قصة الامل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قصة الامل

مصاعب الحياة

  نشر في 23 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 10 ديسمبر 2018 .

في زمان ما كان هناك قوما مختلفون في كل شئ , مختلفون في الطباع والمعالم لا يشبه احدا فيهم الاخر ؛ وكان من بينهم رجلا سكن حديثا في قريتهم من بعد ان اخذ الطوفان منزله واسرته ولم يتبقى له شئ سوى خشب مبلل من منزله المهدم . ألحق الطوفان الخراب والدمار في منزله فالتجأ الى قرية بعيدة لينسى ما حل به وباسرته , حمل امتعته وغادر بعيدا مخلفا وراءه الماضي المؤلم الذي الم به ، سار في الطريق والحزن يصب من عينيه وينبع على وجنتيه ، كان حزينا لدرجة انه تمنى انه لو انه كان في المنزل وقت وصول الطوفان ليحتضنه مع ابناءه وزوجته ولكن " ما نيل المطالب بالتمني " .

وصل الرجل الى ينبوع الماء واقدم اليه ليشرب رشفة منه بعد ان حرم على نفسه الماء !! اخذ بضع قطرات ليبل بها ريقه فنزلت غصة فلم يستطع ان يبتلعها ، تابع مسيره بعد ان اوشك النهار على ان ينقضي فاختبأ في بطن صخرة كبيرة انشأها طوفان ما !! وضع حقيبته تحت رأسه واغمض عينه واذ بصوت ينادي عليه من انت ؟ وما الذي جاء بك الى هنا ؟ افاق الرجل فزعا خائفا واذ به طفلا لا يتعدى العاشرة من عمره ذو ثياب رثة ممزقة بنية اللون لا تُظهر سوى لون الطين .

قال الرجل : انا سعد ومن انت لقد افزعتني , وماذا تفعل في هذا المكان الموحش ؟! قال الفتى بنبرة غضب : هذا منزلي وانت ترقد في سريري .

ازاح سعد بجسده عن الارض ووقف وعقله ملئ باسئلة كثيرة يا ترى من هذا الفتى ومالذي جاء به الى هذه المنطقة ولما يظهر بهذا الشكل الموحش ؟! هز الفتى سعد وقال له اخرج من هنا هل انت اصم .

اخذ سعد اغراضه واهم في الخروج واذ بالسماء تمطر بغزارة فساد الظلام الدامس في ارجاء المكان , تردد سعد بالرحيل لما رأه من هول الظلام !! ولكنه عرف انه غير مرحب به في هذا الصخرة التي كانت بمثابة قصراً للفتى ومكان دافئ يقيه من البرد .

قال الفتى : بصوت عالي انتظــر !!

حل الظلام واصبح المكان موحشا لا يسمع الا اصوات انفاسهما , تقاسم الفتى رقعة من الجلد واعطاها الى سعد لينام عليها , اخذ سعد الرقعة ووضع رأسه على الارض وغط في نومٍ عميق واصبحت الاحلام والمخيلات تراوده وكانها حقيقة . وبعد انقضاء رحلة الاحلام استيقظ سعد مرتجفا من البرد حتى كادت اقدامه تلتصق ببعضهما , اخذ نظرة سريعة في ارجاء الصخرة فلم يرى الفتى !! تنفس سعد الصعداء مع شروق الشمس واخذ اغراضه وخرج من باب الصخرة , مشى بخطوة ثابتة وفي كل خطوة يخطوها تتبعها التفاتةً لباب الصخرة لعلى يرى الفتى ويشكره .

وصل سعد الى قرية مليئة بالاكواخ المزخرفة والاشجار الحرجية والنباتات المتسلقة في كل مكان , سر سعد مما رآه وعندها علم انه سوف تكون هنا نقطة البداية ، نقطة بداية لنهاية فترةٍ سيئة فقد فيها زوجته واطفاله . وصل سعد الى مدخل القرية ولكنه كان مدخلا ملئ بالاشواك الحادة والنباتات السامة , تردد سعد بالدخول وخاف مما سوف يحصل له اذا اقدم على الدخول وفجاة سمع صوت من بعيد " اراك تحب ان تدخل الى اماكن لا تعرفها!! " التفت سعد وراءه ورأى الفتى ، ضحك سعد وقال : اين اختفيت في الصباح ؟! وما قصتك ؟! ولما انت هنا .

قال الفتى : تمهل لديك الكثير من الفضول من نحوي ! سوف اخبرك لاحقا بقصتي ولكن هل تريد ان تدخل الى هذه القرية حقا ؟!

قال سعد : لن اخبرك بشئ ما لم تخبرني من انت وما قصتك .

قال الفتى : اها حسنا ! انا لا اعرف لي اسما ولكن اسميت نفسي صخرا لاني اود ان اكون مثله قويا صلبا في كل الظروف سواء في البرد او الحر , كنت اعيش مع ابي في بيت صغير في قمة الجبل وكان ابي يعمل حطابا يقطع الاشجار وينزل ليبيعها لاهالي هذه القرية وكنت حينها لم اتعدى الرابعة ، وكنت في بعض الاحيان انزل معه لاساعده في حمل الاخشاب الصغيرة التي كان يربطها لي ابي على ظهري لاستطيع ان احملها كل تلك المسافة . وذات يوم لم يأخذني ابي معه للعمل وبقيت في المنزل انتظره وانا اراقب تحرك الشمس من مكان الى اخر ، فقررت الذهاب الى القرية عندما اصبحت الشمس مائلة باتجاه الغرب اكثر منه الى الشرق , وصلت الى مدخل القرية فرأيت رجلاً عجوزاً ، قلت له : هل رأيت ابي الحطاب يا عمي ،

نظر الي نظرة شفقة وقال : لا اعرف !! وذهب .... رحت اركض في ارجاء القرية وانادي ابي! ابي! ابي .... ولكن لم يسمعني ابي واصبحت انزل كل يومٍ في مثل هذا الوقت لانادي ابي !! ولكن ابي مازال يجمع الحطب ولكن لايسمعني !! عندها علمت انه اتى شتاء غزيرا وازاح في طريقه اباء وامهات واطفال كثر.

وصل سعد إلى ما وجدهُ بدايةً لحياته وقال في عقله ربما سوف انجو مما انا فيه ولن ادع الاحزان تسيطر على حياتي ،ولن ادع ظروفي المريرة تعانق احزاني وتسيطر عليها بل سوف أجلبُ مطرقةً وأدمر بها ما سلف لأفتحَ باباً جديداً تمرُ منه ضحكات اطفالي ودعوات زوجتي لي ، عندها قرر سعد الدخول بكل قوة !!

مشى سعد في أرجاء القرية ورأى الأسواق مزدحمة بكل انواع التوابل والاقمشة الجميلة ذات الالوان الزاهية لترسم في مخيلته شكل جميل يعكس جمال الايام القادمة من حياته ، تقدم سعد من البائع وقال له : كيف حالك يا رجل انا سعد هل يمكنك مساعدتي ؟ قال له التاجر : أهلاً بك كيف استطيع مساعدتك .

قال سعد : هل تريد عاملاً يساعدك في حمل هذه الاقمشة ويساعدك في بيعها ايضا ، قال الرجل : نعم انا احتاج الى شخص يساعدني في عملي ، هل يمكنك ان تخبرني ماذا كنت تعمل سابقاً .

قال سعد : كنت اعمل في صيد الاسماك وصناعة شباك الصيد . سُر الرجل مما سمعه وقال : كنتُ ابحثُ عن أحد يستطيع صنع الشباك لأن جميع الصيادون لقوا حتفهم في أخر طوفان أصاب القرية . وعليه أهلا وسهلا بك في عملك الجديد , سوف أعطيك ثلاثة دراهم في اليوم وثلاثةً اخرى عند صناعة شبكة صيد .

قال سعد : أتفقنا سيدي , ولكن أين سوف أقيم ؟!

قال التاجر : سوف تنام في المتجر هنا وتكون حارساً للمكان , هل أتفقنا ؟!

قال سعد : توكلنا على الله .

حل المساء وبدء الهدوء يعمُ في أسواق القرية و متاجرها , ومع أقتراب إنجاز سعد للشبكة توجه نحوه صاحب المتجر وقال : إنك رجلاٌ موهوب ولكن عليَ أن اذهب الى المنزل .

ومع إنتهاء صناعة شبكة الصيد قام سعد وتجول في أرجاء المتجر ليتفقد المكان ويغلق الابواب واذ به يرى شيخاً طاعناً بالسن أكل الدهر منه وشرب ذو لحية بيضاء طويلة ناصعة البياض لا تشوبها شائبة اكتسبت بياضها من تكرار سنوات مرت عليها .

تقدم سعدٌ منه وقال له : مرحبا يا عم كيف حالك ؟

التفت الشيخ نحوه وقال : الحمد لله رب العالمين , من أنت ؟ أنت غريب عن هذه القرية ,لم أرك من قبل .

قال سعد: نعم لقد جئت اليوم إلى هذه القرية واعمل عند تاجر الاقمشه ’ أحملُ له الاقمشة واصنع شباك الصيد ايضاً .

ضحك الشيخ ضحكة مائلة للعفوية وممتزجة بالتأوه المصحوب بابتسامة ثم قال : حسنا وفقك الله !!

أستغرب سعد من جواب الشيخ وظن أنه سوف يخبره بجواب يليق بتصرفه الغريب و قال في نفسه إنه رجلا كبير ولا يدري ماذا يفعل .

ودع سعد الشيخ وفي رأسه شك مما حصل .

مشى الشيخ مبتعداً مسافةً لا يُرى بها بسهوله فصاح من بعيد " انتبه يا بني لا تقع فريسة لهذه الشباك " .

اختفى صوت الشيخ في المكان ولكن ما زال يصدح في رأس سعد !!

لم يستطع سعد النوم مع تكرار صدى صوت الشيخ الكبير, ومع مرور الوقت بدأ هذا الصوت بالاختفاء تدريجياً وحينها اُغمضت عيناه لوهلةً .

طُرق باب المتجر بعنف شديد وتزاحمت اصوات الصيحات والبكاء العالي , إستيقظ سعدٌ فزعاً خائفاً من هول الموقف والاصوات . ركض سعد نحو الباب مسرعاً خائفا لا يدري ماذا يحصل وفتح الباب , واذ برجل يقول له إستيقظ لقد اقترب الطوفان هيا أخرج الى مكان آمن .

لم يكمل الرجل كلامه واذ بالارض تهتز من تحتهم خاف الرجل وذهب مسرعاً ويصيح لقد اقترب الطوفان أنجو بحياتكم !!

لم يستطع سعد من فتح باب المتجر من هول قوة المياة التي تصطدم به , بدأت المياه تغزو المكان ولا يستطيع سعد ان يفعل اي شئ , صعد على طاولة ليحاول ان يخرج من النافذة , حاول سعد بصعوبة ولكنه نجح اخيرا بالخروج .

خرج سعد مبتعداً والمياه تتدفق من خلفه وتدفعه تارةً وتقلبه تارة ً اخرى, فقدَ سعد وعيه مع اصطدام رأسه بحجر كبير ومعه بدأت المخيلات تراوده مرةً اخرى .

إستيقظ سعد على ضفاف النهر وفوق رأسه تجمهر اهل القرية جميعهم وكان من بينهم صاحب المتجر , قال سعد : اين انا ؟ ومالذي حصل لي ؟.

قال التاجر : الحمد لله على سلامتك يا سعد إنك رجلاٌ محظوظ لقد نجوت من الطوفان .

نُقل سعد الى بيت التاجر لكي يستعيد صحته وعيناه مليئةً بالدموع والآهات , قال له التاجر: ما بالك يا سعد لما كل هذا الحزن هل يؤلمك شئ .

قال سعد وفي صوته الحزن الشديد الممزوج بالحُرقة : لقد تمنيت الموت بهذا الطوفان وسرد له قصته .

أهز التاجر رأسه قليلا وقال لسعد : لا تكن هكذت يا رجل ولتحمد الله على السراء قبل الضراء , فالله رحيما بعباده اكثر مما نتخيل

لقد كنت في تجارة إلى بلاد بعيده وكان لدي عائلةً كبيرة أٌحبُها ويحبوني , ودعتهم حينها ولم أراهم من بعد ذلك اليوم , لقد أخذهم الطوفان كما اخذ أناس كثيرين وبعد عدة سنوات من الحزن والألم احببت فتاة جميلة كانت لي زوجة وأم واخت وكل شئ في هذه الدنيا , انجبت لي قتاة تشبها لم تتعدى السنتان من عمرها اخذهما الطوفان ايضاً .

ضاق صدر سعد كثيراً لما سمع وعندها علم أنه ليس الوحيد من يملك احزان تعج في صدره .

وقام ووقف على الارض وقال : يجب ان نفعل شيء لهذا الطوفان اللعين وان نمنعه من القدوم لنا مرة اخرى .

مع مرور هذه الأزمات على سعد قام بالتفكير وجمع أهل القرية جميعهم لبناء سد حجري يكون عبارة عن مصد لمياه الامطار مع تكوين تصاريف لهذه المياه والاستفادة منها لاحقاً ...

من منا لم يمر بحزن في حياته , ولكن دائما يوجد الأمل الذي يولدُ معه الإنتصار وتحقيق السعادة .

فالامل منديلٌ يجفف دمعة الحزن ولولا الأمل لما استطاع أي منا أن يكمل طريقه . لقد قام سعد ببناء سد من الامل والتفاؤل بأن القادم اجمل ومنع مرور الحزن بالصبر وعدم الاستسلام والتوكل على الله ... وكما قيل في مقولة احبها " لوّن حياتك بألوان التفاؤل والسعادة والفرح، الحياة كلوحة تنتظر الألوان لتغدو أكثر جمالاً، نولد ولوحة حياتنا بيضاء نقيّة، منا من يحولها إلى الســــواد ومنا من يحافظ على نقائها و صفائها، إذا سمـاؤك يوماً تحجبت بالغيوم أغمض جفونك تبصر خلف الغيوم نجوم والأرض حولك إذا ما توشحت بالثلوج أغمض جفونك تبصر تحت الثلوج مروج، رغم وجود الشر هناك الخير، رغم وجود المشاكل هناك الحل، رغم وجود الفشل هناك النجاح، رغم قسوة الواقع هناك زهرة أمل 



   نشر في 23 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 10 ديسمبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا