بين آنا وايدا. سؤال الإنسان المتكرر عن ذاته وحياته - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين آنا وايدا. سؤال الإنسان المتكرر عن ذاته وحياته

  نشر في 26 غشت 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

 يتبنى فيلم "إيدا" للمخرج البولندي بافل بافليكوفسكي وجهة نظر مضادة نحو مسألة مسئولية النازيين الألمان عن ما حدث إبان الحرب العالمية الثانية من إبادة لليهود ما سمى بـ (الهولوكوست). ذلك أنه يطرح رؤية مغايرة، يتهم فيها أو يحمل البولنديين المسيحيين ذلك الأمر، حيث استغلوا تلك الحالة التي شاعت في ذلك الوقت من خطاب دعائي معادي لليهود، وكذلك حالة الفوضى التي عمت البلاد بالتأكيد أثناء الحرب، ليستولى البعض منهم على ما يريدون من ممتلكات الغير. وهو أمر شائع في لحظات الفوضى والاضطراب السياسي وعدم انضباط الأمن، خصوصاً إذا ما اقترن بكراهية اليهود والتحريض ضدهم طوال الوقت فيكون بهذا كل ما لديهم مستباح ومعرض للانتهاك، يعرض الفيلم تلك الرؤية المغايرة لكل من عرفناه وما قدمه الآخرين من رؤى تتعلق بهذه المسألة وهو في هذا إنما يتحول بمسار الموضوع بعيداً تماماً عما يتوقعه وينتظره المشاهد ليكسر أفق توقعاته لدى تناول مثل هذا النوع من الموضوعات، وتلك النقطة من الأمور الجيدة التي تحسب للسيناريو في كيفية عرضه لفكرة سبق وأن تم التعرض لها في السينما، أي ليست بالفكرة الجديدة إنما قدمها بطرح فكري ورؤية للواقع السياسي والاجتماعي مغايرة عن السائد، وهذا يعد من أبرز الأشياء التي تفيد كاتب السيناريو تحديدا لدى تعرضه لموضوع ما، بأن يبحث دائما عن المنظور المغاير والأكثر التصاقا واحتكاكا بالواقع بعيدا عن الرؤى الجاهزة والأفكار التقليدية المتفق عليها


 ونجد في "إيدا" فكرة العلاقة بين الإنسان وماضيه وكيف أن الإنسان يظل دائماً محاصر واسير إحداث ووقائع قد لا يكون له يد بها، فتلك الفتاة "أنا" تكتشف بعد أن تربت وكبرت في هذا الدير المسيحي أنها ليست كما تعرف عن نفسها، انما هي "يهودية" الاب والام من اليهود، تركاها في رعاية خالتها ابان الحرب العالمية الثانية، والتي اودعتها بدورها احد الأديرة لتحميها من بطش الألمان باليهود، ولعل هذا يمثل صدمة وتحولا في حياة اي انسان، ان يجد نفسه فجأة انسان اخر بديانة اخرى، خصوصا وانها قد كانت تستعد لمراسم وسمها كراهبة مسيحية، هذا ما تفعله الحروب والصراعات في البشر، تباعد بينهم وتمزق العلاقات بل وتحول انسانا الى اخر، تمحو هويته الاولى، ليصبح اخر، يحيا حياة قد لا يقتنع بها، أو يقتنع انطلاقا من أنه لم يرى شيئا اخر غير هذا، فيرتبك ويتطلع الى حياة اخرى تبدو مغرية منفتحه (حية). هذا ما حدث لـ (أنا) حيث يبدو أن حياة الخالة (فاندا) قد راقتها، اعجبها ذلك الشاب الوسيم عازف الساكسفون، اخذتها الموسيقى والرقصات والضخب والحيوية من حركة الاشخاص، انهم يعبرون عن ذواتهم بالطريقة التي يرغبونها يتركون شخصياتهم تخرج من جمودها وثباتها المصطنع. هذا ما يخالف ويناقض ما عاشته في (الدير) حيث الحياة الباردة الجامدة، الحدة والصرامة في التعامل، كبت الانفعالات والمشاعر، فنجد الراهبات ينظرن لها باستنكار عندما تضحك على مائدة الطعام بعد ان عاشت تجربة اخرى وسمحت لذاتها ان تعبر عن نفسها، ربما اقتنعت (إيدا) بنصحية خالتها، فكيف فعلا أن ترفض حياة هي لم تجربها لم تختبرها اعتقد ان (ايدا) قد عادت مرة اخرى الى منزل خالتها، ليس فقط كونها علمت بانتحارها، انما رغبة استبدت بها ان تكون كخالتها ان ترى نفسها في تلك الحياة، في هذا الفستان وهذا الحذاء، ما اشار اليه الفيلم في تغير نظرتها الى الراهبات في مشهد الاستحمام، فلقد بدأت تنظر لاجسادهن متجاوزة النظرة الجافة والسطحية، فلقد بدأت تراهن كنساء عاديات لا راهبات مقدسات.


 لعل هذا ما ياخذنا الى فكرة التباين في بناء الشخصيات في الفيلم، فالتناقض بين (ايدا) و (الخالة) واضح، تمثل كل منهما الضد للاخرى، فهذه شابه تعيش في جو مفعم بالايمانيات والطقوس الدينية، وبينما الخالة (فاندا) سيدة تعيش حياة صاخبة تبدو لامبالية مغالية في التدخين واحتساء الخمر والرقص كانها تريد الهرب من ماضي ما من امور اصبحت تلح عليها بعد ظهور (إيدا) في حياتها، أن يظهر إنسانا في حياتك فيجعلك تعود للوراء لتفكر فيما مضى وما حدث ويحرك لديك كل المشاعر القديمة الخاصة بالفقد والوحدة، هذا ما فعلته (ايدا) في حياة (فاندا)، ربما ارادت (فاندا) (ايدا) في حياتها، فلقد افتقدتها كثيرا بعد رحيلها، حيث حدثت عنها احد الرجال الذين رافقتهم واصفة اياها بانها كانت فتاة طيبة، الا ان الفيلم يأبى ان يتبع الكلاسيكي والتقليدي في تطوير الاحداث، لقد شعرت الخالة بحالة الافتقاد التي ازكتها (ايدا) الا أن الأمر يقف عند هذا الحد، فلا يلتقيان مرة ثانية بعد افتراقهما، نحو ما نجده في حياتنا العادية، ليتحول الأمر لمجرد حدث يأتي ليقلب حياة الشخصيات فقط دون أن يغيرها تماما، لتظل الخالة اسيرة حالة الوحدة، فتقرر ان تنهيها بيدها تنتحر في شهد بديع، في لحظة واحدة بقرار قاطع تقفز من النافذة ونسمع صوت ارتطام جسدها بالارض فقط دون صخب.


 هي حالة عامة ينتهجها المخرج في فيلمه، فحالة (تبريد الاحداث ان جاز ان نسميها) حاضرة بقوة في الفيلم، فالانفعالات مسيطر عليها طوال الوقت، ما ظهر في اداء الممثلين وفي احجام اللقطات، كذلك فكرة تقليدية أو التزام الفيلم بقواعد الدراسا الارسطية في الحفاظ على فكرة وحدة الزمن، حيث يدور الفيلم في الستينات من القرن الماضي بعد مرور خمسة عشر عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 اضافة الى كونه يراعي النصيحة الاولية التي عادة ما توجه لكتاب السيناريو، بان يركزوا على شخصيتين رئيسين فقط هما: ايدا وفاندا، ذلك لاحكام السيطرة عليهما. هذا فيما يخص البناء السردي للفيلم، الذي رغم ما يبدو عليه من تقليدية الا انه يخالف هذه الفكرة في الابتعاد عن توقعات المتلقي او الاعتماد على التصاعد في وتيرة الاحداث، وزيادة سخونتها، ليهتم اكثر بمخاطبة العقل.


 ولعل التعبير البصري عن الدراما، نجده في ديكور كلا من (الدير، منزل الخالة، الفندق منزل الاسرة القديم القاتم الذي يحمل رائحة الموت) وكذلك المشاهد الخارجية التي عبرت عن حالة الوحدة والبرودة في مساحات الفراغ الكبيرة والطبيعة البادرة في الشتاء، كذلك تم توظيف التعبير البصري عن الجوانب الدرامية في ابراز التباين في الشخصيات بين "ايدا" و "فاندا" حيث حافظ المخرج على مسافة بين الشخصتين في النصف الاول من الفيلم معبراً عن التضاد بينهما، في التركيبة والتكوين ورؤية العالم ما يجسده على مستوى الصورة في مساحة الفراغ بينهما.


 كما تم التعبير عن الايقاع والطابع الزمني في الفيلم من خلال المشاهد الطويلة والايقاع البطئ والحوار القليل والموسيقى الكلاسيكية المعبرة عن المشاعر المكتومة.

 كذلك نجد الاعتماد على وجود مساحات في التكوينات في المشاهد، إنما يعطي احساس بفكرة الضغط الواقع على الشخصيات والتأزم النفسي الذي يقع عليها.


 كما أن الاعتماد على اللونين الابيض والاسود في الفيلم للتعبير عن الفترة الزمنية وتقريب المشاهد من القصة اكثر فأكثر، ولقد لائم ذلك الاستخدام القصة البسيطة التي يقدمها الفيلم.

 الدخول لعالم الشخصية الرئيسية كذلك مباشرة من الأشياء الجيدة في الفيلم، حيث اهتم بعرض لقطة (ايدا) تعتني بتمثال المسيح (افتتاحية الفيلم) ثم بعد ذلك المشهد الذي تقوم هي والراهبات فيه بنقل تمثال (المسيح)، دون اية مقدمات لا طائل من وراءها تحقيقاً لفكرة الدخول لنقطة الهجوم مباشرة، وهي طلب الراهبة الأكبر من (ايدا) ان تذهب لزيارة خالتها.


 ليعبر الفيلم بهذا عن العديد من الافكار ومستويات التلقي، من مستوى القصة البسيطة لشابة تلتقي خالتها لتكشف عن نفسها اشياء لم تكن تعرفها، الى مستوى العلاقة بين الماضي والحاضر وفكرة الحقيقة الغائبة، او مستوى العلاقة بين الانا والاخر المختلف، كذلك فكرة تجاوز الماضي او تقبل الامر الواقع انطلاقا من شعور (فاندا) و (ايدا) بالاضطهاد والذي يبدو أنه قد تحول الى احساس فطري، فلا تقدم ايا منهما على فعل شيء مع ذلك الشاب الذي يعترف بانه هو المسئول عن قتل والدي (ايدا)، او فكرة العلاقة بين الدين والدنيا وكيف أن (ايدا) قد عاشت هذا الصراع، كيف انها تمسكت في البداية بما جاءت منه من الدير من افكار وموروث، حتى ظلت تصلي الصلاة المسيحية بعد ان علمت انها يهودية، فهو امر لم تتعوده ولم تعيشه سوى عبر قصة حكتها الخالة فقط. فالأمر ليس سهلا كي يستطيع الفرد ان يتجاوز ماضيه وحياته القديمة مهما جذبته فكرة التجديد والتغيير ما يفسر تصرف (ايدا) بالعودة الى الدير مرة اخرى في نهاية الفيلم، ذلك انها لم تجد معنى لما هي فيه، فهي طوال الوقت تسأل (ماذا بعد) سألتها للشاب عازف الساكسفون، اجابها (نتزوج وناتي باطفال) ربما لم تعجبها الاجابة او لم يروقها ذلك الشكل من الحياة، ربما كانت في حاجة لترى الدنيا، لترى العالم الكائن خلف هذا الدير، ان تمنح نفسها فرصة للمشاهدة والاكتشاف والتعرف، ففور لقائها بخالتها نصحتها الخالة بالعودة للدير، الا انها تساءلت عن الماضي وعن والديها وماذا حدث لهما وكيف دخلت الدير، اسئلة عديدة لم تجد لها اجابة عبر تلك السنوات، ربما روت تلك الزيارة ظمأها في التعرف والوصول لمعنى لحياتها او الاجابة لاسئلة روادتها، لتعود الى الدير مرة ثانية، انما بشعور مختلفة وخطوات واثقة ثابتة تعرف ماذا تفعل وماذا تريد، تواجه حيث تسير في نهاية الفيلم باتجاه الكاميرا مواصلة السير بقوة، حيث نمت شخصيتها بفعل التجربة والمحاولة.


 مما تجدر الاشارة اليه ان الفيلم قد حاز خمسة جوائز من اكاديمية الفيلم الاوروبي كافضل فيلم، كأحسن سيناريو، واحسن اخراج، واحسن تصوير، اضافة الى جائزة الجمهور، كما رشح لاحدى جوائز الجولدن جلوب.



   نشر في 26 غشت 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا