فن الاتصال والتواصل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فن الاتصال والتواصل

في ضوء العلاقة بين الأنا والآخر

  نشر في 01 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 18 يونيو 2018 .

فن الاتصال والتواصل في ضوء العلاقة بين الأنا والآخر


مقدمة:


يعتبر الاتصال والتواصل من أهم المتطلبات الضرورية والأساسية لدى الإنسان، كما أنها حاجات متأصلة في وجوده وحياته اليومية وواقعه المعاش، ويستخدمها بشكل دائم ومستمر، بل أنه لا يستطيع الحياة بشكل سوي بدونهما، حيث أن الإنسان يرتبط بأبناء جنسه ارتباطاً وثيقاً من أجل مواصلة الحياة والاستمرار فيها بشكل طبيعي، والاتصال هو إحدى أهم العمليات التي تساعد الناس على هذا الترابط والتفاهم والتعايش فيما بينهم، كما أنها الوسيلة لتبادلهم لشتى أصناف المعرفة والثقافات والأحاسيس والمشاعر و الآراء والأفكار ووجهات النظر وكل ما من شأنه أن يقرب بني البشر من بعضهم البعض على المستويات كافة أفراداً وأمماً وثقافات وحضارات.

أولاً : معنى الاتصال لغةً واصطلاحاً:

أ: معنى الاتصال لغةً:

الاتصال كلمة مشتقة من مصدر الفعل (وصل) الذي يحمل معنى رئيسي وهوالربط بين شخصين وذلك عكس الانفصال والقطع والبعد، والربط يعني إيجاد علاقة من نوع معين تربط الطرفين.(1) ووصل الشئ بالشئ ــــــــ أنهاه إلية وأبلغه إياه .

ولقد ورد مدلول كلمة الاتصال في ( المعجم الوسيط): << في مادة وصل يصل فلان وصولاً ... ووصل للشيء عليه وصولاً، واتصل به اتصالاً، بمعنى بلغه وانتهى إليه. والاتصال يقال بينهما وصلة وما اتصل بالشئ، فنقول وصلني الخبر ووصل إلي الخبر>> (2)

وهنا يبين لنا الاشتقاق اللغوي كم هي معبرة اللغة العربية عن المعني الحقيقي للاتصال وظيفياً وإنسانياً، كما نلمس كم تتقارب المعاني ودلالاتها لكلمتي إنسان (من أنس ألف) واتصال (وصل، جمع وربط.) (3)

أما في (مختار الصحاح)، فنجد كلمة (وصل) إليه يصل (وصولاً) أي بلغ. و(وصل) بمعنى (اتصل)...والوصل ضد الهجران والتواصل ضد التصارم و(وصله توصيلاً) إذا أكثر من الوصل.(4)

أما في اللغة الإنجليزية فإن كلمة اتصال communication تعود بأصلها إلى اللغة اللاتينية فهي مشتقة من كلمة communis بمعنى عام ومشترك بمعنى أن الفرد حين يتصل بالآخر ، فهو يهدف عادة إلى الوصول إلى اتفاق عام ومشترك أو توحيد الرؤية حول موضوع الاتصال.

وبالمقارنة بين معنى كلمة الاتصال في اللغتين العربية والإنجليزية نجد أنه في اللغة العربية تحمل معنيين المعنى الأول: هو إيجاد علاقة من نوع معين تربط بين طرفين أو شخصين، أما المعنى الثاني: فهو بمعنى البلوغ والانتهاء إلى غاية معينة.

إذاَ الاتصال في اللغة العربية هو الصلة والعلاقة والبلوغ إلى هدف معين. وفي اللغة الإنجليزية هو الوصول إلى توافق عام ومشترك بين طرفي الاتصال، ومن خلال هذه المقارنة نخلص إلى نتيجة مفادها أن مدلول لفظ الاتصال في اللغتين يصبان في نهاية المطاف في معنى متقارب وإن بدا لنا بأنهما مختلفين، فمرد ذلك يرجع لأسباب تخص طبيعة كل لغة وللخصوصية الثقافية والحضارية لكلا المجتمعين.

ب: معني الاتصال اصطلاحاً:

الاتصال بالمعنى الاصطلاحي يعني: عملية تفاعلية ديناميكية دائمة الحركة تخضع لمؤثرات متغيرة أهمها التكامل والتفاعل في ظل الإمكانات المتوفرة، وهذه العملية لا تسير باتجاه واحد (اتجاه مستقيم)، بل هي عملية (دائرية) بسبب تبادل الأدوار بين طرفيها فالمرسل مستقبل، والمستقبل مرسل وبعبارة أخرى ، فإنه يعني تلك العملية المصطنعة بين طرفين من أجل تحقيق مصلحة مشتركة أو هدف معين.

وبمعنى آخر الاتصال يعني الربط بين شخصين أو عدة أشخاص بهدف إيصال معلومة أو رسالة. والاتصالات هي تبادل رسائل (Messages ) بين أطراف مختلفين باستخدام وسائل (قنوات ) الاتصال المتعددة.

ويمكننا القول بأن: الاتصال عملية هادفة، لا يمكن أن تتم بين طرفين إلا إذا حدث تفاعل بينهما، يؤدي في نهاية المطاف إلى تشاركهما في خبرة أو مهارة أو مفهوم أو عمل أو سلوك معين أو فكرة أو معلومة، وباختصار فإن الاتصال يهدف إلى التأثير عن قصد للحصول على استجابة معينة من شخص معين أو مجموعة من الأشخاص. وببساطة أكثر الاتصال هو تلك العملية التي بموجبها يقوم شخص بنقل أفكار أو معاني أو معلومات على شكل رسائل كتابية أو شفوية مصاحبة بتعبيرات الوجه و لغة الجسم وعبر وسيلة اتصال، تنقل هذه الأفكار إلى شخص آخر وبدوره يقوم بالرد على هذه الرسالة حسب فهمه لها .

لقد تناول العديد من العلماء والمتخصصين الأجانب والعرب تعريف الاتصال وتباينت وجهات النظر وتقاربت أحياناً، بل وتكررت مرات كثيرة، فالاتصال كعملية يتضمن المشاركة أوالتفاهم حول شئ أوفكرة أوإحساس أواتجاه أوسلوك أوفعل ما.

ويعد الاتصال من السمات الإنسانية الأساسية سواء كان في شكل صور أم موسيقي، وسواء أكان إتصالاً فعلياً أم مستتراً، إعلامياً أم إقناعناً، مخيفاً أم مسلياً، واضحاً أم غامضاً، مقصوداً أم عشوائياً، داخلياً أم مع أشخاص آخرين، فالاتصال إذاً هوالقناة التي تربطنا بالإنسانية ، وهوالذي يمهد لكل ما نقوم به من أفعال.(5)

كما أن الاتصال عملية يقوم بها الشخص في ظرف ما، بنقل رسالة ما، تحمل المعلومات أوالآراء أوالاتجاهات أوالمشاعر إلي الآخرين لهدف ما عن طريق الموز بغض النظر عما قد يعترضها من تشويش(6)

كما يعرف الاتصال أيضاً بأنه: " العملية الاجتماعية التي يتم بمقتضاها تبادل المعلومات والآراء والأفكار في رموز دالة بين الأفراد أوالجماعات داخل المجتمع " ، وبين الثقافات المختلفة لتحقيق أهداف معينة.

وبناءً على ذلك فإن الاتصال كعملية تعني سلسلة من العمليات أوالأحداث المستمرة المتحركة دائماً تجاه هدف، ذلك أن الاتصال ليس كياناً جامداً أوثابتاً في دنيا الزمان والمكان، ولكنه عملية ديناميكية يتم استخدامها لنقلل المعاني والقيم الثقافية والخبرات المشتركة.

ومن هذا المنطلق يجدر بنا التنويه إلى أن ليس بالضرورة أن يكون كل اتصال اتصالاً فعالاً، فهناك اتصال ايجابي فعال واتصال سلبي لا يؤدي الهدف المرجو منه، ولذلك يجدر بنا التمييز بين الاتصال التواصل.

ثانياً:الفرق بين الاتصال والتواصل:

قد يعتقد البعض أن الاتصال والتواصل مفهومين لمعنى واحد، إلا أن ثمة فرق بين هذين المفهومين، ففي الاتصال هناك رغبة من أحد الطرفين باتجاه الآخر، وهذا الآخر قد يستجيب ويتفاعل مع الرغبة أو أنه قد يرفض الاستجابة. أما في التواصل فإن التفاعل أو الرغبة في المشاركة تحدث من كلا الطرفين وتنشط باتجاه تحقيق أهداف معينة. فالتواصل مصطلح يشير إلى علاقة متبادلة بين طرفين، أو بتعبير آخر يشير إلى انفتاح الذات مع الآخر في علاقة حية لا تنقطع حتى تعود من جديد.

ومن هنا فإن عملية التواصل هي أساس العلاقات الإنسانية والتفاهم الإنساني، وهي العملية التي يتم بمقتضاها تكوين العلاقات بين أعضاء المجتمع وتبادل المعلومات والآراء والأفكار والتجارب فيما بينهم.

الاتصال يعني توجيه رسالة من طرف لآخر دون تلقي أي رد عليها، كما هو الحال في المحاضرات التي لا يشارك فيها أحد من المستمعين، أو خطب الأئمة للمصلين، أو خطب الرؤساء للجماهير‍، بينما التواصل يعني الرد على المحاضرين والأئمة والرؤساء والاتصال إما أن يكون كاملاً، إذا فهم المستمع الرسالة فهما تاماً ورد عليها رداً علمياً، منطقياً، مقنعاَ، وقد يكون الاتصال جزئياً إذا كان الفهم ناقصاً، وكان الرد ليس شافياً أو تضمن دعوة للإعادة، أو احتمل التأويل، ويمكننا ملاحظة هذين النوعين من التواصل في المواقف الحياتية المختلفة؛ كالمواقف الصفية، وفي لجان مقابلات الموظفين، وفي مكاتب الاستشارات الهندسية والقضائية والفنية..الخ.(7)

إذا ًالاتصال: هو عملية تعبر عن الجانب التقني، بغض النظر عن حصول الهدف من العملية .أما التواصل: فهو كلمة أعمق، وأكثر دقة، فالتواصل يركز على فكرة إيصال المعلومة وانتقالها بين الأطراف، والتأكد من وصول المعلومات وفهمها بشكل صحيح.

ثالثاً: أهمية الاتصال:

الاتصال هو أحد العمليات الاجتماعية التي ظهرت مع بداية حياة الإنسان على وجه الأرض، وقد بدأ الاتصال بسيطاً، ومباشراً واستهدف اشباع الحاجات الأساسية عند الإنسان، ثم ما لبث أن تطور وازداد تعقيداً مع تطور الحياة إلى أن وصل إلى أعلى مستوياته من خلال عصرنا الحاضر.

ومن الوظائف الأساسية للاتصال نذكر الآتي:

1: يزيد في قبول وتقدير الإنسان في المجتمع .

2: يزيد من التقارب النفسي بين أفراد المجتمع .

3: يزيد من التقارب المجتمعي بين أفراد المجتمع.

4: يوسع المدارك وينمي الخيال والصور الإبداعية.

5: يهيئ النفس للمراجعة وقبول الاعتراف بالخطأ.

6: يساعد الفرد على تقبل الآخر المختلف عنه.

7: ينتمي القدرة على اتخاذ القرارات من خلال الحوار والتواصل الإيجابي.

8: ينمي قدرة التأثير في الآخرين.

9: يعطي الفرصة في التعبير عما يجول في داخلنا من انفعالات، ودوافع وعواطف...الخ.

10: يساعد في تنمية المعرفة والإطلاع على منجزات الآخرين الثقافية والحضارية.

ولذلك يعتبر الاتصال الإنساني جانباً مهماً في الحياة الإنسانية، فهو أداة فعالة من أدوات التغيير والتطوير والتفاعل بين الأفراد والجماعات، ويلعب دوراً هاماً في التطور والتغير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فكلما اتسعت وتنامت خطوات التغيير والتطور، اتسعت بالمقابل الحاجة إلى المعلومات والأفكار والخبرات، وبالتالي ازدادت أيضاً الحاجة إلى قنوات الاتصال لنقلها وإيصالها إلى الناس.

وكما نحتاج إلى وسائل الاتصال الحديثة والمتطورة فإننا نحتاج أيضاً وبدرجة أكبر إلى مهارات الاتصال، فهي من أهم المهارات التي نحتاجها في حياتنا اليومية والتي لا يمكننا العيش بشكل سوي وطبيعي بدونها، لأن الإنسان لا يستطيع العيش بدون باقي أفراد المجتمع والاتصال هو من أهم العمليات الاجتماعية التي تربطه بمجتمعه وهو الوسيلة للتفاهم والتعايش ونقل الخبرات والمشاعر والأفكار بين الناس، كما أن من خلاله يحدث ما يسمى بالتفاعل والتلاقح والتعارف والتحاور بين الثقافات والحضارات على مستوى الأسرة الإنسانية جمعاء.

من هذا المنطلق تكمن أهمية الاتصال والسعي لفهمه بشكل أوسع وامتلاك المهارات الفعالة لحدوثة بشكل إيجابي وفعال وعدم إهمالها. لأن هذه المهارات تتطور بالتدريب والمران ومن خلال المزاولة والممارسة بشكل مستدام.

رابعاً: العناصر الرئيسية لعملية الاتصال:

درج الباحثون على تقسيم عناصر الاتصال الرئيسية إلى أقسام مختلفة من حيث عددها، فمنهم من جعلها ثلاثة أقسام ( المرسل ــــ والرسالة ــــــ والمستقبل)، ومنهم من جعلها أربعة أقسام ( المرسل ــــ والرسالة ــــــ والمستقبل ــــ الوسيلة)، ومنهم من جعلها خمسة أقسام ( المرسل ــــ والرسالة ــــــ والمستقبل ــــ الوسيلة ـــــ التغذية الراجعة)، ومنهم من قسمها إلى ستة أقسام ( المرسل ــــ والرسالة ــــــ والمستقبل ــــ الوسيلة ـــــ التغذية الراجعة ـــــ البيئة)...........الخ. كلاً حسب رؤيته أو دمجه لبعض العناصر مع بعضها أو فصلها عن ببعضها، وسنبحث في هذا الكتاب العناصر الرئيسية الستة لعملية الاتصال وهي الآتي:

1 ـــ المرسل(Sender): هو الشخص الذي يحمل معلومة أو رسالة معينة ويريد أن يوصلها لشخص آخر أو مجموعة من الأشخاص الآخرين، بمعنى آخر هو نقطة البداية التي تبدأ منها عملية الاتصال.

2 ـــ المستقبل(Receiver): هو الجهة أو الشخص المراد وصول الرسالة إليه، بمعنى آخر هو الشخص الي يستقبل الرسالة ثم يقوم بتفسير رموزها ودلالاتها ويحاول إدراك معانيها.

3ـــ الرسالة(Message): وهي البيانات والمعلومات والأفكار والمعاني التي يود المرسل نقلها إلى المستقبل، ويتم التعبير عنها بالرموز اللغوية أو اللفظية أو غير اللفظية (لغة الجسد) أو بهما معاً.

4ـــ الوسيلة(Communication Channel-Media): وهي الطريقة أو الآلية أوالقناة التي تنقل بها الرسالة من المرسل إلى المستقبل. ووسائل نقل الرسائل كثيرة قد تكون شفهية من المرسل للمستقبل مباشرةَ، وقد تكون عبر رسالة مكتوبة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها أو الهاتف أوالجوال أو البريد الالكتروني أو غيرها من الوسائل المتنوعة.

5ـــ التغذية الراجعة(Feedback ): هي المعلومات الراجعة من المستقبل والتي تسمح للمرسل بتكوين حكم نوعي حول فاعلية الاتصال التي قام به. أي هي عملية تقويم متعددة الأشكال تبين مدى تأثر المستقبل بإحدى وسائل المعرفة أو مدى تأثير تلك الرسائل على هذا المستقبل أو قياس فعالية الوسيلة أو قناة اتصال التي استخدمت في توصيل الرسالة، فمن خلال التغذية الراجعة نحصل على الإجابة عن السؤال الآتي : هل استطاع المرسل خلق جو من التفاعل والمشاركة مع المستقبل لدفعه لاستيعاب الرسالة والتأثر بها؟ ومن أشكال التغذية الرجعة في موقف تعليمي ما: ظهور علامات الانفعال على المستقبل كالفرح أو الحزن أو الضحك أو البكاء أو الخوف أو الغضب. وهنا يجدر بنا التنويه إلى أن البعض يخلط بين التغذية الراجعة والتعزيز ولذلك لابد من بيان عدد من الفروق بينهما ، التغذية الراجعة أكثر دقة من التعزيز ، وفي التغذية الراجعة تراكم معرفي أما في التعزيز فهو تراكم وجداني، التعزيز هو نتيجة مترتبة على الأداء أما التغذية الراجعة فهي معلومات متعلقة بالأداء.

والبعض يسمي هذا العنصر من عناصر الاتصال الرئيسية ((بالتغذية العكسية)) أو ((بالاستجابة)) بدلاً من (( التغذية الراجعة )) ، و مهما تكن تسميتها فالكل يتفق تقريباً على أنها تعني إعادة الرسالة من المستقبل إلى المرسل واستلامه لها وتأكده من أنه قد فهمها، والمرسل في هذه الحالة يلاحظ الموافقة أو عدم الموافقة على مضمون الرسالة.

6ـــ البيئة: وهي البيئة المحيطة لعملية الاتصال أو كل ما يحيط بعناصر الاتصال ــــ التي ذكرناها سابقاًــــ ويؤثر فيها اثناء حدوث عملية الاتصال. وبمعنى آخر هي الأجواء التي تتم نقل الرسالة فيها، وللبيئة تأثير كبير على الرسالة فقد تشوش البيئة على الرسالة من حيث الوضوح والدقة والفاعلية. فالظروف البيئية المحيطة كالحرارة والبرودة والضوضاء والتهوية والضوء.....الخ. جميع هذه الظروف البيئية المحيطة بعملية الاتصال تؤثر فيها إما سلباً أو إيجاباً.

خامساً: الاتصال والعلاقة بين الأنا والآخر :

إن العلاقة بين الأنا والآخر، هي علاقة الهوية والاختلاف، ولا يمكن للأنا أن تبدع دون أن تثبت ذاتها وخصوصيتها أولاً، ومن ثم تدخل في علاقتها مع الآخر ــــ وهي واعية لمتطلباتها واحتياجاتها الذاتية ــــ ثانياً ، بحيث تكون مدركة لآليات الأخذ من الآخر وإعطائه بشكل متوازن بحيث إنها لا تقع في القطيعة مع الآخر بالمطلق،أوتنزلق في الذوبان في الآخر بالمطلق .(8)

إذاً من أسباب فشل الحوار والتواصل، إنما يكمن في خلل العلاقة بين الأنا والآخر، فعندما تكون العلاقة بين الأنا والآخر متوازنة ومعتدلة، فالنتيجة ستكون اقتراب الأنا أكثر فأكثر نحو الموضوعية والواقعية والعقلانية في تعاملها مع نفسها أولاً، ومع الآخر ثانياً، والعكس صحيح إذ إنه كلما كانت العلاقة بين الأنا والآخر مضطربة أومختلة التوازن فإن النتيجة ستكون الوقوع في الخلل والانسياق نحو إحدى النقيضين المذمومين، فأما إفراط وإما تفريط وكلا النقيضين يبعدان المتحاورين والراغبين في التواصل عن النزاهة والموضوعية في الحوار والتواصل الفعال.

الخاتمة :

لقد مرت المجتمعات الإنسانية عبر صيرورتها التاريخية بأحوال اتصلت فيها بعضها البعض اتصالاً فعالاً، وأحوال أخرى لم يثبت حدوث الاتصال الفعال فيما بينها. ولكن في الغالب كان الاتصال قائماً بين الناس سواء كان هذا الاتصال إيجابياً (فعالاً) أو سلبياً (غير فعال)، فعندما يكون الاتصال سلبياً، فالنتيجة هي حدوث الصراع والتصادم والتنافس بين مستويات الوجود الإنساني أفراداً وأمماً وحضارات، وعندما يكون الاتصال والتواصل إيجابياً نجد أن الأفراد والمجتمعات والأمم والدول تتعاون وتتعايش وتتحاور فيما بينها.

ولا يتصوّر الإنسان أن يسير مركب الحياة بدون أن يكون هناك تواصلٌ بين النّاس مع بعضهم البعض، فالتّواصل والاجتماع وتبادل المعارف والمعلومات بين النّاس هو سنّة الكون وسنّة الحياة الدّنيا، ذلك بأنّ مخرجات كثيرٍ من الأعمال تأتي من خلال تواصل النّاس فيما بينهم، يقال: إن العالم اليوم في ظل العولمة قد أصبح قرية كونية صغيرة، عبر تقنيات الاتصال ووسائط الإعلام. غير أنه وإن كانت جغرافية العالم تكاد تصبح واحدة، فإن التواريخ مختلفة ومتعارضة، ذلك أن الإنسان لا يحيا في المكان وحده، وإنما هو كائن يجر وراءه تواريخه ويطوي أطواره. والزمن هو زمن الخبرات والمعايشات التي تولد ما لا يتناهى من الفروقات والثقافات. وإذا كانت العولمة، قد جعلت العالم موحداً جغرافياً عبر ثورة الاتصالات والمعلوماتية فإننا لا نستطيع أن نوحد العالم تاريخياً لأن التاريخ عصي على التوحيد لأن التاريخ هو الزمن وهو زمن الخبرات المختلفة لأناس مختلفة، عاشت ظروفاً وخبرات مختلفة وبالتالي الحديث عن توحيد العالم تاريخياً أمر غير منطقي. ومهما حاولنا في ذلك. ولكن بالمقابل ، فإن الاختلاف في اللغة والتاريخ والثقافة والعادات والكثير من القيم لا يلغي الحاجة أو القدرة على الاتصال والتواصل بين جميع الناس في كل زمان ومكان.

أخيراً نقول : إن الاتصال حاجة إنسانية هامة للتخاطب وايصال المعلومات والمعارف وتبادل الاحاسيس والمشاعر بين أفراد الأسرة الإنسانية برمتها، ولما كان نجاح التخاطب بين الناس إنما يبنى على مهارات الاتصال، فقد اقتضى ذلك من الناس على اختلاف أجناسهم ومشاربهم أن يتعلموا هذه المهارات التي من شأن اتقانها جعل العلاقات الإنسانية أكثر تطوراً ورقياً وحميميةً، بل وأكثر إنسانيةً.

المراجع:

1: حجازي، مصطفي.( 1982م).الاتصال الفعال في العلاقات الإنسانية والإدارة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ص19.

2: مجمع اللغة العربية.(2004م). المعجم الوسيط ، مكتبة الشروق الدولية، ط4، ص1079 : 1080.

3: حجازي، مصطفي.( 1982م). مرجع سابق، ص19.

4: بن عبد القادر، الرزاي محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، دار القلم، بيروت، (دون تاريخ).

5: مكاوي، حسن عماد السيد ، ليلى حسي .( 1998 م). الاتصال ونظرياته المعاصرة، الدار المصرية اللبنانية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.

6: أبو أصبع، صالح خليل. (1999 م).الاتصال الجماهيري، دار الشروق ، القاهرة.

7: النجم، زياد.(2016م). مهارات الاتصال والتواصل في مجال العلاقات الإنسانية، دار النشر الالكترونية eKtab، الأردن، عمان، ص 7+8.

8: النجم، زياد.(2016م). مقالات في فلسفة الحضارة، دار النشر الالكترونية eKtab، الأردن، عمان، ص 61.


  • 1

   نشر في 01 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 18 يونيو 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا