أنا و أجدادي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أنا و أجدادي

جدي موسى

  نشر في 03 أبريل 2019 .

جدي هذا ليس جدي لأبي أو لأمي، إنه جد أولاد عمي مصطفى رفاق مغامراتي في عهد الطفولة الشقية، كان رجلاً أعمى كفيف البصر، لكنه قوي و ماكر البصيرة، تحسبه صحيح النظر بل ذو عيون خلفية أيضاً، يرى ما أمامه و خلفه و ما يُدبَّر له من مكائد في الخفاء، كان يقضي معظم يومه بصحبة السمان الشيخ (حج نجيب) الماكر مثله ، ذلك السمان البقال الشيخ الشيطان الحاج نجيب عدو البنات، و عدونا نحن الصبيان أيضاً، تذهب الواحدة من بنات عمي أو أخواتي للشراء من محله في آخر الحارة، و يكون جدنا موسى جالساً بقربه، تسأله :

- هل يوجد عندك بيض 🥚؟ 

يجيب الحاج نجيب :

- لم يبقَ عندي سوى اثنتين، و عند جدك موسى مثلها. 

تفكر البنت قليلاً ولا تفهم المغزى الخبيث من وراء كلامه، تحسب أن الأربع بيضات الباقية عنده تكفي حاجة طبخة اليوم، فتقول له :

- أعطني إياها سنتدبر أمرنا بها. 

يضحك الحاج نجيب الخبيث، و يرد :

- شوفي جدك بالأول إذا بيعطيك بيضاته بعطيك بيضاتي... 

عند ذلك تفهم البنت قصده الماكر و يحمرّ وجهها خجلاً، و تقول له :

- عيب عليك، استحِ على شيبتك. 

يفرح جدي موسى و يقول لحفيدته الضحية البريئة :

- روحي يا بنتي الله يستر عليك... و يكمل بعد ابتعادها بقليل...سترة العنز (١) و يحميكي في نار 🔥 جهنم!.

.................................................... 

أما نحن الصبيان فكان يعرفنا واحداً واحداً بالإسم و اللقب، يقول عن حفيده محمد إبن ابنته ( محمد الجهلان) لأنه كان في سن المراهقة، و يقول عن حفيده الآخر إبن ابنه (خلدون الني) لأنه بارد و بليد الحركة، و فلان حفيده الثالث (إبن الضرّاط) لأن أبيه يطلق الغازات من أحشائه بحضوره... و هكذا اكتسب عداوتنا من خلال تلقيبنا بصفات رديئة مخجلة، و بذلك صار محل انتقامنا الدائم، ما إن نلمحه من بعيد حتى نرميه بالحجارة و نهرب، فيشتمنا و يتوعدنا بأقذع العبارات. في إحدى المرات قال لي خالد ابن عمي مصطفى رفيقي في نوبة شجاعة مباغتة، تعال نتسلل من خلف جدي موسى و نخطف عكازه منه و نضربه و نهرب بها، هيا امضِ معي و لا تخَف. 

كنت أعرف كم هي موجعة ضربات عكاز جدي موسى، و أخشى الوقوع تحت رحمته و سلاطة لسانه، فقلت لرفيقي خالد الشجاع :

- إذهب أنت و سأرميه بالحجارة في حال أمسكَ بك لأخلصك من بين يديه و سلاحه(عكازه الفتاك) . 

ذهب خالد متسللاً بخفة القرد وراء الجد الأعمى موسى، و ما إن اقترب منه و صار خلفه تماماً و كاد يسحب العكاز من يد الجد، استدار الجد كأنه يبصر ما خلفه و شرّع عكازه و هوى به على خالد المسكين، نال منه بعدة ضربات موجعات قبل أن يفلت من بين يديه و ينجو بنفسه من بقية العقاب، سحرتني المفاجأة و أذهلتني و منعتني من الحراك، حتى لحق بي خالد و أمسكني و شدني خلفه و الشتائم البذيئة تلاحقه... 

كان معظم أحفاد جدي موسى ينتقمون منه و يدبرون له المقالب الساخنة، و كان لهم بالمرصاد و العقاب الساخن و اللسان السليط البذيئ، عندما يكون في ضيافة أبنائه الإناث أو الذكور، يحتفون به و يقدمون له الشاي مع البصاق، لكنه يعرف ماذا فعلوا و كأنه رآهم، يقلب الكأس و يشتمهم و يسبّهم و أهاليهم، قائلاً :

- بصقت في الكاسة يا عرص؟ لعنه الله عليك و على والديك يا عكروت يا بوشت يا سرسري (٢)...

...................................................

في ضيعتنا قبل انتقال الجد موسى للسكن مع ابنته الأرملة في حلب، اشتهر بحادثة جعلته مضرب المثل في المكر و الدهاء، كان يحب افتعال الوقيعة بين الناس، يفعل الشرور و يتهم الآخرين بارتكابها، كان ذات يوم بصحبة أحدهم يقطعان الطريق في حيارة جدي علي، و لما وصلا الثغرة (٣) في السور لاجتياز الحير، قام بهدمها بمؤخرته دون أن يستعمل يديه، و بعد حين اتهم ذلك المسكين الذي كان بصحبته، و قال لجدي علي :

- فلان ابن علان (الذي كان بصحبته) هدم لك الثغرة الشمالية في الحير يا إبن عمي. 

ضحك جدي علي و قال له :

- احلف يمين بالله ما هو أنت اللي هدمها لحتى أصدقك! 

- والله العظيم ما مديت ايدي عليها و لا دقرتها بأصبعي. 

هذه المرة كان موسى صادقاً في قَسَمه بالفعل، و نفد من غضب ابن عمه جدي علي، و صار مضرب المثل في الدهاء الخبيث. 

-انتهت - 

الهوامش :

١ - سترة العنز أي الفضيحة عكس ما توحي العبارة، فالعنزة (الماعز) ترفع ذنبها القصير للأعلى بحيث تبين عورتها للناظرين. و يقصد بقوله (الله يحميكي في نار جهنم) أن يحرقها الله في النار و يجعلها وقوداً لها. 

٢ - عرص : أي قوّاد، عكروت و بوشت و سرسري : شتائم قديمة دارجة في ذلك الزمان، تعني قليل الأدب و الشرف و الناموس. 

٣ - الثغرة مكان يثقب في الأسوار يسمح بعبور الإنسان إلى داخله أو خارجه، و أطلقت هذه التسمية على مكان معين في سور البساتين و الكروم يخصصها المالك لعبور الناس من خلالها، حيث يزيل بعض الحجارة من السور ليعبر منها الناس دون الحيوانات. 








  • جهاد الدين رمضان
    محامي سوري سابقاً و لاجئ حالياً ، قارئ جيد و كاتب مبتدئ ، أكتب ببساطة و صراحة دون تنميق و تزوير.
   نشر في 03 أبريل 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا