لماذا نحن عاجزون عن الحب ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لماذا نحن عاجزون عن الحب !

الحب

  نشر في 05 ماي 2019 .

ما هو الحب؟ وكيف يحدث؟

الحب للبعض لغزٌ كبير، وللبعض هو فك شفرة كل الألغاز. للبعض هو مجرد خدعة بيولوجية تختبئ وراءها غريزتي الجنس والتكاثر، وللبعض هو الحقيقة الوحيدة في هذا الوجود. الحقيقة التي تتخطى كل قيود الإنسان البيولوجية والغريزية. للبعض هو طريق الآلام، وللبعض هو الخلاص من كل ألم. البعض يقول إن الحب أعمى، والبعض يقول: فقط بعيون الحب نستطيع أن نرى. أجدادنا الأوائل رسموا الحب في كهوفهم. المصريون القدماء غنوا له ورقصوا، وخلّدوه على جدران المعابد والمقابر. الإغريق حركوا من أجله الأساطيل وجيَّشُوا الجيوش. أحد عجائب الدنيا السبع تقف شامخة في الهند كأكبر ضريح للحب. حاول الفلاسفة منذ أفلاطون وأرسطو أن يعقلنوه. حاولت الأديان منذ القدم أن تقننه وتخلق له الأطر والشروط. حاول الطب أن يفحص دور المخ والأعصاب والهرمونات فيه. حاول علم النفس أن يشرح الانفعالات والتصرفات المصاحبة له. الشعر والرواية والمسرح والموسيقى والأغاني والفنون التشكيلية والسينما يخصصون للحب نصيب الأسد من إنتاجهم. وكل إنسان عادي يعتبر نفسه خبيرًا في الحب لأنه مرَّ بتجربة حب، أو ما يظن أنه حب.

هناك آلاف الكتب عن الحب، ولكن معظمها تتعامل مع الحب كمعضلة، وليس كأكبر كنز يحمله كل إنسان في داخله. معظم القصائد والروايات تتعامل مع الحب كمصدر للألم والقلق، وتنشغل بالنقصان والفقدان والحيرة والضياع، فيتماهى معها القراء الذين مرُّوا بتجارب مشابهة. معظم الكتب التي تقدم النصائح للأحبة تظل محصورة في النظرة النمطية للرجل كصياد بطبعه، وللمرأة التي تميل لجمع الأشياء وبناء العش بطبعها. تلعب هذه الكتب على وتر إبراز الفروق بين الرجل والمرأة، ووصف الصراعات المعتادة بينهما وتقديم نصائح لتفادي هذه الصراعات في المستقبل. وسر نجاح هذه الكتب هو أنها تصف صراعات الحب الصغيرة التي يعرفها معظم البشر من ناحية، وتعطي مبررًا لأخطاء الرجل وانفعالات المرأة من ناحية أخرى، فالصياد خائن بطبعه ويريد أن يمرر جيناته لأكبر عدد ممكن من النساء، والمرأة انفعالية بطبعها وتحب شراء وتكديس الأشياء. وفي النهاية ليس على المرأة سوى أن تعطي زوجها أو حبيبها حيزًا من الحرية وترتدي له ملابس مثيرة وتغير لون شعرها وديكورات المنزل من وقت لآخر، وليس على الرجل إلا أن ينصت لحبيبته أو يصطنع الاهتمام بما تقول، أو أن يفاجئها من وقت لآخر بباقة زهور أو خاتم ثمين.

وهكذا أصبح الحب مجرد سعلة استهلاكية وصراع بين أَنَوَات متضخمة لا تبحث في الحبيب إلا عن إشباع رغبة، أو تعويض نقص، أو تدليك للإيجو المريض. ولكن الحب أعظم وأرقى من ذلك بكثير. الحب ليس مجرد شعور أو انفعال، بل حالة وجودية وأسلوب حياة. فالشعور له بداية وله نهاية، له سبب ومحفز، ويمكن استبداله بشعور آخر. الشعور بالأمان يحل محل الشعور بالخوف، والشعور بالشبع يحل محل الشعور بالجوع، وهكذا. أما الحب فهو موقف الإنسان الراسخ من نفسه ومن الحياة. وكما يرى الإنسان نفسه، يرى الحب. كل إنسان يحب على قدر درجة وعيه، فمن كان محبوسًا في غرائزه واحتياجاته الأساسية، يرى الحب كتلبية لهذه الاحتياجات لا أكثر، ويستهلك حبيبته كما يستهلك الشوكولاتة. ولكن من يغوص في نفسه ويعرفها بعيدًا عن متطلبات الإيجو ومخاوفه، سيرتقي بنفسه وسيحبها، وبالتالي سيحب الآخر بوعي وحضور. ولكن معظم الناس يأتون إلى الحب محملين بقيود بيولوجية وتصورات دينية واجتماعية وتوقعات ومخاوف ذاتية، فيجعلوا من الحب ساحة حرب أو رقعة شطرنج، تكون فيها المشاعر والانفعالات هي الأسلحة أو قطع الشطرنج، فهنا غيرة وهناك لوم، وهنا خوف وهناك حب تملك، وهنا ابتزاز عاطفي وهناك شعور بالدنب. ومن يحب حقًا لا يلوم ولا يبتز. من يحب لا يطلب ولا يعتصر من حبيبه الحب، بل يكون له براحًا يعبر فيه عن حبه. الحب لا يعرف إلا التواضع والحرية.

ولكن كيف يحدث الحب؟ ولماذا نحب شخصًا ما بالتحديد؟ البيولوجيا تقول إن المرأة تنجذب للرجل عريض الكتفين قوي اليدين، لأن غريزتها تقول إنه سيقدر على إطعامها هي وأولادها، والرجل ينجذب للمرأة كبيرة الصدر ومستديرة المؤخرة، لأنها مؤشرات على قدرتها على الحمل والإنجاب. وتقول أبحاث المخ والأعصاب، إن الإنسان حين يقع في الحب يفرز مخه هرمونات الدوبامين والفينول ميلاتونين، وهي إفرازات لها نفس تأثير الكوكايين على المخ وتجعل الحبيب يشتهي حبيبته جسديًّا ويرى أجمل ما فيها. وحين ينام في حضنها يفرز مخه هرمون سيروتينين، وهو هرمون الشعور بالأمان والتعلق. وهناك هرمون آخر يفرزه المخ أثناء العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة وهو أوكسيتوسين، وهذا هو نفس الهرمون الذي يفرزه مخ الأم أثناء ولادة الجنين، وهو هرمون يزيد من الترابط بين الأم ورضيعها وبين الحبيبين. هذه الإفرازات لها علاقة بتطور مخ الإنسان عبر مئات الآلاف من السنين. إنسان الكهوف كان بحاجة لغريزة الجنس حتى يوزع جيناته ويتكاثر، لكنه أيضًا كان يحتاج شيئًا يجعله يرتبط بشريكتة ويتعاون معها لتأسيس أسرة وتربية الأطفال. الهرمونات التي يفرزها المخ تحقق الوظيفتين. وهكذا تصبح الحبيبة بالفعل هي مصدر الإثارة والأمان معًا. ولكن يبقى السؤال: هل يحدث الحب بسبب الهرمونات، أم أن إفراز الهرمونات هي نتيجة حدوث الحب؟ هل الغدد هي سبب الدموع؟ أم أنها فقط تستجيب للشعور الذي يستحضر الدموع؟ نفس علاقة الغدد بالدموع هي علاقة الهرمونات بالحب.

الدين يقول "تُنكح المرأة لجمالها ولمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". الأسرة تقول تزوج ابنة الحسب والنسب. علم النفس يقول إن الإنسان يحس دائمًا بالنقصان، ويريد أن يشعر أنه مميز ومرغوب فيه، ويبحث في الحبيب أو الحبيبة عن صفات تكمله وترضيه، مثل الجمال والصدق والوفاء وحس الفكاهة وهكذا. تقسِّم "هيلين فيشر" عالمة الأنثروبولوجي الأمريكية الشخصيات إلى أربعة أنواع: شخص مغامر وآخر بنّاء، وشخص إداري وآخر روحاني، وتقول في دراسة بعنوان "لماذا نحب": إن الشخص البنّاء غالبًا ما يقع في غرام الشخص الإداري، والمغامر يفضل الشخص الروحاني.

ولكن أهكذا يحدث الحب؟ هل الحب مجرد تواطؤ بين الهرمونات والعادات واحتياجات الإنسان الأساسية؟ هل الحب مجرد استجابة الإيجو لصفات الحبيب؟ لو قلنا إن الحب مثل الموسيقى أو قصيدة الشعر، فلا نستطيع أن نقيسه بدراسة الهرمونات أو أنماط الشخصيات. فنحن لن نفهم من أين تأتي الموسيقى لو حللنا مفاتيح البيانو أو أصابع العازف أو دقات قلب الجمهور. لن نفهم من أين تأتي قصيدة الشعر لو حللنا لغتها واستعاراتها وخمَّنَّا ما تقصده الكلمات. هناك أشياء بين السماء والأرض لا يستوعبها عقل الإنسان، أولها وأهمها هو الحب، لأن الحب ليس فكرة وليس معادلة حسابية أو تفاعلًا كيميائيًّا. الحب أعظم من عقل الإنسان، فكيف للصغير أن يحتوى الأكبر؟ وهنا أعود لفكرة أن الإنسان يحب حسب درجة وعيه. فهناك درجة الغريزة، ودرجة إشباع الإيجو، ودرجة البحث عن التناغم والسلام الداخلي، ودرجة التجرد والحب غير المشروط، ودرجة الحب الكوني التي يتحرر فيها الإنسان من البحث عن إشباع حسي أو مادي.

درجات الوعي مثل درجات السلم، يتسلقها الإنسان صعودًا وهبوطًا، وهكذا درجات الحب أيضًا. ولكن معظم البشر يظلون محصورين بين درجتي الغريزة والإيجو، لذلك يظل حبهم محاصرًا في هذه الدائرة الضيقة التي تتبادل فيها السعادة الأدوار مع الألم، بل يكون كل منهما شرطًا للآخر، لأن الإيجو لا يشبع ولا يكف عن الطلب. الإيجو يخاف من الفقدان، يشعر بالغيرة، يتحكم، والتحكم يولد المزيد من الخوف. وحين يفرح الإيجو يكون الألم مبرمجًا في نفس الفرح، لأن الإيجو يفرح لصفات وأفعال ما، وحين تغيب هذه الصفات والأفعال يتألم الإيجو ويخاف.

لكن الحب الصافي، مثل الإيمان الصافي، لا يمكن أن يكون مصدره الخوف أو الطمع. الإيمان نداء يسمعه الإنسان داخل نفسه ويتبعه. نداء لا يسمعه سواه، يشده لداخله لا لخارجه ويحرّضه على فهم ذاته أكثر وحبها أكثر. الإيجو يتمحور حول الذات ويبقى عند قشرتها، وكذلك الحب الناتج عن طلبات الإيجو. لكن الإيمان يغوص في أعماق الذات. وكذلك الحب الصافي الناضج يأخذنا إلى أعماقنا ويجعلنا كتابًا مفتوحًا أمام أنفسنا قبل أن نكون كتابًا مفتوحًا أمام من نحب. حين ننشغل بشكلنا ونقصاننا وما نمتلك، لن نرى في الآخر إلا الشكل والمادة والنقصان. حين نخاف من الغرف المظلمة داخل أنفسنا سنخاف من الغرف المظلمة عند من نحب. أما حين نفهم جوهرنا ونقبله ونحبه، سنرى الجوهر في الآخرين ونقبله ونحبه أيضًا. هكذا يحدث الإيمان، وهكذا يحدث الحب. حين يكون الحبيبان على نفس درجة الوعي والنضج والحضور يحدث ما يسميه الناس مجازًا "كيمياء الحب".

نحن لا نخلق الحب ولا نصادفه، لأنه هدية الكون لنا، لكننا نستحقه حين نروِّض الإيجو، أي حين ننفض عن أنفسنا غبار الأفكار والمخاوف والأطماع. حين نتخطى قيود الجسد والدين والمجتمع والخوف. نحن لا نقع في الحب، بل نرتقي إليه، حين نشبهه في صدقه وصفائه وسكينته.


  • 3

   نشر في 05 ماي 2019 .

التعليقات

هذا الشعور السري السحري الذي يمكن ان نغير به الاخرين ، حب حرفان ب وحاء الأوائل ، اول انسان هو أ اول حرف في بداية أدم عليه السلام والذي خلقه الله جل شأنه اول شخص في الكون ومن ثم خلق الله تبارك وتعالى له ح حب أي حواء عليهما السلام بعدما كان ادم وحيدا ، فاصل الحب هو الله تبارك وتعالى وهو الرحمة ، حقيقة قد لا تساعدنا التحليلات او المفاهيم ولكن نظرة من شخص يحبنا تغير لنا الكون ، نشكرك لانك تحبنا واثرت فينا شعور الحب ، فإننا نحبك في الله فهو حب فريد من نوعه و جزيت كل خير.
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا