جاهلية جهلاء وضلالة عمياء.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جاهلية جهلاء وضلالة عمياء..

جاهلية جهلاء وضلالة عمياء..

  نشر في 08 يناير 2018 .

جاهلية جهلاء وضلالة عمياء..

هيام فؤاد ضمرة..


قد يكونون استخدموا التعبير الأشد قسوة في وصف أهل ما قبل الإسلام، وقد نكون نحن من برمجنا عقلنا بالوصف المتطرف تجاههم، لست على يقين أننا استوعبنا سبب تسمية ذلك العصر بالجاهلية، وهل كانوا حقا جهلاء لا يفقهون بالحياة والثقافة والفن ولا يملكون منظومة للقيم؟

يثير المصطلح قضايا عديدة خاصة بين المستشرقون، وهو مصطلح استحدث بعد ظهور الاسلام مُصورًا حال ما قبله، وهو بذلك تكتنفه الدلالة الدينية لغاية محددة في التخلص من كلِّ نقيصة تداولت فعلها قبل الاسلام، وترغيب الناس بما جاء به الاسلام من قيم أصيلة وعادات نبيلة.. والشواهد القرآنية الواردة بالكتاب قلما تمنح المعنى فهما دقيقا، إلا أنّ المفهوم الوارد في لسان العرب أنّ الجهل نقيض العلم بالشيء وأنّ الجاهلية بذلك هي عصر عدم العلم بعلوم القرآن الكريم المنزل منَّ السماء، والبعض يرى أنّ الجاهلية تعني أهل الشرك، وجهلهم هو جهل العلم بالاسلام ومبادئه.. وهو يعني بتحديد البُعد الزمني بين مرحلتين إحداهما جديدة عادلة مستنيرة، والأخرى قديمة ظالمة ومظلمة في نواحي كثيرة بالحياة، وذلك على ما وصلنا ما كان بهم مِنْ أنفة وكِبْر وعصبية قبلية وتسلط وتجبر وظلم وانقياد للشهوات، فيما مرحلة الاسلام تمثل طورًا حضاريًا يُسبِغُ النور والعلم والتفقه

حين كبرنا ونهلنا ما نهلنا من العلم، وأغرقنا أنظارنا في صفحات بطون الكتب، ورحنا نكتشف ما نكتشف من أمور تلك المغالطات التي كانت تستفزنا بقسوة معناها، كنا نكتم ما في نفوسنا بما يتوقف عليه عقلنا دون الاستيعاب والإدراك، فالجهل هو عكس المعرفة، والعلم والتعقل والتفكر، وهناك درجات من العلم كما هناك درجات من الجهل، فهل يجوز التعميم ووصف عصر كامل بالجهل؟

بالطبع يجوز في حالة إحداث تغيير جذري بالقيم والمبادئ، من سلب إلى ايجاب، وانتقال من ظلام إلى نور ساطع، ومن لا عقيدة إلى دين سلام ومبادئ وشرائع، أي الانتقال من عصر التشتت والغموض إلى عصر تنويري شامل يفرد للعدالة والسلم أرضية تفيض بالخير.

الجهل هو عكس تحكيم العقل أو غلبة العصبية على الاتزان العقلي وتحكيم مُخرجات العقل، وسميَّ الأطفال جُهالاً لأنَّ عقلهم لا يَحتمل القدرة على تحكيم العقل بالشكل الصحيح، وجاء في مُحكم آيات القرآن الكريم قوله تعالى ( أفحُكم الجاهلية يبغون) مؤشرًا على أهل ما قبل الاسلام بسوء ما كانوا يمارسون ويرتكبون من فواحش، ومن هنا جاءت التسمية بالجاهلية

إذن فالجهل مصطلح له علاقة مباشرة بالاعتقاد والتصور كما في علم الكلام الشرعي، وارتبط الجهل بارتكاب الكبائر والفواحش والفتن والمفاسد، تلك التي أدرجها الشرع ضمن أشراط الساعة وعلامات الارتداد.. وقد استخدم المصطلح ضمن آيات الفترة المدنية في العهد الاسلامي، أي بعد معرفة المسلمين لحقيقة الاسلام وتثقيفهم بمبادئه واكتشاف ذلك البون الشاسع بين مرحلته ومرحلة ما قبله، فالإسلام يدعو للتي هي أقوم فيما الجاهلية تدعو للتي هي أهوج وأسفه.. وأخطر ما في مرحلة التنوير أن يُدخل الدخلاء ما من شأنه أن يستقر في أذهان المسلمين عقائداً فاسدة ومفاهيم مزيفة غير حقيقية وخرافية وخزعبلات تجاوز حدود العقل الواعي

وما أبلغ قول سيدنا جعفر بن أبي طالب حين خاطب النجاشي في معقل حكمه وقيادته وهو يصف حالة المرحلة الاسلامية قياسا على ما كانت علية من جاهلية قبل الاسلام وهو خطيب لان لسانه في قول الحق

(كنا أهلاً ذات جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونؤذي الجوار، ونرتكب المحرمات حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله كي نعبده، ونوحده، ونخلع ما كان يعبد أباؤنا من الأصنام والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، ووصل الرحم، والكف عن المحارم وإراقة الدماء، ونبذ العصبية)

العالم العربي هذه الأيام يعيش أزمة جهل وارتداد عقل، إنسانه تائه بين الواقع والأمل، وبين الحقيقة والزيف، يقف على مشارف الإنهيار ليس يدري أيّ مصير سيؤول إليه مستقبله المسكون بالظلام، والمخاطر تحيط به من كل جانب، والتدهور يجري بتسارع غير محسوب نتيجة أصابع تخريب عدوة، تحاصره المخاطر، صار مهددا بالعنف، وبالقتل والترويع بات محصور في قوقعة المصطلحات المرعبة، ومستقبله غائص بيباب الظلمة فأصبح مجهول الحالة والضمير، وحال الأمن في بلاد العرب غارق بالدمار والخراب، فلا امل معقود بالنجاة ولا قبس نور يلوح في آخر النفق، ولا وعي يبحث في حقيقة المجريات ليتعثر الباحثون بالحل المنشود.. استغراق بالضياع وابتعاد عن تحكيم بالعقل على ما يؤمل إليه وإلى ما سيصبح عليه مستقبل ليس ينبئ بخير، أو رشد يفي بقدرته على صد أمواج الغرق

هي ردة إلى الجاهلية التي عادت بشكلها المشوه المخالف لتعاليم الدين الحنيف، لتغرق أمة العرب بانحطاطها وتخلفها في القاع السحيق، فيما الأجيال القادمة مهددة بالتوحُل بالغربة والتغريب وقد بات الأهل يتباهون بعدم معرفة أطفالهم اللغة العربية ولا القيم الاسلامية وبالتالي فإنّ انتمائهم يضيع في مهب ريح غربية بحتة، وصورة عروبتها تتذاوب في محلول جهالتهم، فأين منهم يد تمتد لتنتشلها من الغرق

فتاوي عجيبة تربط بالدين عنوة والدين بريء منها، تعبر عن جهالة أو مخابثة تهدف إلى زعزعة المعتقد في أدمغة المسلمين العرب، تتناثر كما الذباب حين يحط بلا هوادة على أكوام المزابل، فالعقل بات يتلقى الطالح والصالح وباليقين أنه كله في مستوى الفلاح، ويتخزن بالعقل الباطن يقف على أهبة الاستعداد للحظة لجوء مستحوذ، هو تدمير لفكر التنوير وهجرة من العقل السليم إلى عدم المعرفة الدينية وضياع بوصلتها وتمهيد دروب الابتعاد عن قيم الدين

لست على يقين أنّ انحطاط الأمة يجري نتيجة تلاعب أصابع شريرة تتسرب من الخارج فقط لتحول بين الشعوب وتقدمها وبين استتباب الأمن والفوضى النكرة، فالمنقلبون هم وجوه منا وفينا وأياديهم غاصت بأوحال قميئة اختلطت بالماء الآسن المدسوس من أعداء حقيقيين للأمة العربية، إنّ أشد أشكال الجهل ذلك الذي يأتي تخريبة من الداخل، فبأي اتجاه يعمل العاملون على جرِّ هذه الأمة ليخرجوها من النور إلى الظلام وهم يظنون أن تخلفها سببه دين كان يومًا هو الشمس الساطعة في حضارة الأرض، والنور الذي أضاء في سماء الغرب المعتم خلال عهد تخلفه وجاهليته، حين كانوا يحرقون عالما لأنه أثبت دوران الأرض، ويقطعون رأس آخر لأنه توصل لعلم يجهلونه.

الجاهلية هي العصبية، هي الكِبر والحدة والأنانية هي الترهيب والعنف والتعدي وغلبة المستقوي على الأقل منه قوة وسلطة، فالجاهلية هي تخلف واضح في كل مناحي الحياة، واللأمة العربية باتت تعيش اليوم حالة التخلف والتراجع الحضاري حد الهذيان والذوبان.. أو بالأحرى تعيش جاهلية الجاهلية.


  • 2

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 08 يناير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا