اللانهاية و النهاية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اللانهاية و النهاية

عالم الخلود و عالم الزمكان

  نشر في 08 غشت 2019  وآخر تعديل بتاريخ 18 غشت 2019 .

إنني لا أبالغ إذا قلت أنني "أنا و الرياضيات نساوي اثنان" إذا ما اعتبرنا سعة المجال و تاريخه و ما توصل إليه الاكتشاف و الاختراع فيه مثل المعادلات و الدوال و المثلثات و المجموعات و تصنيف أنواع الاعداد و الاحتمالات، و مختلف طرق الاستنتاج، إلخ...و لديّ فقط فكرة عامة و سطحية عن مفهوم الرياضيات التي يقال عنها أنها لغة العلم و بعض المبادئ البسيطة و المحدودة في الحساب و استعمالاته.

لكنني رغم هذا الذي قلت آنفا و بصفتي انسانا على قدر من الذكاء و الفضول وكره الحيرة والغموض و محبة الاطمئنان و الاستكانة و الوضوح في الأمور العقلية المحسوسة و الملموسة أيضا لاسيما تلك التي يعرف أنها تستعصي على الافهام و التصور كمحاولة إدراك العقل لما يسمى "لا منتهي" أو "ما لا نهاية" و الإحاطة بكنهه و حقيقته.

إن العقل حينما يفكر و يحلل و يستنتج لابد له من شروط وقيود و إلا تاه في متاهات الظن و الخيال و الانحراف و الضلال و الشك. شروط لابد منها و ضرورية عقلا و منطقيا و لزوما لصحة الاستنتاج، و هذه بعض أهمها حسب ما توصل إليه فهمي و تذكري الآن قد تزيد أو تنقص:

- التجريد: و هو المصداقية و الموضوعية المنطقية العقلية دون مراعاة الميول النفسية و العاطفية و الاعتقادات الغيبية الشخصية لأن كل ذلك له مجاله في السلوك و الحياة و الاعتبارات المصيرية و الوجودية.

- الإحاطة بالمعطيات الكافية و المؤكدة و ابعاد المشكوك غير المؤكد عن مجرى التفكير لأن معلومة واحدة خاطئة أو حتى جزء منها يبطل (fausse) صحة النتائج كما هو الحال في الحساب و الرياضيات.

- استعمال القوانين المنطقية و القواعد الأساسية و العلاقات (مثل التعدي و الاستلزام و التضادّ و التمايز و التساوي، إلخ...) في محالها و أحوالها الملائمة فلا يقال على سبيل المثال: "سقط الرجل لأن قبعته بيضاء" أو "انطفأ المصباح لأنني أكلت تمرا" أي أنه لابد من شرح و توضيح العلاقات بين العناصر و الاستنتاجات الجزئية (الثانوية) دون أي انقطاع في التسلسل لأنه يبطل أصالة النتيجة.

- تنظيم تسلسل الأفكار و الاستدلالات التدرجية و ترتيبها حسب الموضوع لأن العقل الإنساني يحتاج إلى هذا التنظيم من أجل محدودية الإحاطة و التركيز و الاستيعاب دفعة واحدة و هذا من دلائل النقص التي سوف نتكلم عنها لاحقا.

هذه بعض الشروط و ليست كلها أو أنها تحتاج إلى زيادات و تفاصيل لا يتسع لها المجال و ليست ضرورية لموضوعنا الرئيسي "ما لا نهاية".

في البداية لا بد أن نذكر بمسائل أو نوضح بعضا منها يتعلق بمفهوم و تصوّر العقل لما لا نهاية في مختلف القيم والقياسات المختلفة و تقبل الذهن لها (admettre) نضرب أمثلة على ذلك.

عندما يطلب منك أن تتصور خطا مستقيما غير منتهي الطرفين فإن العقل بلا شك يعجز عن ذلك و لكن لا يرفضه ذهنيا و خيالا و يتقبله الخيال و إن استعصى على التصور أليس كذلك؟

و نفس الشيء بالنسبة للمساحات و الفضاءات و المراحل الزمنية لأنها ذات وحدة قياس بسيطة و لو كانت ذات أس القوة كالتربيع و التكعيب مثل الكلم و الساعة و السنة الضوئية و المتر المكعب و اللتر، إلخ... و لكن إذا ما طلب منك تخيل أو تصور سرعة أو ضغط بقيمة "ما لا نهاية" فهناك فرق كبير فإن العقل لا يستطيع تخيله و لا يتقبله الذهن أيضا. إذا كان تخيل زمن أو مستقيم أو فضاء لانهائي مقبولا و لو استعصى على العقل تصوره فإن السرعة و الضغط لا يتقبلهما و لا يتصورهما لأن وحدة كل منهما مركب و معقد و متداخل المفاهيم فالسرعة يُعرّفها العقل بالمسافة المقطوعة في المدة الزمنية فلا يستطيع مهما كان أن يبسط و يوحد وحدات السرعة و حتى و إن فعل فلا يكون ذلك إلا تسمية فقط و لا يغني أبدا من تعريفها المتداخل المركب و المتعلق بالحركة و قيمة شدتها إذا صح التعبير. و نفس الشيء بالنسبة للضغط وكل القيم ذات الوحدة المركبة.

إن السرعة القصوى الممكنة التي من المستحيل تجاوزها علميا هي سرعة الضوء فكيف للعقل أن يتقبل سرعة قيمتها "ما لا نهاية" (vitesse infinie) للمادة أو شبه المادة أو حتى للجسيمات تحت الذرية (subatomique) لأن الفوتونات أصغر منها بكثير و لا كتلة لها و الحالة الوحيدة التي يمكن فيها تصور "ما لا نهاية السرعة" و تقبلها في الذهن هي حركة اللاشيء داخل اللاشيء و هذا يعني "لا وجود".

كنت قد جعلت صحة المعطيات و كفايتها شرط من شروط صحة الإدراك بصفة عامة عن طريق الاستنتاج. منها المعلومتان التاليتان :

- إن الذي نسميه العقل المفكر عند الانسان لا يمكنه أن يعمل و يحلل و يستنتج لولا هذه الآلة أو الأداة التي هي المخ أو الدماغ و من قال غير هذا فلا داعي لمواصلة الحديث معه لأنه مجنون أو معاند أو مكابر. نستفيد من هذه المُعطية (donnée) أن العقل يحتاج إلى آلة التفكير التي شكلها المادي يحتاج إلى حيز من الفراغ أو ببساطة مكان نستنتج من هذا أن العقل الإنساني يحكمه المكان: نتيجة 1 .

- هذا المخ أو الدماغ (أداة العقل البشري) مهما كانت سرعة تفكيره و لو كانت مليار عملية في الثانية أو حتى على سبيل الافتراض فاقت سرعة الضوء فإنه لا يستطيع أن يعمل في زمن=0 لا بد له من وقت للتفكير كما هو شأن كل الأحداث و الظواهر في هذا الكون فالعقل حتما يكون عمله في زمن>0 قيمته متناسبة عكسيا مع سرعة التفكير. النتيجة: أن العقل الإنساني يحكمه الزمن: نتيجة 2.

نكتفي بهاتين النتيجتين مع ضربنا الصفح لاحتياج العقل كذلك من خلال أداته (الدماغ) للطاقة التي تتمثل في الغذاء و التنفس (الاكسجين) و طرح الفضلات كباقي أعضاء الجسم.

الخلاصة إلى هذا الحد: العقل الإنساني محدود بالزمن و المكان (و الطاقة) و هذه المحدودية و الاحتياج هي مظهر من مظاهر النقص و عدم الكمال التي غفل عنها المسلوب ابن الراوندي في عصره حينما قدّس العقل بشكل غير معقول و مغالٍ و مجانب لكل صواب لغرض الإلحاد.

العقل محدود بالمكان و الزمان أي يحكمانه ويحتاج إلى طاقة. لكننا نقتصر على الأولين فقط للتبسيط: المكان و الزمان أو الحيز و الزمن.

لو ننظر مليا في هذا لعرفنا أنه لابد من التحكم في أحدهما كليا للتحكم في الآخر. لو استطعنا مثلا تقليص الوقت إلى 0 لكنا في كل مكان في نفس اللحظة و لو استطعنا افتراضا تقليص المكان إلى 0 لكنا في كل الزمن في نفس المكان. في هذه المعادلة ذات التناسب العكسي يتبين أن المكان و الزمن ما هما إلا عنصران لشيء واحد و متداخلان تداخلا نسبيا نسميه "الزمكان" كما اصطلح عليه أصحاب النظرية النسبية رغم اختلاف الموضوع اختلافا لا يقارن، لأن ذاك عبقرية علمية تاريخية مرموقة و نادرة و هذا بحث متواضع عادي.

ليكن، النتيجة إذن هي أن العقل الإنساني محكوم و محدود بالزمكان (و الطاقة) نتيجة رقم 1

لنعد الآن إلى قضية "لانهاية" القياسات الفضائية و الأعداد و الوقت و السرعة و الضغط التي لو تأملنا فيها نجدها تصب (convergent) كلها في ثلاث مجموعات نوعية لا تتعداها 1-المكان، 2-الزمن، 3 الطاقة، إذ أن القياسات الفضائية ذات البعد الواحد و البعدين و الثلاثة أبعاد (1D, 2D et 3D) و الجانب المكاني في السرعة (مسافة) و الجانب المكاني في الضغط (مساحة) كلها تصب في قالب الحيز أو المكان(1). الوقت و الجانب الزمني في السرعة هي الزمن (2) و الجانب الكتلي في الضغط هو الطاقة (3) حيث و حدتها الكتلة على المساحة، مثال: كلغ/سم2 كما يعتبر الضغط نفسه شكل من أشكال الطاقة. أما الأعداد المجردة من الوحدات ما هي إلا قيم عددية تستخدم في الحسابات الرياضية تفتقر إلى وحداتها لكي يكون لها معنى حقيقي فقولك "عشرة" يليه سؤال: "عشرة ماذا؟" لذا نهمل ما لا نهاية الأعداد المجردة لعدم احتياجنا لها في الموضوع. و لو فعلنا كما فعلنا سابقا في دمج الزمن و المكان اللذان في الحقيقة شيء واحد اسمه الزمكان وصلنا إلى النتيجة التالية:

النتيجة: تصور كل اللانهائيات يتعلق بلانهاية الزمكان (و الطاقة) نتيجة رقم 2

نجمع النتيجتين و نتأمل العلاقة ببينهما: ثم نحاول استخراج النتيجة الثالثة من دمج النتيجتين توافقا أو تناقضا أو تكاملا أو حتى التصادم و التلاغي إذا لزم. (نهمل الطاقة من اجل الاختصار).

1-العقل البشري يحكمه الزمكان و لا يشتغل إلا في حدوده (معناه أن العقل الإنساني ناقص و غير كامل و لا يستطيع الإحاطة الفعلية بفكرة ما لانهاية في الزمكان المحدود)

2-لانهاية الزمكان لا يتقبله العقل و لا يتصوره إلا افتراضا (معناه أنه لا وجود حقيقي لما يسمى ما لا نهاية داخل حدود الزمكان عقلا)

النتيجة الجدلية المنطقية العقلية هي : لا وجود حقيقي لمبدأ "ما لا نهاية" في كوننا ذو الطابع الزّمكاني (الطاقوي أيضا للتذكير فقط).

وهنا يأتي سؤال حتمي و وجيه يطرحه العقل: - ما دامت الفكرة التصورية الخيالية "ما لا نهاية الأشياء" لا وجود لها في الكون حقيقةً و مبرهن عليه، فكيف إذن تبادرت هذه الفكرة الخيالية إلى العقول حتى استغلتها في الرياضيات و أدخلتها في كثير من التحاليل و الدراسات الفلسفية و غيرها؟ أليس هذا محيّر و غريب؟

قبل الجواب علينا بالتذكير بترادف بعض المصطلحات مع مصطلح "ما لا نهاية" لأن ذلك مفيد (utile) في بحثنا. من مرادفات كلمة "ما لا نهاية": الخلود، الأزلية، الأبدية، السرمدية، الشمولية المطلقة، اللامحدودية، البقاء، الديمومة، إلخ...

كيف دخلت فكرة "ما لا نهاية" إلى هذا العقل الإنساني الناقص ما دامت لا وجود لها أصلا في محيطه الكوني الزمكاني؟ الجواب أبسط مما قد نتصوّر و نُعقّد: الحقيقة هي أن "ما لا نهاية" لها وجود حقيقي و ليس خيالي بشكل مختلف و ليس في الحيز الزمكاني المحدود بل في عالم آخر، العالم العلوي (مع التحفظ) و ما دام هذا العقل تربطه علاقة بذلك العالم الذي منه خرج بطريق أو بآخر كان لابد أن يحمل البذرة العقلية لفكرة "اللانهاية" و إن كانت لا تلائم محيطه الزمكاني المحدود فهي مجرد فكرة تفرض نفسها من عالم آخر حيث لها وجود حقيقي "هناك" و لا وجود لها في عالم النقصان و الزمكان و التّمَحْدُد الذي يمثل محيط العقل الإنساني الحالي و الذي يحكمه عاملي المكان المحدود و الزمن المحدود و المستحيل أن يكونا هما و الطاقة أشياء لانهائية.

إن عالمنا هذا الناقص المحدود زمكانيا و إن كان هو المنطلق لمعرفة وجود ذلك العالم الآخر الغير متناهي كالمطل من نافذة صغيرة في بيت صغير على فضاء واسع مليء بمليارات المجرات و الكواكب - على سبيل التمثيل فقط - هو في الحقيقة لا يساوي شيئا مقارنة بعالم الأزلية و الأبدية حيث لا زمن و لا مكان و حيث العظمة الكاملة اللامتناهية التي لا تدركها عقولنا الناقصة مع التسليم اليقيني بوجود ذلك العالم العلوي مما يفسر النصوص التي تقول أن الخالق سبحانه لا يحده زمان و لا مكان و انه ليس كمثله شيء و أنه هو العلي العظيم و أنه إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون بمعنى أنه إذا أراد شيئا يكون بمجرد إرادته له.

قال شاعر عربي يسمى لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ*** و كل نعيم لا محالة زائلُ

و وصف الرسول ﷺ هذا البيت بأصدق بيت شعر تقوّلته العرب.

الخلاصة: بما أن المحدود الناقص مهما عظم لا يساوي شيئا في اللامحدود الكامل فلنراجع أنفسنا و نغير اهتماماتنا كلها نحو الواحد الكامل أو الكامل الواحد الذي ليس له نظير و لا ندّ، كامل العلم و القدرة و فعّال لما يريد، من توجّه إلى بابه لا يخيب إنما أوجدنا للسّعادة لا للشّقاء و لا يهلك عليه إلا هالك.

5 اوت 2019 الساعة 8 و 55 د 



   نشر في 08 غشت 2019  وآخر تعديل بتاريخ 18 غشت 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا