لحظة ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لحظة !

  نشر في 14 نونبر 2015 .


أن تعيش في قطاع غزةَ يعني أنك تمتلك قدره هائلة على التأقلم والتحمل، يعني بأن لديك القدرة التامة على مسايرة الحياة لحظة بلحظة في حين أضحككَ القدر أو أبكى.

الحياة هنا قطار لحظات، مع كل نبضِ لحظة هناك صورة مختصرةً عنها، تجوّل في هذه الأرض المفعمة بالأمل، سترى كيف يشكل ركام المنازل معالماً جليةً في أنحائها، وسيلفت انتباهك أيضاً بصيص الفرحِ الذي لا ينضب، يكفي أن تسمع من سيدّ ما ( تجي بالمال ولا الأولاد ).

ثمّ تابع سيرك ما استطعت، لتجد أن التناقض يتخذُ من عتباتها مرفأً له، فهناك أطفال يضحكون وذاتهم الذين يبكون، ستتعثر بأمٍ ثكلى وستأخذك جلبةٌ لأخرى تصدح بالزغاريت، هنا ستجد لحظة فرح بولادة عريس ولحظة فرح كذلك، لولادة شهيد!

لكلِ حدثٍ قبل وقعه لدينا لحظة مخلدة ..قبل الشهادةِ لحظة، قبل قصف البيت لحظة، قبل التخرج من الجامعة، قبل الفرح، قبل الحزن، وعند الميلاد والموت لحظة.

أنا الآن أمام منزلي ،، منزلي الذي كان مكوناً من أربع طوابق، في ليلة ظلماء، وقد غاب القمر، اغتاله صاروخٌ حاقدٌ أرداه مهدوماً، وخلف ورائه أكواماً من الحجارة وناراً أوشكت على ملامسةِ السماء من علّوها.

_لقد ابتسم القدر في وجهك!

هذه كانت أول جملة تلقيتها بعد أن دار حوار سريع بيني وبين ضابط إسرائيلي، أتبع:

_معكم أبو المجد من قوات الدفاع الإسرائيلي ( على حد قوله ) نتيح لكم الفرصة خلال دقائق، للخروج من المنزل، تجهيزاً لقصفه. حالةٌ من الإرباك والخوف، يشتد خفقان القلب، تزيد وتيرة التنفس، وتطلقُ الأقدام على مصراعيها للريح هروبا مما كان الوطن .

نفثت الطائراتُ الحربية الإسرائيلية حممها تجاه البيت، خمس ثوان تقريباً، خمس ثوان هي ما يحتاجه الصاروخ ليحول البيت لأشلاء. انتظر ،، قف قليلاً وتخيل معي المشهد قبل أن يلامس الصاروخ المنزل بلحظة تفكر معي كيف عشتُ آخر لحظة لي في وطني الصغير؟!

تتزاحمُ صور الذكريات في مخيلتِي، وتنبت أدق التفاصيل، يوم كانت أرضَ بور . في تلك الزاوية، ضحكتُ وهناك بكيت، في هذه البقعة تجمعنا لحفل عيد الميلاد، وفي المطبخِ طبخت و ٱخوتي أفكاراً طفوليةً لكيدِ المصائب ، ابتساماتنا الشريرة تبادلناها عندما وقع أحد أخوتي في أمر خاطئ، على ذاك السرير بكت أختي، في ليلتها الأخيرة قبل أن تزف عروساً لزوجها، وعلى ذاك الشباك حلقت أحلام أصغرنا بمستقبلٍ واعد، في صدر البيت تحلقنا حول ريحانة البيت، بل جوريته لمساعدة أمي في عمل الكعك، وعلى عتبات البيت وقف وتده، وحجر الأساس فيه، ايييه يا لتوبيخه لأحد أبنائه أو مباركته لإبن برهُ وتفوق في جامعته،

في تلك الغرفة ،، في تلك الغرفةِ أتذكر أول اتصال لي في فترة الخطبة، أول كلمة حبٍ قيلت لي خفق قلبي، امتزجت علي المشاعر حين تذكرتُ خطوتي المباغتة لمخطوبتي عندما سرقتُ منها أول قبلة.

في باحات البيت، لحظات الطفولة الشقيّة، يوم وقع أحدنا وروى ترابه دموعاً، حين خرج والدي دونه، وهناك صنعنا أول ( مرجيحَة) على فرعِ شجرة التين. بجوارها شجرة الزيتون التي كنا نداعبها بضحكاتنا وقت القطاف، فتحسن إلينا بثمارها، في الجهة الأخرى من المنزل، أتذكر رسومات لعبة الحجلة، طاولة الشدة، فنجاني المكسور الذي أصر دائما على شرب القهوة به.

يخرجني من هذه اللحظة صراخ والدي ليعيدني لواقع سيكون أكثر ايلاما بعد لحظة، أنظر للبيت أراه يبتسم لي يرفع رأسه، شامخاً، يستقبل أداة الموت ثم يخر شهيداً !


  • 3

   نشر في 14 نونبر 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا