دمـــــــــاغ فـي وعــــاء! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دمـــــــــاغ فـي وعــــاء!

فكرة فلسفية

  نشر في 17 فبراير 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

تخيــل أن يقـوم عالم شرير بإخضاعك لعملية جراحية يستأصل فيها دماغك ، ثم يضعه في وعاء يحتوي على مواد مغذية تضمن بقائه حياً. ثم يقوم بإيصال النهايات العصبية لدماغك بجهاز حاسوب فائق (سوبر كومبيوتر) والذي سيمنحك الوهم بأن كل شيء كما هو - الناس ، والسيارات ، والأشجار ، والسماء - كل شيء سيبدو طبيعياً بالضبط كما لو كنت تعيش بجسد حقيقي في عالم حقيقي.

لكن الحقيقة - أن كل ماتراه ليس إلاّ نبضات إلكترونية تُرسل لدماغك عن طريق هذا الحاسوب الفائق. وأنت تعيش الآن في عالم افتراضي محاكي للواقع.

هل يبدو ذلك كـكابوسٍ  مرعب ، أو كـقصةٍ من قصص الخيال العلمي؟ ربما ، لكن أليس هذا أيضاً ماكنت ستقوله لو كان دماغك في وعاء ؟!

توقف لدقيقة واحدة وتسائل ، تحسس جسدك ، انظر حولك بتأمل ، فكر بما تشعر به الآن - هل أنا حقيقي أم أعيش في برنامج محاكي للواقع ( مجرد دماغ في وعاء) ؟! 

من المحتمل أنك لا تعتقد بأن دماغك يطفو في وعاء أو أنك تعيش في برنامج محاكاة ، لكن يجب أن تعترف أنه لايمكن لك أن تكون واثقاً من ذلك.


المشكلة الحقيقية - هي إن حدث ، وكنت دماغاً يطفو في وعاء عند ذلك العالم الشرير - فإن كل الأشياء التي تراها ، وتشعر بها - كل خبراتك عن العالم من حولك ليست حقيقية. فـكل ماتعرفه ليس إلا معلومات عن عالم افتراضي في جهاز حاسوب.

أي أنك لا تعرف أي شيئ!

 

لكن ، هل يمكن الفرار من الوعاء ؟!

تعود قصة الدماغ في وعاء إلى الفيلسوف الأمريكي هيلاري بوتنام في كتابه ( السبب ، والحقيقة ، والتاريخ ) الصادر عام 1981 ، لكن جذور الفكرة تعود لأقدم من ذلك. ففي القرن السابع عشر استحضر الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت فكرة الجني السيء الذي يحاول خداعه وايهامه بوجود كل مايجري حوله في العالم الخارجي.

كان يهدف ديكارت إلى إعادة بناء المعرفة البشرية على أسس ثابتة متبنياً في ذلك "مبدأ الشك" ، فبعدما أشار إلى إنعدام موثوقية حواسنا والإرتباك الناتج عن الأحلام ، قام بنبذ كل المعارف والمسلّمات حتى تلك التي حملت نسبة ضئيلة من الشك. دفع ديكارت بمبدأ الشك إلى الحد الأقصى - ففي كتابه تأملات في الفلسفة الأولى - يقول:

رينيه ديكارت
"سأفترض إذن .... أن جنياً سيئاً، لايقل خبثه ومكره عن بأسه، قد استعمل كل ما أوتي من حنكة لتضليلي. وسأفترض أن السماء، والهواء، والأرض، والألوان، والأشكال، والأصوات، وسائر الأشياء الخارجية التي نرى، ليست إلاّ أوهاما وخيالات، يلجأ إليها الشيطان كي يقنعني."

لكن مابين ركام معتقداته وآرائـه السابقة، وجد ديكارت ضالته; cogito ergo sum - أنا أفكر إذن أنا موجود.  ( سنتحدث عن ذلك في مقال آخر ).

وهنا يأتي سؤال: هل الشك والتفكير في فكرة الدماغ في وعاء / الجني السيء ينفي احتماليتها؟ أيعني هذا لو كنت دماغاً في وعاء متصلاً بالحاسوب الفائق فستكون مبرمجاً بطريقة تمنعك التفكير في ذلك؟


فيلم The Matrix 1999
فيلم The Matrix يجسّد هذه الفكرة - حيث يكتشف أحد قراصنة الحاسوب ( نيو ) أن العالم عام 1999 ليس إلاّ محاكاة افتراضية للواقع صُمّمت بواسطة جهاز استخبارات إلكترونية - وأنه وبقية الناس تم وضعهم في قوالب مليئة بالسوائل المغذية - متصلين سلكيا بجهاز حاسوب.




قبل مدة ليست بالبعيدة إقترح الفيلسوف السويدي نـك بوستروم أن هناك احتمال كبير أننا نعيش في برنامج محاكاة!

ففي المستقبل قد تتوصل الحضارة البشرية إلى مستوى متقدم من التطور يمكّنها من استحداث عوالم افتراضية للعقول البشرية باستخدام مصادر قليلة من الطاقة - فقد يتمكن جهاز حاسوب واحد في المستقبل من خلق عوالم افتراضيه تسكنها آلاف العقول !

من الطبيعي أن نعتبر هذا الكلام مجرد افتراض حول المستقبل، لكن ماذا لو أن هذا المستقبل قد بدأ بالفعل، وأن هناك عقولاً تعيش في عوالم إفتراضية؟

ومن الطبيعي أن نفترض أن ذلك مجرد هراء ، لكن ألا يمكن أن يكون ذلك جزءً من جودة البرنامج؟



مذهب الشك (الشكوكية) Skepticism:

يطلق مصطلح 'شكوكي' على الشخص الذي يميل للشك في المعتقدات الشائعة أو الذي لايثق بالأشخاص أو الأفكار بشكل عام. بهذا المعنى توصف الشكوكية كميول صحية ومنفتحة لفحص وسبر غور المسلمات الشائعة. هذه الحالة العقلية غالباً مفيدة كدرع حماية من السذاجة وسرعة التصديق. لكنها قد تنقلب أحياناً إلى مشكلة عندما يصبح الشك غير مبرر بأسباب منطقية ويصبح الشخص شكاكاً في كل شيء.

ما اذا كان ذلك جيداً أو سيئاً فهو يعتمد على المعنى  المقصود; فالمعنى العام للشك يختلف قليلاً عن معناه الفلسفي. 

الفيلسوف الشكوكي لا يدعي الشك في كل شيء ولا يقول بأننا لا نعرف أي شيء - لأن ذلك تناقضا - فمعرفة أنك لاتعرف شيء هو بحد ذاته اعتراف بمعرفتك لشيء واحد.

موقف الشكوكي هو تحدٍ لحقنا في ادعاء المعرفة. فنحن ندعي أننا نعرف الكثير من الأشياء، لكن كيف يمكننا الدفاع عن هذه الادعاءات؟ هل يمكن دعمها بالمنطق والبرهان؟ ولكي يكون هذا المنطق مقنعاً أليس من الضروري وجود أرضية مشتركة يتفق عليها الجميع؟


 نحن نكتسب معارفنا عن العالم عن طريق الحواس، وأحياناً مدعومة بالمنطق! لكن أليست حواسنا دائماً عرضة للخطأ؟ كيف يمكن لنا التأكد من أننا لا نمر بحالة هلوسة أو أننا نحلم، أو أن الذاكرة تخدعنا؟

وإذا كان يصعب علينا التفريق بين الحلم واليقظة، كيف يمكن لنا الجزم بأن مانعرفه ونعتقد بوجوده هو بالفعل حقيقي وليس حلماً!

مثل هذه المخاوف عندما تصل للحد الأقصى تقود إلى فكرة الجني السيء أو العالِم الشرير.



 يشعر الكثير بأن الفلاسفة اللاحقين لم يكونوا أكثر نجاحاً من ديكارت في قهر الشكوكية. المقلق أنه في الأخير لايوجد طريقة أكيدة للهروب من الوعاء حيث يستمر بإلقاء ظلاله العميقة حول الفلسفة.

 



المصدر: 

Fifty philosophy ideas you really need to know - Ben Dupre



  • 10

   نشر في 17 فبراير 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

مقال رائع و معلومات مهمة، الفكرة الفلسفية التي تصف الوعي كما لو كان عبارة عن دماغ مرتبط ببرنامج أو حاسوب منطقية جدا
شكرا يا على
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا