الذاكرة النيجيرية تعيد "الإله المفقود " - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الذاكرة النيجيرية تعيد "الإله المفقود "

أمل ممدوح

  نشر في 07 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2016 .

     ربما يبدو الأمر عالميا وكأن سجل الكولونيالية قد طوي ، لكن أوجاع ذاكرة الشعوب لا تطويه ، رغم كل جهود المستعمر لتجميل وجه ماضيه بمبررات حضارية ، فالرشات العطرية لا تخفي التقيح الغائر، ووستبقى إفريقيا للغرب بما مورس فيها إثر الكشوف الجغرافية وما تعرضت له من استعباد وعنصرية ومسخ ثقافي كشبح الملك دانكن في عيني مكبث وإن حاولوا تبييض أيديهم بالكثير من الكتب والأبحاث التي تصور الاستعمار بالمهمة الإنسانية المقدسة ، ويأتي الفيلم النيجيري " الإله المفقود The missing God " إنتاج 2015 الذي عرض في الدورة الخامسة لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية للمخرج " أوباكا جوزيف أوجوشوكوو " ليسلط الضوء على ذاكرة شعب لم تمت رغم السنين فقد قدم الفيلم بعين وذاكرة نيجيرية .



      ومن منطلق هذه الفكرة قد اختار المخرج بناء فيلمه بالاعتماد الكامل على الثقافة النيجيرية التقليدية .. فهي التي تروي وهي التي تعاني وهي التي تنتقم وكأنه أراد بذلك رد الاعتبار لها لا تسجيل حقيقة تاريخية فقط ، فهو عن قرية " أوماكا " شرق نيجيريا والتي يسكنها مجموعة من قبائل الإيبو وبالتالي كانت لغة الإيبو وهي من اللغات التقليدية الهامة الباقية في نيجيريا هي لغة الفيلم وهو بالتأكيد استخدام منطقي ومناسب ، ويبدأ الفيلم بداية جيدة باستعراض مهن رجال القرية وسلوكهم والطبيعية البيئية الأخاذة والمتنوعة والتعرف تدريجيا على الثقافة السائدة سواء اجتماعيا كتعدد الزوجات والملابس التقليدية أو الدينية حيث العبادات التقليدية ومنها عبادة الأسلاف التي يستعينون برأيها في بعض المشكلات كالمرض كما حدث في مرض " أوبديكا " ابن أحد زعماء القرية وحكمائها وذلك بعد موت رئيس كهنة ، حيث تخبر الأرواح والده وعمه الأكبر " أمادي " بأن أوبديكا قد اختارته الآلهة ليكون رئيس الكهنة المنتظر للقرية ، في اللقطات في العشر دقائق الأولى نجح الفيلم في جذب المشاهد عبر لقطات غريبة بعضها لم يفسر كشنق رجل نعرف فيما بعد أن أمادي الذي نراه حيا بعد قليل ، ومعاناة أوبديكا الذي نراه يجلد ، ولقطات للطبيعة والألهة وكبير الكهنة وطقوسه في مونتاج حيوي متدفق في جزء شكل افتتاحا للفيلم أوحى بعكس ما سار عليه الفيلم حين بدأ سرد الحكاية من أولها فتباطأ الإيقاع كثيرا وخفتت حيوية الكادرات في سرد أخذ شكلا تقليديا بأسلوب وتكنيك تقليدي أيضا لا جديد فيه يجعلك تظن أنه فيلم من الثمانينات رغم جاذبية الموضوع ، ويأتي للقرية زائر جديد هو البريطاني " مستر وايت " وكرمزية اسمه التي تماثل اخيار المباشرة لصياغة الفيلم فهو نموذج للمستعمر الأبيض الذي يشير إسمه ضمنيا لعنصريته أيضا ، يأتي محاطا بمجموعة من سكان القرية المتعاونين معه أهمهم " أوجوني " مترجمه ووسيطه للتفاوض مع أهل القرية ، فالسقوط من وجهة نظر الفيلم يأتي محمولا على أكتاف الخيانة الداخلية ، وبأبسط الاختراعات كالمرآة وأعواد الكبريت والبنادق يستطيع المستعمر مستر وايت من خلال أوجوني إبهار زعيم القرية وأهلها وإقناعهم أنه جاء حاملا الخير لهم وربما ممثلا لله في أرضهم ، لتكون سذاجتهم وإثارة مطامعهم في الاستمتاع بالحياة طعما سهلا للاستيلاء على حياتهم والسيطرة على تفكيرهم للحد الذي وصل بأمادي بالوشاية بأخيه المعترض على ما يحصل وشنقه للحفاظ على منصبه الجديد كرئيسا للقرية بامتيازات جديدة ، ومن ثم تسليم أوبديكا ابن أخيه لمستر وايت الذي اعتقله وعذبه وسخر أهل القرية واستعبدهم وانتهك أعراضهم واستولى على تماثيل آلهتهم تحديا لها .

ولا شك أن موضوع الفيلم الذي يعتبر تحية للهوية والثقافة التقليدية يستحق التقدير لكن يبدو أن مخرج الفيلم قد اختلط عليه الأمر بين ما يمثله من فترة بدائية وبين انتهاجه للبدائية في تنفيذه لفكرته ، فالفيلم يسهل توقعه طوال الوقت الذي لم يكن يمر بسهولة بسبب ذلك ، مع سطحية بنائية سقطت في مأزق الأبيض والأسود فهناك الشرير " مستر وايت " الذي يملك الفعل دائما ، وأهل القرية المفعول بهم دائما .. فلا أثر لردود الأفعال النفسية أو الظاهرية ولا لأي مقاومة أو لمحات منها ، بينما تأتي النهاية بثورة لم يقدم لها سوى الآلهة الغاضبة من انتهاكها ومن استعباد أهل قرية أوماكا ، والتي كانت تثير رعب الجانب المستعمر بالأحلام والأصوات المرعبة وحوادث الاختفاء ، وبعد هذه المقدمات القوية بأن هناك غضب قادم من الآلهة يتم أخيرا التخلص من مستر وايت على يد فتاة كان يعتدي عليها لتبدو ثورتها وليدة اللحظة بعد استكانة مبدئية لكن الأمر قدم كما لو أن ما حدث ثورة معد لها مع أوبديكا الذي يظهر حرا في اللقطة التالية ومعه تمثال الإله المفقود وقد حرر المعتقلين ، فالأمر لم يقدم بشكل مفهوم هل هو غضب من الآلهة كما قدم له ؟ أم ثورة خطط لها بينما لم تثر غير هذه الفتاة في لحظة ألم مما لا يتفق أيضا مع إنذارات الآلهة ، فالنهاية وإن كان من الجيد فيها دمج القوتين قوة الآلهة والتي تمثل الثقافة التقليدية وقوة الشعب البشرية إلا أنها قدمت مشوشة وكأنها نهاية افتراضية زادها تشويشا وتناقضا وغموضا هتاف الأهالي بعد موت مستر وايت باسمه .



   نشر في 07 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا