مصدر الشر: السياسات الخارجية الدولية للدول العظمى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مصدر الشر: السياسات الخارجية الدولية للدول العظمى

من يهدد أمن الإنسانية في العصر الراهن؟!

  نشر في 25 مارس 2016 .

مصدر الشر: السياسات الخارجية الدولية للدول العظمى

فكري آل هير

ارتبط مبدأ حماية الإنسان – كفرد أو مجتمع- من أي تهديدات أو مخاطر قد تحيق به بتاريخ نشوء وتطور الدول والعلاقات الدولية على طول مسار التاريخ البشري، لاسيما تلك التهديدات والمخاطر التي تهدد أمن وسلامة المجتمع الإنساني في أي مكان أو زمان، سواء كانت ناتجة عن الحروب أو عن الكوارث الطبيعية أو حتى عن الأوبئة والطواعين، وإن كان الأمر قد تركز أكثر على الحروب والنزاعات المسلحة، كونها من صنع البشر وتخضع لإرادتهم، خاصة وأنها ارتبطت دوماً بممارسات همجية، ووحشية من ظلم، وعدوان وسفك للدماء، امتدت لتشمل المدنيين الأبرياء دون تفرقة.

لقد كانت المبادرة الأولى التي أدت الى وجود نظم وقواعد إنسانية شاملة للحد من تلك الممارسات والمخاطر والتهديدات، نابعة من المضامين والقيم والقواعد التي جاءت بها الأديان، والتي كان تأثيرها قوياً بحيث أدى الى التراجع عن تلك الممارسات القاسية في ساحات القتال بدافع إنساني، ثم جاء الفلاسفة والمفكرين والمصلحين، وقدموا إسهامات جليلة عززت ورسخت الكثير من المبادئ الإنسانية والأخلاقية، والتي بدورها أصبحت مصدراً غنياً لقواعد القانون الدولي الإنساني(1).

ومما لا شك فيه أن الأساس في تحقق الأمن والسلم العالمي، يكمن في الحيلولة دون حدوث أي تغيير سلبي في الواقع الدولي, أو الإخلال بأوضاعه, والعلاقات فيه, أو تبديلها بما يلاءم مصالح دولة ما, وذلك باتخاذ إجراءات دولية جماعية ضاغطة, أو مانعة لمحاولات هذه الدولة أو مجموعة الدول. كذلك فإن قواعد الأمن والسلم الإنساني تنكر استعمال العنف المسلح كوسيلة لحل التناقضات والخلافات بين الدول, وسياساتها, ويؤكد على اعتماد الطرق والأساليب السلمية.

ولما كانت القوة في الماضي، وما تزال، الأساس في تحديد إطار استراتيجيات الدول والمحرك لأنماط العلاقات الخارجية وتقرير طبيعة أهداف سياساتها, وباعتبار أن إمكانات الدول في مجال القوة ليست متساوية في الكمّ والكيف, فإن الأقوى كان وما زال يستغل هذه القوة لفرض مصالحه على الآخرين من دون اعتبار لمصالحهم, وبغض النظر عمَّا يسببه من أضرار لهذه المصالح. من هنا كانت فلسفة "الحق للقوة" (Might makes right) هي السائدة في المجتمع الدولي منذ القديم. وعلى الرغم من النظريات المثالية الحالمة, فإن القوة هي الواقع في التعامل الدولي, أما الأخلاقيات فتقع في مكان ما بينهما(2).

وتتمثل القضية الأساسية في السياسة الدولية اليوم بسيطرة القطب الأمريكي الأوحد. وهو التغير الذي طرأ على الساحة الدولية في أعقاب سقوط المعسكر الشرقي "الاتحاد السوفياتي" في مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي، وإعلان الولايات المتحدة عن انتهاء حقبة "الحرب الباردة (Cold War) وقيام ما أسمته "النظام العالمي الجديد"، والذي حمل معه مضموناً واحداً أشار بكل وضوح الى بداية عصر القطبية الأحادية والهيمنة الأمريكية على النظام الدولي.

لقد اتضحت طبيعة هذا التغير في النظام الدولي في ثلاثة أمور أساسية، أولها تغير هيكل النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية تهيمن الولايات المتحدة عليه. وبرغم الجدل الذي ثار بعد انتهاء الحرب الباردة حول ما إذا كان النظام الجديد أحادي القطبية أم متعدد القطبية، إلا أن تفاعلات الفترة الممتدة منذ بداية هذه المرحلة، أثبتت أن الولايات المتحدة بامتلاكها عناصر القوة الشاملة تقف على رأس النظام الدولي، وأن القوى الأخرى الصاعدة، مثل روسيا واليابان والاتحاد الأوروبي والصين، لم تستطع أن تشارك أو تتحدى أو توازن الولايات المتحدة في سيطرتها على النظام الدولي. بل إن أحداث 11 سبتمبر في عام 2001 قد عمقت انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي، وذلك في سياق حربها على الإرهاب. وبرغم أن العديد من الدول الكبرى، مثل روسيا وفرنسا والصين، عارضت هذه الحرب كما حدث في العراق، إلا أنها لم تمنعها، بل أدت تفاعلات ما بعد تلك الحرب إلى توافق المصالح بينها وبين الولايات المتحدة.

ومن جهة أخرى فقد قاد هذا التغير أيضاً الى ظهور مصادر جديدة لتهديد السلم والأمن الدوليين. فبعد أن كانت الحروب التقليدية بين الدول هي المصدر الأساسي لتهديد السلم والأمن الدوليين إبان الحرب الباردة، فقد شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة سيطرة وانتشار الحروب داخل الدول، سواء على أسس عرقية أو إثنية أو لغوية أو دينية. كما يلاحظ على هذه الحروب تشابكاتها الإقليمية وتركزها داخل دول العالم الثالث، خاصة قارات إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وأدت لانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، ومن ثم تزايد التدخل الدولي للاعتبارات الإنسانية أو بذرائع تخفي حقيقة أهداف تلك التدخلات. إضافة لذلك، فقد أدى التغير في النظام الدولي إلى انتشار مصادر غير تقليدية لتهديد السلم والأمن الدوليين، مثل الإرهاب الدولي الذي قفز ليحتل أجندة النظام الدولي بعد أحداث 11 سبتمبر، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، إضافة للكوارث الطبيعية والأمراض والفقر والمجاعات، وكلها تشكل تهديدات بالغة الخطورة للسلم والأمن العالمي.

كما أدى الانتقال من منظومة توازن القوى الى منظومة هيمنة القطبية الأحادية، الى تغير أولويات النظام الدولي. فبعد أن كان الصراع الأيديولوجي بين المعسكر الاشتراكي - بقيادة الاتحاد السوفياتي - والمعسكر الغربي - بقيادة الولايات المتحدة - هو السائد في فترة الحرب الباردة، فقد تراجعت الأيديولوجيا فى فترة ما بعد الحرب الباردة، وأصبح الصراع الاقتصادي وصراع المصالح هو الأساس، كما أصبحت أولويات النظام الدولي هي مواجهة الإرهاب الدولي، والفقر، ونشر الديمقراطية، والاهتمام بحقوق الإنسان، مع أن سلوكياتها على الأرض تظهر عكس هذه المبادئ والشعارات في كثير من الأمثلة والنماذج التي حدثت حتى الآن، لاسيما في أفغانستان والعراق(4).

إن الواقع الدولي اليوم، يثبت بشكل جلي فشل كل الجهود وعجز كل المنظمات والاتفاقيات والمواثيق الدولية، في الحد من المخاطر والتهديدات الناجمة عن السياسات الخارجية الدولية للدول العظمى، وأن السياسات الدولية التي تتبعها تلك الدول في إطار تحالفاتها وهيمنة القوة العظمى "الولايات المتحدة" باتت تمثل أحد أقوى الأسباب والعوامل المؤدية بشكل مباشر وغير مباشر الى تهديد الأمن والسلم العالمي.

لقد أصبح النظام الدولي اليوم على المستوى الجيوسياسي – كما في نظر هنتنغتون- مؤسساً على نظام هجين ومركب بشكل غريب فالأنماط التقليدية للتفاعلات الدولية – أي الأحادية والثنائية والتعددية القطبية- لم تعد تجسد واقع السياسة الدولية، حيث أصبحت بنية النظام الدولي قائمة على أساس نظام أحادي- متعدد الأقطاب، يتسم بوجود قوة عظمى منفردة هي الولايات المتحدة، تتفاعل مع مجموعة من القوى الرئيسية(4).

إن التحدّيات العالمية الجديدة التي أفرزتها منظومة الهيمنة الأحادية والتي تتغطى بقناع (العولمة)، طرحت تهديدات جديدة لأمن البشر على الأصعدة الاجتماعية والتنموية والصحيّة والاقتصادية والبيئيّة والثقافيّة كافة، ولاسيما الفقر والمجاعة والبطالة والهجرة والأمية والهويّة القومية وشح المياه العذبة، والاتجار بالمخدّرات والإنسان، والجريمة المنظّمة والعنف الدولي والإرهاب.

وانطلاقا من هذا الواقع المأسوي في بداية القرن الحادي والعشرين، أصبحت مسألة حقوق وأمن الإنسان في أولوية اهتمامات المجتمع العالمي، ومرتبطة ارتباطاً وثيقًا بمسألة السلم والأمن الدوليين، وبعبارة أخرى بالأمن العالمي. وقد أعطت الأمم المتحدة مبادئ حقوق الإنسان المكان الأول في النصوص والدراسات منذ إنشاء المنظّمة حتى الآن. إضافةً إلى الإعلانات والوثائق الدوليّة التي صدرت، عقدت مؤتمرات عديدة ووضعت عدة اتفاقيات دولية حول حق الحياة ومناهضة التعذيب، وحقوق الطفل، وحماية حقوق جميع العمال، والحق في التعلُّم، والحق في صحة سليمة والحق في بيئة نظيفة، كل هذه المعطيات كان لها انعكاس إيجابي على تطور مضامين حقوق الإنسان من الحقوق السياسيّة والمدنيّة إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصاديّة، إلى حقوق التنمية البشرية "التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والتنمية البيئيّة... "، وأدَّت إلى ظهور مفهوم الأمن البشري والسلام العالمي بمضامينه الجديدة(5).

وتظل الإشكالية كامنة وناتجة عن ازدواجية المعايير التي تحتكم إليها السياسات الدولية الراهنة تحت مظلة النظام العالمي القائم، لاسيما السياسات الدولية التي تتبعها القوى العظمى في علاقاتها وتوجهاتها الخارجية، فبينما ترتفع الشعارات المعنونة لهذه السياسات متضمنة التأكيد على ضرورة إحلال الأمن والسلام العالمي، فإنها في الوقت نفسه تظهر ميلاً كبيراً الى استخدام القوة والعنف في مواجهة التحديات التي تنشأ هنا أو هناك، الأمر الذي لا يؤدي في أغلب الأحوال الى تحقيق الأهداف المرجوة والمعلن عنها، بل الى مضاعفة التهديدات والمخاطر التي تمس أمن وسلامة الإنسان والمجتمع العالمي، كما حدث في أفغانستان والعراق، وفي ليبيا وسوريا واليمن مؤخراً، بالإضافة الى مناطق أخرى في العالم ساهمت فيها هذه الازدواجية في تصاعد موجة العنف وخلق المزيد من التهديدات وهدر فرص تحقيق السلام والأمن بالطرق الدبلوماسية والحلول السلمية.

خلاصة الأمر، سياسات الدول الكبرى الخارجية هي مصدر كل الشرور التي تهدد أمن الإنسانية في عالم اليوم..!!

**

(1). بيللسير فولجا: نجاح وفشل عمليات الأمم المتحدة الحالية في مجال الأمن الدولي". المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، مركز مطبوعات اليونسكو، القاهرة، 1995. ص 32- 33.

(2). راجع: إسماعيل صبري مقلد: الاستراتيجية والسياسية الدولية: المفاهيم والحقائق الأساسية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1979. ص 76.

(3). أنظر: محمد أحمد المقداد: واقع الأمن الجماعي في ظل سياسات التدخل الدولي- العراق – دراسة حالة، بحث غير منشور، معهد بيت الحكمة - جامعة آل البيت، 2008. ص 22- 24.

(4). أنظر: جان زيغلر: سادة العالم الجدد، ترجمة محمد زكريا إسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، كانون الأول- 2003. ص 100 – 102.

(5). أنور قرقاش: إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي ودولة الإمارات العربية المتحدة الاحتمالات والتحديات في العقد المقبل, من كتاب إيران والخليج البحث عن الاستقرار, مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية, 1996, ص207-208.


  • 1

   نشر في 25 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا