ذاتَ رمضـان*.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذاتَ رمضـان*..

اليـومُ الثـّانـي..

  نشر في 22 يناير 2015 .


الخـامسة و17 دقيقة. صحــوتُ. لمْ يعُـد ثمّـة مجــالٌ للنـّـوم. أعرف نفسـي جيّـداً: حيـن أفتح عينـيّ للمرّة الثـانية مِن إغفاءة لا يمكنني، بعد ذلك، أبدا، العودة إلى النـّومِ..

مرّرتُ بعض الماء على وجهي ولبستُ. كانتِ الأجواء فـي الخـارج قد كـرّستْ بابَا رْمضان شهراً "مألوفـاً" مع أنـّه بالكاد في يومه الثـّاني..

مـا دمتُ قـد جرّبتُ بالأمس السّمك ومـا جرى مجراه فسأختـار اليوم نوعـا آخر، مُختلفاً تماماً. لن يكون في طاولتي غير الفواكه الطـّرية! لا حُوتْ ولا مْسمّـنْ ولا شْبّاكية ولا حتـّى تمْر. فقط عصائر وبْرقوق وكرموسْ ومْنـونْ.. سيكون هذا إفطاري اليوم، قلتُ لي، وأنـا أتوغـّل في أزقة السّـويقة بحثاً عـن الكرْمُوسْ..

حين فقدتُ الأمل في إيجـاده لدى كـُلّ حوانيت الخضّـارين المُصطفـّة، الضّيقـة، تذكـّرتُ محـلا كنتُ قد رأيتُ فاكهتي في أحد صناديقه قبل أيام.. قصدتُ الدّكانة وأنا أفكـّر في فاكهة بديلة إذا لـَم أجد مُفضّـَلتي. كان الخضّـار يُعيد "تنميق" ما تبقـّى منَ التـّين في الصّندوقين. اقتربتُ:

-السّلامُ عَليكـومْ.. شحـالْ هـادْ الخيـرْ، أعمّي؟

ـ(...)ـميـّـة دْريـالْ!

كان كـلّ مـا تبقـّى من التـّين حبّـاتٌ "مُهترئات"، بينهـا بعضٌ صالحاتٌ للأكل.

-هـاكْ أوْليـدي عْبــرْ، خـودْ حتـّى مْـن هـادا، راهْ بْحـالْ بْحـالْ فـي الثـّمـنْ..

قال، وهـو يمُـدّ إليّ بْلاستيكة بنـّية. شرعتُ أعزلُ من حبّاتِ الصّندوقين. أحِبّ التـّين الأخضر، يُذكـّرنـي بالبـاكـُورْ، بحبّـاتِه الكبيرة الشهيّـة. أضفتُ كرموساتٍ سوداء (وإنْ بدتْ لي أقـلّ جودة) وأرجعتُ إليه البلاستيكة ليَزنـَهـا.

-يُمكنـُك أن تـزنَ كيلوغرامين.

قلتُ، حين رأيتُ الكهلَ يضع جانباً الحبّـاتِ الكبيرة، النـّاجية من الاهتراء في صهد الصّندوقين، في هذا الجو اللافح، ويحتفظ في الحقيبة البلاستيكيّة بما يريد..

-هـاتِ حبّـات إضافية، إذن!

حين هممتُ بدفع ثمن سلعتي، قال وهو يُمرّر يده على حبّـاتِ "المْنـُونْ":

-مـا بْغيتيشّ مْن هـادْ لمْنـون؟ راهْ لذيذ، دُوّخاتـْني ريحتـُو..

-واخـّا، عبـْر ليّ شي شويّـة..

تناول منونتين ووضعهما فوق الميزان وراح يضبط "الصّـْروفْ"..

ناولنـي الجميع. سألتـُه:

-أشْ عْـنــدي ألحاجّ؟

-45 درهْـمْ..

(أوّاهْ! صرخَتْ أعماقي)..

-شحــالْ كَـْـلتِ لـِيَّ؟

45 دْرهـمْ.. جُوجْ كيلو كـْرمُـوسْ بْستّ ميّـة ولمْنـُونْ 300، هي 900 دْريــالْ!

أرجعتُ العشـرين درهمـاً (شْقفـاتْ) إلى جيبي، وأنـا أبلع ريقي الصّـائم، المسكين. فهمتُ، متـأخّـراً، أنه حين سألتـُه عـن ثمن الكـرْموسْ، قـال (تـْلتْ) ميّـة وليس ميّـة (وْحـْدة) كما فهمتُ في البداية..

أخرجتُ القـْرْفيّـة ومددتـُهـا إليه، وأنـا أدقـّق فـي ملامحه، بـاحثا في تفاصيلِهـا عـن أحدِ أولئكَ "المْطـُوّرينْ" الـذين غنـّى عنهم المُبـدع الحسين السّـلاوي ذاتَ "حْضِي راسْك"..

(كيف نسِـيّ أن يُضيف إلى بائعي الـدّجاج هؤلاءِ الخضّـارين الماكرين؟)..

هلْ يتحدّث هذا الكهل دائمـا بهذا الصّوتِ المُنخفض أم تـُراه يلجـأ إلى ذلك فقط كنـوعٍ من التـّمويه للإيقـاع بزبنائه؟.. رحتُ أسـألـُني، وأنا أبتعد عن حانوته "المُلتهـب".. لا أدري لماذا، لكنـّي اقتنعتُ بأنّ ذلك الخضّـار ماكرٌ يتعمّـد نـُطقَ الأعداد الأولى لأسعاره بصوتٍ مُنخفضٍ حتـّى يلتبسَ الأمرُ عـلى أمثالي ويبيعَهـُم سلعَه "دْقـّـَة لـْلنـّيــفْ"!..

(صـافي، دابَـا، اللـّي كـانْ كـانْ، غيـرْ كـْمّدْهــا لعضـامْكْ وْهُـوّدْ مْـع السّـْويقـة).. 45 دْرهمْ كرمـوسْ وْمْنـُونْ لشخصٍ واحِـد.. عشتُ فيكِ يـا الدّار البيضـاء ورأيتُ!

حملتُ البْلاستيكة ولففـْتُ يمـينـاً، نـُزولاً صوب الحـيّ الخلفـيّ..

(..........)

-تـْفطـْر عْنـدنـَا اليـومْ، يـاكْ ألبْهجـة؟

قـالتِ الشّـريفيـة ("مـولاتْ الـرّيستـُو"، كمـا أطلقتُ عليها يومـاً، وأعجبها). أعـادَني سؤالـُها من شُـرودي.

-لا، ألشّـْـريفيـة، اليـُومْ مـا عْنـدي مـا نـْديرْ بْشي مْسمّـن ولا شبّـاكيّـة ولا حْتـّى الحُــوتْ..

أجبتـُها، مُستـدركـا:

-عْـلاهْ مـا قلتْ ليكـْشّ، اليـُومْ رانـِي نـاوي نـْفطـْر كـرمُـوسْ.. بْغيـتْ مْـن عنـدكْ "عَـا" لـْحْـريرة.. رانِـي شْـريتْ الكـرمـُوسْ بـ600 دْريــالْ!..

أوّ عْـلى سْـتّ ميّـة؟! وابْـزّافّ..

-واسيـري كَـُوليهـا لبّـاكْ المعـْطـي، اللـّـي سُـوّلتــُو بشحـالْ الكيلـُو كَـالْ ليّ: (مِـيّـة) فـاشْ بـِيـتْ نـْخلـّصْ وْلاّتْ تلتْ مِـيّـة!..

-هههههه.. وْاللهْ إلى عْـبـْرْ عْليـكْ!.. ههههه

-يــاكْ؟ إيـواإلى بْغيـتِي تـتخلـّصي فحـْريرتـْك تـْبعينِـي، إلى عـْنـدكْ شــي رْكــَابي!

-هاهاهاهاهاهاهْ..

(..........)

مـا زال قـُربي الآن كرمـوسٌ كثيـر، شْكــونْ يـْشـْـري؟ راهْ الكيلـُو غيـرْ بـْ(...) مِـيّـة!..

***

اليــومُ الثـّالث

الجمعة.. يـوم استثنائيّ بكـُلّ المقـاييس، حتـى في الأسابيع العادية، فكيف به في رمضـان!..

الجميع يُسارعُون الزّمن ليُنهُوا مهمّاتِهم قبل الوقت الاعتـيّادي. كثـيرُون يُمَنــُون النـّفسَ بأنْ "تـُرسَل الخُبزة إلى الفـْرّان" قبـل الوقت المُحـدَّد، علـّهُم يظفـرُون بامتياز أداءِ الصّلاةِ في أقرب مسجد.. تدُور العجلة منذ السّاعات الأولى لهذا اليوم بسرعةٍ أسرَع.. ولكـُلٍّ أمنيّـة في أفق الانتظارات!

في بالي مُخطـّـَط خـاصّ: عليّ أن أنهيّ مهامّي بأقصى سرعة ممْكِنة. سيكـُون رائعاً، إذن، أن أنتهـيّ من كـُلّ شـيءٍ قـبل الثـّانية زوالاً.. وكذلك كان. فـي الثـّانية والنـّصف كنتُ في "كـازا فـْوايّاجُورْ": سأشرب الحريرة بين عصافيري في مُرّاكـُش، إذن!..


  • 5

  • عبد الرزاق بوتمزار
    كـاتب صحـافي، حـاصل على إجازتيـن، الأولى في اللغة العربية وآدابهـا من جامعة القاضي عيـاض بمراكش، والثانـية إجـازة تطبيقية في علـوم وتقنيـات الكتـاب -تخصّص مسـاعـد نشـر من جامعـة محمد الخـامس بالرّباط.
   نشر في 22 يناير 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا