واقع العالم بعد وباء كورونا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

واقع العالم بعد وباء كورونا

  نشر في 11 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 11 أبريل 2020 .


العالم ينهار أمام أعيننا، والنظام العالمي الحالي في أرقى درجات التطور العلمي والتكنولوجي للإنسانية ينهار بشكل لم يبسبق له مثيل، بسبب فيروس كورونا الذي لم تعرف الإنسانية مثله مسبقا. وإذا كانت أعين أغلب العامة تراقب واقع كورونا، أرقامه، أسبابه والعلاجات المرتقبة له، وتخوض في نقاشاته العميقة حينا والعقيمة في أحايين أخرى، والتي نتج عنها ما لا يعد ولا يحصى من التفسيرات بأصنافها الخيالية والواقعية التي بلغت حد الانغماس في الفكر التنبؤي الذي عرف أحسن صوره على يد المفكر البريطاني ‘' جورج اوريل'‘ في روايته التي كتبها سنة 1949 تحت عنوان '' ديستوبيه رواية 1984 ''.

خرجت قراءة المستقبل منذ عقود خلت من دائرة التكهنات الى دائرة التخطيط المبني وفقا لحسابات التصور المتعدد الاحتمالات، مما جعل من أغلب صناع القرار، المستشارين والمختصين في الدول الكبرى مشرئبي الأعناق لاستشراف العالم الجديد الذي سيولد دون أن يرغب أحد في والدته وكأنه ابن زنا. هذا المولود الجديد سيواجه لامحالة بقرارات مصيرية تستهدف صناعة عالم ما بعد كورونا بجعله لا يختلف كثيرا عن عالم ما قبل كورونا. الا أن عالم ما بعد كورونا ورغم القرارات التي ستتخذ في مواجهته، سيفرض لامحالة لغته، واقعه، قوانينه التي ستكون في كل الأحوال غير مرضية للأغلبية ومخالفة لما يتمناه الكثيرون.

وقبل أن أطلق العنان لكلماتي تجدف يمينا وشمالا لتوصيف العالم الجديد، أود أن ألفت نظر القراء الى أنه من المبكر اعطاء توصيف دقيق لعالم ما بعد كورونا، لاستحالة إدراكه بشكل كامل حاليا نظرا لعدم وضوح متغيرات عديدة منها مدة بقاء الوباء ومقدار الخسائر البشرية المترتبة عنه، ومدى انتشاره وتأثيره على التحالفات و اعادة تشكيلها، وبذلك فان مقالي هذا ينطلق من فرضية مفادها أن هذه الجائحة ستبدأ في الانحسار والتلاشي بداية شهر ماي المقبل وأنه كلما تأخر موعد هذه الفرضية كمقدمة كلما كانت النتائج أكثر حدة وأكثر ضررا مما سأسوقه أسفله.

ان الحديث عن عالم ما بعد كورونا هو في نهاية المطاف استشراف للسيناريوهات المحتملة والتي سأحاول تقريبها من منطلق فكري متحرر من كل تبعية فكرية يمينية كانت أو يسارية، رأسمالية أو اشتراكية وغيرها من المدارس الفكرية أيا كانت خلفياتها، على أن يكون تناول هذه السيناريوهات على مستووين أولهما دولي وثانيهما داخلي، والتي دون شك هي سيناريوهات تشكل أحداث مفصلية في التاريخ مثلها مثل السيناريوهات التي تلت سقوط جدار برلين وانهيار بنك ''ليمان برادرز'‘على حد وصف مجلة "فورين بوليسي".


عالم ما بعد كورونا على المستوى الدولي:

ينتظر الكثير من المختصين ظهور النتائج السلبية للوباء  الذي حل بالعالم بعد انحسار الفيروس وعودة العالم الى يومياته السابقة ان كان ذلك لا يزال ممكنا، الا أن ما يمكن ملاحظته هو النتائج الحالية المفعول والتي تتجسد في تعرض النظام العالمي لانقلاب كامل الأركان مشابه للانقلابات التقليدية التي تمس الدول غير الديمقراطية إذا ما استثنينا الطرف المنقلب وحجم الطرف المنقلب عليه. هذا الانقلاب جعل من العولمة  تفقد الكثير من أرصدتها وتتلقى ضربتها القاسمة التي تجعل من مواصلتها لعزف دربها بنفس اللحن و نفس النغمة  أمرا أشبه بالمستحيل.

وقد يجد بعض القراء أو المحللين أن ربط التبعات التي يحدثها كوفيد19 بالعولمة أمر غير مفهوم وتسوده الكثير من الغرابة. الا أن الواقع اليوم يؤكد ذلك، فالوباء الذي نعيشه  جعل من العولمة تفقد أحد أبرز مظاهرها التي هي اضمحلال الحدود القومية بين الدول، اذ تمت اعادة تشكيل الحدود من جديد نتيجة قيام الدول بإغلاق حدودها ووقف حركة التنقل منها واليها، وايقاف التبادلات التجارية بحيث أصبحت غالبية الدول معزولة عن غيرها من الدول الأخرى.

ان سقوط العولمة سيؤدي لا محال الى انحسار دور المؤسسات والهيئات الدولية وهي التي كانت تحفظ توازن العالم من خلال وقوفها النسبي في وجه الكثير من الأنظمة الشمولية الغنية والفقيرة منها، وفي وجه الكثير من التحديات التى واجهها العالم على المستوى الاقتصادي، المالي، البيئي، التعليمي والتكنولوجي.  ومن اعتقدوا بالأمس أن توجيه السياسة الدولية من طرف الغرب الديمقراطي أمر فيه الكثير من الجور سيدركون أن التأثير على سياسات العالم من طرف القوى الأخرى الديمقراطية جزئيا والديكتاتورية كليا سيكون أكثر جورا الى الحد الذي لا يحتمل.

ستتغير دون شك موازين القوى في العالم ولو نسبيا، لصالح الصين؟ لصالح الاتحاد الأوروبي؟ لصالح نمور شرق أسيا؟ لصالح قوى أخرى؟ لصالح تكتلات وأحلاف أخرى؟ دون شك الأمر مفتوح نسبيا على كل الاحتمالات. الا أن الأكيد – وخلافا لهذيان البعض- فان التغيير الذي سيصيب العالم أيا كان شكله سيكون من الصعب أن يزيح نهائيا الدول التي لها قوة السلاح النووي، التكنولوجيا وحق الفيتو بالسرعة التي يتصورونها، كما أنه من المستحيل أن يكون هذا التغيير في صالح دول العالم الثالث أيا كان موقعها، مواردها وتحالفاتها.

سيتغير شكل النظام العالمي الحالي ربما بمقدار خمس درجات الى اليمين أو ربما بمقدار عشرة درجات الى اليسار، لكن الشيء الأكيد أنه لن يبقى يراوح مكانه، لتفقد الكثير من الهيئات و المؤسسات الدولية جزءا كبيرا من دورها على المستوى السياسي والاقتصادي مما يفتح المجال أما عودة الدولة الوطنية المغلقة. كما سيعاد تشكيل أحلاف أخرى وتوازنات أخرى، لتطمر قضايا اقليمية وتعاد الروح لقضايا اقليمية أخرى أهمها القضية الفلسطينية التي ستكون أكبر  مستفيد حتى  وان كانت لن تلقى دعما على المستوى القريب فإنها ستتخلص على المستوى المتوسط من نصف عبئ الضغط الذي تتعرض له مما سيكون أمرا مفيدا لها لتعود من غيبوبتها وتواجه مصيرها بمسيرها على منطق الضربة التي لا تقتلك تزيدك قوة.

ان التغير الذي سيحدث وان كان سيفقد الكثير من المؤسسات الدولية السياسية والاقتصادية شيئا من ثقلها فان المؤسسات المالية الدولية - حسب اعتقادي- لن تفقد قوتها بل على العكس من ذلك ستكون أكثر  قوة وثأثيرا وتكون لها امكانية فرض شروطها بشكل أكثر حدة حتى لو فقدت  جزءا من أصولها لصالح خصومها.

سيتغير العالم، وتتغير موازين القوى في جانبها السياسي، الاقتصادي، المالي الا أن الشيئ الأكيد أن أغلبية الدول ستبقى  علاقاتها مبنية على أساس المصالح وأن جوهر العلاقة بين الدول سيبقى قائما على استغلال الأقوياء للضعفاء وستبقى السياسة العالمية يطبعها الصراع، والتنافس بين القوى العظمى ولو أخذ ظاهرها طابع التعاون الدولي والاقليمي.

 سينقشع غبار  المعركة ضد فيروس كورونا  عن عالم أقل انفتاحا وأقل ازدهارا وحرية نظرا لعوامل عديدة سقت بعضها أعلاه  مما يضع البشرية على مسار مثير للقلق. وان ما نحن مقبلين عليه من صعوبات اقتصادية وسياسية  قد يخلق ظروفا تجعل من الصراع يتحول الى حروب واستعمال للقوة التي يملكلها كبار العالم الحالين و بعض من يحتمل أن يصيروا من كباره، خصوصا اذا اعيد انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية مطلع شهر نوفمبر المقبل وكانت هناك أسباب أخرى تسرع اشعال الفتيل.

سيتغير النموذج الاقتصادي الحالي وسندخل لا محالة في عهد العولمة الموجهة عن طريق الدولة المتدخلة أو الأحلاف المتدخلة، لتوجه الدول اقتصادياتها وتقوم من جهة أولى بتصنيع احتياجياتها الضرورية داخل اقليمها  لتعزيز  قدرتها على التعامل مع فترات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية وتحول اقتصادياتها الى اقتصاديات تعتمد بشكل أكبر على الألة و البرمجيات  حتى  لا يوقفها وباء محتمل أو اضرابات عمالية أو أزمة لم تدخل في الحسبان. 


عالم ما بعد كورونا على المستوى الداخلي:

اذا  كان لوباء كورونا انعكاسات سلبية على النظام العالمي الحالي فان هذه الانعكاسات ستصيب لا محالة  بشكل أكثر حدة دول العالم المشكلة لهذا النظام. وحسب اعتقادي فان أعظم تحد يواجه  دول العالم هو التحدي الاقتصادي والتحدي السياسي، وهما التحددين الذين تتفرع عنهما مشاكل فرعية كبيرة تتحملها الشعوب، مما سيولد على المستوى المتوسط القريب ثورات و صراعات ستطيح لا محالة بأنظمة ديكتاتورية و بمماليك  وقد تطال دولا ديمقراطية غربية.

 سيسهم وباء كورونا بما لا يدع  مجالا للشك  في تقوية الدولة الوطنية المغلقة، مما يعزز سلطة الأنظمة الحاكمة في أغلب دول العالم عموما وفي الدول المتخلفة الشمولية خصوصا. وسيكون من الصعب على شعوب العالم التأقلم مع هذا الوضع الجديد لأن شعوب العالم المتقدم لن تتخلى بسهولة عن مكتسباتها في مجال الحقوق والحريات كما لن تتخلى عن رفاهية حياتها اليومية. وان كانت الحقوق والحريات لن تتأثر الى حد كبير في العالم المتقدم، فانه لايمكن الجزم بذلك فيما يخص الجانب الاقتصادي. الا أن ما تجدر الاشارة اليه هو أنه، كيفما كانت حدة التحديين السالفي الذكرـ فان  ضراوتهما ستزيد كلما تقدم الفكر اليميني المتطرف الذي يقوم على فكر معادي للأجانب. هذا الفكر القائم على تصنيف الأخرين بوصفهم مجتمعا موازيا وجعلهم  شماعة تعلق عليها كل المشاكل الاجتماعية، الاقتصادية، الأمنية، الثقافية وخصوصا الهوياتية. 

وان كانت الدول الكبرى ليست بمنأى عن تتبعات كورونا، فان دول العالم الثالث ستتحمل أغلب تبعات الوباء الحالي، نتيجة ضعف اقتصادياتها و بنياتها التحتية وضعف أنظمتها السياسية وهو ما يجعل مواجهتها للأزمة الاقتصادية أمرا صعبا في ظل تراجع نموذج الدولة الحالي. ان صعود الدولة الوطنيةالمغلقة في العالم المتخلف سيؤدي الى تراجع كبير في الحقوق والحريات، ويؤدي الى انتشار كبير للفساد،الرشوة،  المحسوبية وبيرقراطية الادارة و الانصهار الكلي للسلطات في يد سلطة واحدة، نظرا للضعف الاقتصادي الذي سيجعل من الدولة تتدخل لتوفير المواد الاستهلاكية الرئيسية. فمن جهة أولى يعطى انحسار العولمة والرقابة المعنوية والفعلية التي كانت تقوم بها الهيئات الدولية حرية أكبر لسيطرة الأنظمة المسيرة للدول المتخلفة، ومن جهة ثانية ستستغل  أغلب هذه الأنظمة الإجراءات الطارئة التي اتخذتها لإدارة أزمة كورونا لجعلها اجراءات دائمة، لتواصل بعد انتهاء الجائحة استعمال نفس سلطات الضبط الاداري الاستثنائية  وكأنها مكاسب لايمكن التنازل عنها. 

العالم الحالي لا يختلف كثيرا عن عالم الحروب، عالم أغلقت فيه أماكن العمل العامة والخاصة، عالم أغلقت فيه المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات، عالم أغلقت فيه صوامع، بيع، صلوات ومساجد، عالم أوقفت فيه وسائل النقل المختلفة من طائرات، بواخر، قطارات و حافلات، عالم أجلت فيه كل المنافسات الرياضية العالمية،الاقليمية، الوطنية، الجهوية، عالم أجلت فيه الألعاب الأولمبية، عالم اليوم في أرقى درجات التطور التكنولوجي للانسانية صارت المصافحة فيه بين شخصين سلاح قاتل، عالم اليوم صار سامريا يقول بملء فيه لامساس.

العالم الحالي ينهار ، لا شك في ذلك. والعالم الذي يخلف العالم الحالي سيكون أسوأ خلف لسلف سيئ. العالم الحالي ينهار والعالم الذي بعده سيكون عنوانه الصراع والصراعات، صراع بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، صراع بين الدول المتقدمة فيما بينها، صراع بين الحكام والشعوب،صراع بين الفقراء والأغنياء،  صراع بين التكنولوجيا والطبيعة، صراع سيصمد فيه أصحاب القوة الاقتصادية و القوة العسكرية التي ستزيد نسب اللجوء اليها كلما اشتد الصراع بمختلف مستوياته، صراع سيكون العالم هو الخاسر الأصغر فيه و يكون الانسان هو الخاسر الأكبر فيه.




  • 1

   نشر في 11 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 11 أبريل 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا