عار الخرافة على جبين العقل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عار الخرافة على جبين العقل

  نشر في 15 يناير 2017 .

لعل من الركائز التي يستند عليها فعل الإصلاح و التغيير، سواء تعلق الأمر بما هو ديني، ثقافي أو سياسي، ألا يجعل نصب عينيه نفي و إلغاء كل ما سبقه من أفكار و تنظيرات، و مرد ذلك إلى علتين : أولاهما أن كل فكرة سابقة إلا و قد عاشت و شاعت بين الناس، تبناها أقوام و صاروا لها من الحماة، و هذا ما قد لقيه كل مصلح عبر العصور، فلو كان بالإمكان إرجاع العقل البشري إلى نقطة الصفر، لكان الحديث عن آليات الإصلاح ضربا من الهذيان، ثم ثانيتهما، أنه يستحيل عقلا إلغاء الموروث العقلي و إن كان خرافياً، فالشواهد تملي أن الأفكار الموروثة ليس بمنطق العقل زائغة من جادة الصواب بالكلية، ثم إنك في عملية البناء قائم على المتين منها لإرساء فكرك الجديد. و الملاحظ تاريخيا، أنه كلما طال سبات العقل البشري إن صح التعبير،إلا و توسعت في المقابل دائرة الانحرافات الفكرية والعقائدية، و سادت التفسيرات المبنية على أسس الخرافة و الأسطورة ... و أنه كلما انتفض للعقل أحد، إلا و أدرك أن جهد الدعوة إلى التجديد و الإصلاح مضاعف .. كيف لا و أمامه عمليات من الترشيح الفكري و العقائدي، ثم البناء الحضاري الإنساني ..

إننا في معرض حديثنا عن سبل التجديد الفكري، و ما يواجهه من معاندة أمام فكر الخرافة، لن نتطرق لتبيان دور الرسالة السماوية في هدم هذا الفكر المتهافت، و إنما نحيط بالموضوع من جانبه العقلي المحض، ذلك أننا نروم تأطيره في سياقات شتى، ليست حصراً على الدين، و أن معالجة الخرافة من منطلق ديني خالص، يستلزم بالضرورة الإنطلاق من مقدمات دينية.

إن المتتبع لتطور الفكر البشري، إنطلاقا من مرحلة الإنسان البدائي الذي أوكل فهم و تفسير الظواهر الطبيعية إلى القوى الخارقة، مرورًا بمرحلة التفكير الميتافيزيقي و التي نظر فيها الإنسان إلى تفسيرات تلوح وراء الطبيعة، لتأتي مرحلة التفكير العلمي المبني على القوانين الدقيقة، يرى أن فكر الإنسان البدائي ظل متغلغلا في جماجم طائفة من الخلق، و أن العقل مهما بلغ من منازل الرقي الفكري و التطور العلمي فسيظل حبيس فكر الخرافة على العموم. إن هذا المشهد المختل يضع كل محاولة جادة لفهمه محل دهشة، و لعل استقراءه في مجتمعات و ثقافات مختلفة يستوجب عيناً تحيط بكل دقيقة علماً و هذا ما يزج بنا في متاهات نحن في غنى عنها. فالمتابع للثقافة المغربية مثلاً، سواء العربية أو الأمازيغية منها، يجزم بأن الوعي الإنساني في معظم تجلياته متخبط في الحضيض، و أن جذور الخرافة لا زالت متجذرة في صلب المنطق المغربي. إن ضعف العقلانية، بمعنى المراوغة والمماطلة في التحليل الصحيح والعميق للأمور، من أهم العناصر التي تعمل على إيجاد الخرافة، و استمرار توغلها في الفكر والمعتقد.

من هنا فإننا نحاول استعاب بعض من مظاهر الخرافة القائمة في محيطنا، مبرزين، بشكل مقتضب، أسباب تبني هذه التخاريف في عصر العلم، على أننا لسنا علماء إجتماع أو بُحاثاً متخصصين. عندما نسمع أو نرى، أحدهم و هو ينهانا عن تناول الطعام من مغرفة، عن تخطي المستلقي أرضاً، أو يغرقنا في ويلات دخان البخور مقدماً لنا أسباباً كنا قد قبلناها ببراءة الطفولة، محتجاً على ذلك بشواهد لأعيان أصابتهم لعنة المحذور، نوقن بعدما استنار عقلنا أن الجلل عظيم، و طوبى لمن نجا من نقل الوباء للأجيال المستقبلية، لكنا نتحسر لاستمرار الخرافة بيننا. إن هذا الدجل الاجتماعي العميق قد خلف، بسبب الجهل و الفقر و الفعل المقصود من الجهات الرابحة، دجلاً سياسياً و دينياً و اقتصادياً ذريعاً، فالخطاب السياسي الذي نتلقاه هو نفسه الذي سمعناه منذ عشرات السنين، لا زال يتكرر علينا لازلنا نؤمن به ليس ببراءة الطفولة و إنما بغباء العقل، إن مجتمعنا يأبى إلا أن يكون مجتمع الشعارات السياسية والفكرية بامتياز ومجتمع العقول الآسنة التي تربت في مراتع الأحزاب السياسية القائمة والمبرمجة على الفكر الخرافي المبتذل والذي لم يتغير ولم يتطور بتغير الزمن ولم يتم تحديث أي شيء فيه، أي داخل هذه الأيدولوجيا المريضة والعمياء. و قس على ذلك الخطاب الديني القبوري، الذي جعل من الزوايا حجر الأساس فيه، فصار يسرد الدين و كأنه أحاجي ليسلب منه روحه و يحجزه بين أسوار المساجد و الزوايا، و يا ليت الأمر توقف هنا، بل إن مفهوم المقدس في الدين قد تمت توسعته ليشمل كل ما خطر على بالك، و إن هذا لهو لب الفكر الخرافي. و بالتالي، لا يسعك إلا أن تصرح بأن هذا السم المدسوس تتبناه عقول فاقت في الدهاء عقول اليهود، أو لعلها هي، فتحرير العقل من فكر الخرافة، و تمهيد السبل لإصلاح و تجديد الفكر ينطلق من العلم و ينتهي إلى العلم، فيجب مراجعة و إعادة بناء مناهج التربية و التكوين على أسس علمية و عملية تجعل من العقل محور لها، و تكثيف برامج رفع و ترقية الوعي لدى عموم الشعب عبر وسائل الإعلام، و على المنابر الرجوع إلى دورها بتنوير العقول و نشر الفكر العقلاني ...

إننا هنا ندعو سراً و جهاراً إلى ثورة فعلية معقلنة على الموروث العقلي، تنطلق من مخضه ثم إخراج زبده، و إعادة توجيهه تحت آليات المنهج العلمي تلقياً و تحليلاً و تلقيناً، و إذا كان العقل أعدل قسمة بين الناس، فسينكشف الحجاب، لكل ذي لب، عن جنود خلية الخرافة الضارة، فنستيقن حينئذ أن الظلام الذي نعيشه إنما هو ظل غرابين حجبت عنا نور الضياء ..


  • 2

   نشر في 15 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا