تائهة في بحور الحياة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تائهة في بحور الحياة

  نشر في 27 فبراير 2019 .

لم تستوف بعد العشرين من عمرها ، فتاة في عمر الزهور و ماذا بقي من الزهور ؟ مجرد أرض جرداء و قفراء . كانت تعيش حياة بسيطة في طفولتها وسط اسرتها الصغيرة، لكن قبح الله الزمن ، فأبوها الذي كان معيلا للأسرة أصيب بالشلل و بحكم أنها كانت البكر لعائلتها و إحساسها بالمسؤولية اضطرت إلى الانقطاع عن الدراسة و تجرأت على مغادرة منزل والديها بدافع البحث عن لقمة العيش في منازل أرباب البيوت لسد حاجيات تلك الأفواه الجائعة .

خلال رحلتها نحو عالم جديد و مجهول في نفس الوقت بالنسبة لها تعرفت على شاب أسمعها كل قواميس الغرام و قوافي الشعر و الزجل و احترف فيها فن الهمزات و الغمزات ، عبارات تثير مشاعرها ، مشاعر فتاة بسيطة التفكير لم تتعرف بعد على جوانب شتى من هذه الحياة ووضعت كل ثقتها فيه .

لكن وقع ما لم يكن في الحسبان وصفعها الدهر بإحدى صفعاته فلقد وقعت بين قبضة ذلك الذئب البشري الذي كان بالنسبة لها هو من اختاره قلبها باسم الحب، بينما ظنت أن بينهما علاقة غرام ناجحة كانت تنمو وردة حبها وسط قسوته.

لم ترغب أن تحيا هكذا ، ليس هذا العالم الذي تصورت في مخيلتها ، فهذا الوحش الآدمي غدر بشبابها و خطف لها ابتسامتها و أذبل زهور عمرها و حول حياتها لجحيم لا يطاق.

وعود كاذبة،حب مزيف،تخذير ثم اغتصاب؛ حادثة اغتصاب لا بل فاجعة غيرت مسار حياتها و قتلت فيها روح البراءة وسط ذلك الجسد الهزيل الذي أتعبته مشاق الحياة و جنست دمها الطاهر وغيرت لها نظرتها في نفسها. فكيف لتلك النظرات الجميلة أن تتحول لنظرات جامحة تسكن بها رغبة متوحشة ؟

جلاد حمل سيف شهوته وترك العنان للوحش بداخله وسفك دماء عذريتها ؛ لقد نجح في فعلته ونجحت الشرطة في القبض عليه بعد أيام عدة من التحقيق حتى اعترف بجريمته النكراء ، هو وراء قضبان السجن و هي أصبحت وراء قضبان المجتمع .

العديد من الأسئلة تروج بذهنها رغم نفسيتها المضطربة، هل تلذ بالفرار لوجهة غير معلومة خوفا من أهلها المحافظين وكلام الجيران أم تضع حدا لحياتها أم تواجههم وتشرح وضعها ؟ أم...أم؟ ؛ ذهن مشوش وكيان متزعزع ولا مفر من أحكام القدر ؛ وما زاد الطين بلة أن صاحبات البيوت رفضن تشغيلها خوفا على أزواجهن وأبنائهن اضافة الى انهن شتمنها و اسمعنها كلاما جارحا اثقب مسامعها .

تراءى لها أن كل الأبواب سدت في وجهها وبعد تفكير عميق حملت حالها و عادت الى بيت ابويها الذي لن يغلق في وجهها في نظرها ؛ مع الاسف أمها لم تهضم ما جرى ورفضت إدخالها بعذر انهم محافظين جدا وانها سبب في تشويه سمعتهم وسط الجيران و القبيلة ، ما هذا العذر التافه ،يا إلهي حتى أبواب المنزل الذي صرخت فيه صرختها الأولى والذي ودعته في سبيل التضحية غادرته غصبا و دفىء العائلة الذي كان يغطيها حرمت منه . المسكينة لم تفق بعد من صدمة الاغتصاب الى أن أضحت الأزقة و الشوارع بيتها الجديد و صار لها النهار الشامس دامس .

فماذا بي أن أقول أنا ؟ لماذا عاملتها عائلتها بهذه القسوة أنسيت تضحيتها ؟ يجب أن تعلم أنها أول من تأذت و أن تساندها لا أن ترش الملح على جراحها ؛ فهي أولا و قبل كل شيء إنسانة فلا يجب محاسبتها كأنها هي من سعت لتغتصب ، إنها ضحيىة نسجت خيوط حياتها بما لم تشأ وتعرضت لانكسارات جسدية و نفسية كما أكل اليأس حياتها ودفن طموحها و آمالها فأسرتها لم تعد ترغب بوجودها وحب قلبها انتهى به المطاف بين أغلال السرير .

فعلا اغتصب شبابها ، أيتها العائلة فماذا عن شبابها الذي سيضيع بين زقاق الشوارع فإن كانت قد اغتصبت على يد ذئب بشري واحد فالشارع مدرسة تخرج أجيالا منهم وكل العيون ستتخاطف عليها لتصبح في الأخير كمن علبة يفرغون فيها شهواتهم الجنسية .

أعتذر منك يا فتاة بالنيابة عن ذلك الوحش و بالنيابة عن عائلتك و المجتمع ، فحاولي قدر الامكان أن تضمدي جراحك بنفسك وأن تبني حياتك من جديد و لا تتركي الازقة تبتلع انسانيتك و تتصرفي على هواها بدل ذلك ابحثي على جمعيات لتحميك وتتخطي كلما جرى لك ، أعلم أن كلمة النسيان سهلة لتكتب و تنطق وصعب أن تطبق ، أنا أراعي مشاعرك لكن هذا قدرك لذا أوصيك بالتأقلم مع وضعك الجديد هذا وتجعلي كل حواجزك حوافزك فأنا أكيدة أن العدالة الإلهية ستأخذ مجراها.

فيقول الامام الشافعي: صبرا جميلا ما اقرب الفرجا

اختتم بتوجيه رسالة للناس التي تمر امامهم مثل حالات هذه الفتاة او تاذت واحدة من اقربائهم و التي تعد كثيرة في المجتمعات فعليكم الاخذ بيدهن و احتضانهن و حمايتهن ورفع معنوياتهن و اعادة بناء الثقة في انفسهن . ارجوكم لا تزيدهن جرحا فوق جرح و تلذغهن بسم السنتكم فهن بحاجة اليكم فممكن ان يكن جزءا من مجتمعكم او فلذة من اكبادكم فلا حضن لهن بعدكم الا ازقة الشوارع وهو حضن مليء بالاشواك ظاهره طاهر و باطنه لاسع . 


  • 7

   نشر في 27 فبراير 2019 .

التعليقات

Hiba touta منذ 1 أسبوع
موضوع في القمة و كلمات آسرة شكرا لحسن الانتقاء
1
وصال الخمتاني
من أعماقي أشكرك أيتها الأخت الفاضلة
عاشق الفن منذ 3 أسبوع
جزاك الله خيرا مقال اكتر من رائع
2
وصال الخمتاني
شكرا لمرورك الراقي
Foza Roze
دائما تفاجئينني في اختيار مواضيعك .فعلا فهناك الكثيرات منهن يتألمن في صمت بسبب ردود فعل الاهل ،فانت طرقت الباب المقصود بارك الله فيك تابعي عزيزتي اتمنى لك التوفيق فتعبيرك وكيفية الوصف عندك لا غبار عليهم
وصال الخمتاني
أتقدم لك بخالص الشكر و الإمتنان على تشجيعك الدائم و مرورك المتواصل

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا