أبعاد مسألة الغلو في الدين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أبعاد مسألة الغلو في الدين

كلمة حق أُريدَ بها باطل

  نشر في 26 غشت 2018 .

     مسألة الغلو في الدين في هذا الزمن، تخللها كثير من التعقيدات، وأُريدَ بها المشكلات، وإفشاء الفساد، يتصدى كبار المفسدين للتكلم فيها من كل واد، لينصروا بها خبثًا ثاويًا في أعماق أفئدتهم .

      هؤلاء يأتونك من حيث لا تشعر، بحيث يصيبك أحدهم سهمًا في منتصف جبينك لا يعقبه دم ظاهر لك، فلست تراه، ولا تشعر به...

{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ} [سورة الأنفال:30]

فلا تتوقع أن يأتيك هذا المنافق قائلًا: أريد أن أشكك في دينك لتنسلخ عنه! أو: عفوًا أريد إضعاف إيمانك! بل هو أذكى من ذلك بكثير، فهو يتستر تحت جلباب الحرية، والحب، واليُسر، والرأفة والرحمة؛ ليسوّل لك فكره الرخيص .

    الغلو: ( المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد) - ابن حجر، فتح الباري: (13/ 278).

فالغلو في الدين: مجاوزة الحد فيه سواءً بالاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال .

     لكن ليست هذه القضية المجردة عن أي غموض موضوعي، إنما الذي أردت تسليط الضوء عليه، هو أنه يكثر من المنافقين التلفظ بعبارات أمثال: الغلو في الدين، التطرف الديني -ومما شابههما-، تتلقاها مسامعنا منهم كثيرًا، واستطاعوا بنجاح أن يُبلّغوها الآفاق، ولا نجد عبارات من أفواه هؤلاء تنادي بالدعوة إلى التمسك بالدين، والتزوّد من العلم بقدر الأولى، فيا للعجب !

     والنفوس بطبيعتها تنجذب إلى الكلمات الإيجابية، وهم يتغنون بالسلام والحب والحرية، ويسوقون في هذا الميدان الأحاديث والآيات القرآنية، ليحكموا قبضتهم على الجُهّال، والمراهقين، وأحيانًا طلبة العلم حتى! فهم يبحثون بحثًا واسعًا لأجل التمسك بأي دليل جليل؛ ليضعوا فكرهم الخبيث في قالب الموعظة،فهم يقولون كلمة حق أرادوا بها باطلًا؛ خادمين بذلك غرضًا بنفوسهم .

     فهذا الذي يؤثر فيك بعذوبة حرفه، وبجمال علاقته مع خالقه وخلقه، تجد عليه بعض الخلافات اليسيرة، وتمضي الأيام إلى أن تكون كبيرة!

بحيث تدريجيًا، العابد، طالب العلم المجتهد، يبدأ يسب هذا العالم وذاك؛ لأنه بتحقيره لمكانتهم المُنيرة العالية، يُثبت مكانته المُظلمة السافلة، إلى أن يصل بسبّه إلى من هو يُعد من أشرف العلماء السابقين، فهو يصعدُ منبرًا للمنافقين، يتكلم فيه بجرأة ويطعن من في زعمه من المتشددين، ويحاول سحر الناس بسذاجة عقله مستعملًا لطيف الألفاظ وجميلها؛ ليقع خبث صنيعه على من يقع .

     إذا حللنا الموقف، هو استطاع دخول قلوب الناس، وتمكّن من كسب ثقتهم، ولم تكن هذه الخلافات اليسيرة، وسِيمة وجهه ملحوظةً لديهم، فيرون أنه أحسن الناس في عصره، بحيث لا يدركون الهيئة التي أظهرها، والتي هي في الأصل حقيقته، فلو ظهرت لهم من قبل، لما نظروا إليه حتى .

فيرى الناس أن هذا هو المعتدل، وأن الملتزم بالدين على الوجه الذي يرضي العظيم -سبحانه- ما هو إلا متشدد !

     فتفشى مبدأ (محاربة الغلو) في المجتمع حتى صار مستفحلًا، ومن الناحية العقلية المنطقية، إذا كَثُر التركيز وطال على جهة، فلا بد أن يحدث خلل بالجهة التي تقابلها، فيجب أن توزاي كفة الميزان أختها، أو على الأقل تتقاربان، فإن لم يحدث هذا؛أورث خللًا في الكفة الأخرى .

     ولهذا لا شعوريًا وتدريجيًا يهون عليك أمر كل عاصٍ، بينما في فؤادك تبدأ مشاعر استنكار -وربما شيءٌ من الاستقباح- للمتديّن المستقيم بالرغم من عدم غلوّه، في ظاهره وفي خلوّه .

     فيغدو هذا الطفل البريء، بعد عدة سنوات، شابًا اكتسب ما اكتسب من المعارف والمبادئ، تجده عند مسألة التدين ينفر كل النفور، بينما يستهين بكبائر الأمور!

ولا تثريب عليه، كيف وقد نشأ في مجتمع منافق داعٍ بكل ما أوتي من قوة وعتاد إلى مسألةٍ ظاهرها أنها شريفة، وباطنها المكر والخديعة .

     ختامًا، فليكن الوعي ظلنا الذي نستظل به، فالموجات المعاصرة تكاد تعصف بالمجتمع لولا فضل الله عليه، فهي ساكنة هادئة تتلذذ الأعين عند النظر إليها؛ لطهارتها الظاهرة، ولكنها تخفي في قاعها المظلم المخيف ما الله به عليم .


  • 8

  • لمى
    لا يهم الكم بقدر ما يهم الكيف، فلا تتفاخر بكثرة سيلان حبر قلمك فهو ربما هدر، وربما حتى شاهد عليك، فاهتم (بماذا) تكتب لا (كم) تكتب.
   نشر في 26 غشت 2018 .

التعليقات

أصبت كبد الحقيقة فكثير من هؤلاء الذين يحذرون من الغلو و ينادون بالتيسير هم في الحقيقة ذئاب يدعون للتمييع.
0
لمى
جزاك الله خيرًا على إطلاعك وتشجيعك الذي أثّر طيّبًا في بساتيني...
أريد سؤالك ما مقصودك حين قلت: "يدعون للتمييع"؟
ياسين اشبان
عنيت أنهم يدعون للانحلال الخلقي و التحرر من ضوابط الشرع. فهم ييسرون الأمور لحد إلغاء الأوامر و النواهي. و منهم من لا يدعو لذلك و لكنه يحب التساهل في شرع الله. و راجعي إن شئت مقالي بخصوص التساهل عند النساء.
في الحقيقة ارى ان الغلو هو السم الذي دسه الاعداء في حياة المسلمين و من تكفل بالمهمة هم بعض المسلمين انفسهم لان الحق واحد و لا يتعدد فاقول دائما اننا وسط مشروع هادم يحقق بايادي عربية و بتمويل عربي مسلم و من يكشف الحقيقة سيسمى ارهابيا الاسلام واحد و الدين واضح و الغلو منبوذ بارك الله فيك
0
لمى
أعداء المسلمين غالبًا على قسمين: إما كفرة مجاهرين، وإما متسترين بالإسلام من بني جلدتنا منافقين
فلسنا نضع اللوم كله على قسم ونهمل الآخر، وبالنسبة للمسلمين الذين ذكرتهم قد لا يكونوا كذلك فقد يكونوا علمانيين خارجين عن الدين يتسمّون باسمه ولا يتصفون منه بشيء
أشكرك على مشاركتك
ماااشاءالله تسلم الأيادي على المقال
بارك الله تعالى فيك اختي الكريمة…….وثقل ميزانك بما تفعله من
مجهود في الدعوة لدين الله تعالى
تقبل مني مرورا متواضعا
وأسأل الله تعالى أن يجازيك علي عملك هذا خير الجزاء..
لك جل تقديري واحترامي
1
لمى
وسلمت يداك لجميل ما خطته من دعوات ...
مقدرة مرورك الكريم، وأسأل الله أن يرزقنا العلم وينفعنا بما علمنا
آيــة سمير منذ 2 سنة
سلمت يداك، تحدثت و أوضحت بشكل سلس و سليم
1
لمى
وسلمتِ وبوركتِ
Salsabil Djaou منذ 2 سنة
مقال أكثر من رائع لمى ، وأهميته بالغة جدا ،الخوف يكمن دائما فيمن يدعون التدين بل ويدرسون أصول الدين لإقناع الناس بأنهم مجتهدون يحاولون تسهيل الدين على الناس ،و قد وصل الأمر بهم إلى تحليل الحرام الواضح ،كشرب الخمر مثلا ، و ربطه بشروط لا أساس لها ،نحمد الله على وجود علماء ثقات يدحضون كلامهم بالحجة الدامغة ،غير أنهم يستمرون في التأثير على البعض ،هي حرب ممنهجة ضد الإسلام و ثوابته كما وضحت في مقالتك الرائعة ،دام قلمك المتميز لمى ، مودتي و تقديري.
3
لمى
نعم كما ذكرتِ يدرسون أمورًا بيّنة وصحيحة لتكون وسيلة لغايتهم الخبيثة...
جميلتي سلسبيل شكرًا جزيلاً فكم أحب تواجدك بين مقالاتي المتواضعة يا صديقتي الحبيبة
Salsabil Djaou
قلمك رائع يستحق كل الثناء ،أشكرك جزيلا ،تقدير متبادل صديقتي الغالية ،مودتي .
ابو البراء منذ 2 سنة
دعيني احييك بداية لنصرة دينك وغيرتك عليه .. فما خطه قلمك غاية من الدقة و واقع الحال واسمحي لي ان اضيف الى مقالك كلام لست صاحبه ولكني اعيه تماما واحفظه عن ظهر قلب قد يكون مكملا لحروفك في زمن اصبح الدين فيه هدفا و هدم حضارة الاسلام غاية واملا :
إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فهناك خطوات ثلاث هي:
1/ هدم الأسرة
2/ هدم التعليم.
3/اسقاط القدوات والمرجعيات.
*لكي تهدم اﻷسرة:عليك بتغييب دور (اﻷم) اجعلها
تخجل من وصفها ب"ربة بيت"
*ولكي تهدم التعليم: عليك ب(المعلم) لا تجعل له
أهمية في المجتمع وقلل من مكانته حتى يحتقره
طلابه.
*ولكي تسقط القدوات: عليك ب (العلماء) اطعن فيهم قلل من شأنهم، شكك فيهم اجعلهم مثاراً للإختلافات
حتى لايسمع لهم ولا يقتدي بهم أحد
. ( وهنا ملتقانا في مقالك الرزين )
فإذا اختفت (اﻷم الواعية)
واختفى (المعلم المخلص)
وسقطت (القدوة والمرجعية)

عندها تسقط الأمة بسقوط فكرها
3
لمى
لا تدري عن مدى سروري للرد على مثل هذا التعليق الهادف الراقي، حروفي تستحي الوقوف بجانب حروفكم، بارك الله فيكم .
ممتنة، بل ممتنة جدًا للإضافة التي زان مقالي إثرها، وأتفق تمامًا مع ما ذكرته والله المستعان الحافظ.
لفتني اهتمامك بحفظها -ما شاء الله- أسأل الله أن يجعل هذه الدرر شاهدةً لك يوم القيامة .
خالص الشكر والتقدير، وبالتوفيق
ابو البراء
كل الاحترام سيدتي
مقالة رائعة.. وان لم تذكر دور الإعلام (السحرة) في توطيد أسس هذه الحرب الصامتة نوعاً ما... تحياتي
1
لمى
أردت التركيز على البذرة لا ساقيها، أتفق معك الإعلام جدير بالذكر ولكن من جهتي لا أحبذ مجرد ذكره والتكلم بشكل يسير عنه؛ فهو يحتاج لطرح الأدلة والتوثيق فلربما إن ردت التكلم عنه جعلته بحثًا لا مقالًا
شرفني مرورك أستاذ
سلطان الدعجاني
العفو ويسرني اطلاعك على مدونتي المتواضعة
لمى
أطلع عليها الآن إن شاء الله

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا