعر أو يقصد، ومن ثم تنشأ العداوات والحروب الطاحنة نتيجة أولية لذلك .

فالذي يحتقر غيره لشكله أو لفقره أو لدينه هو في الحقيقة إنسان عنصري يتبختر بما يملك ويتفاخر بما يعتقد، فالعنصرية ليست وليدة هذه الأيام وإنما يمتد أثرها إلي أيام الجاهلية وعصر ما قبل الإسلام، فما قرأنه في القصائد الشعرية من التعالي والاحتقار للقبائل بعضها لبعض لهو دليل ملموس علي ذلك ، والحروب التي أقيمت لأصغر وأهون الأسباب كان مرجعها الأول والأخير التعامي عن احترام وتقدير حياة الآخرين وطرق معاشهم والإسلام حينما آتي محا كل ذلك .

واللافت للنظر أن أخطر ما في العنصرية ألا تقتصر علي المال أو الجاه أو اللون بل تمتد لتصل إلي التصنيف الديني، وأن تنبي القرارات والأحكام بناء علي الاختلاف المذهبي وأن يصبح القتل والتنكيل مصير الإنسان الذي يختلف معك في إيمانه وديانته.

إذن ما هو المقياس الذي يجب أن نقيس به ؟ وما هو المعيار الذي يوقفنا علي نتيجة مقنعة تهدي حيرتنا في هذه القضية ؟ والجواب تجده في الجزء الثاني من نفس الآية ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) فهذا هو الترمومتر الذي به يتمايز البشر عند خالقهم ، فليس بالمال ولا بالشكل ولا بالجاه يحق لأحد أن ينصب نفسه أميراً أو سلطاناً علي البشر. فالتقوى هنا تعني الخير الذي يقدمه المرء لغيره دون تمييز بين مؤمن بفكره أو مخالف له والخدمات التي يبذلها في بناء مجتمعه وارتقاء أمته دون ظلم أو جور يوقعه علي مجتمعات تخالفه في الرأي أو العقيدة لم يصدر منها تجاهه أي عدوان أو أذي .

أرجو أن نكسر حواجز الخوف من المعرفة وأن نقترب من بعضنا أكثر فالإنسان عدو ما يجهل والجهل يؤدي إلي ما نراه اليوم.


 



  • Omar Abd Allal
    كاتب وباحث في الشئون الأنسانية والأدبية
   نشر في 14 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 21 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا