تلك الحمراء التي سلبتني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تلك الحمراء التي سلبتني

  نشر في 15 مارس 2019 .

لا تزالُ تلك الصورة عالقةٌ بذهني ، شاغلةٌ فكري ما حييتُ ، وإنَّه ليتفقُ لي أحياناً أن أجلس أمامها في صمتٍ خاشع ، متأملاً ، متفكِّراً ، محاولاً استخلاص ما فيها من دروسٍ ومفهوماتٍ ، فإنَّ لهذه الصورة أثراً عميقاً في نفسي ، وفيها من المعاني ما يُكتبُ في كتابٍ كبير يتناول معني الحياة ، وحياة كل معنىً .. ألا فاعلم أنَّ هذه الفراشة الحمراء المضطرجة بدمائِها ، وهي ميتةٌ ، تعطي للحياةِ معناها ، وتُحيي كل معنىً!

هذا الحديثُ بعيداً عن شيوعيتِها ، و حتى أنوثتِها ، هذا الحديثُ مقصودٌ لما زخر به قلبُها ، واشتغلَ به خلدُها ، تلك الحمراء الجميلة - التي تُمثل رومانسية الفداء ، وفداء الحرية ، وسبيل الخلاص - ضربتْ لنا مثلاً ونسيَه الناس ، ولكنِّي لم أنسَه ، ماتتْ وبقي لها ذكرٌ ، وإنْ كان في قلبي ، أنا وحدي ، ولو نسيَها الناسُ ، يبقي ذكرها فيَّ ، بتلك الصورة الخالدة ، التي أوحتْ إليَّ إلهاماً ، وأنهتْ بنفسي إبهاماً ، أيقظتْ حقائق بنومِها ، وأحيتْ قلوباً بموتِها ، إنها الشرارةُ ( الحمراء ) في مبتدأ النفقِ المدلهمِّ ينيرُ للسالكين ، ويشيرُ إلي الطريق ، هكذا اشتعلتْ واحترقتْ كالشرارة ، في ومضةِ عينٍ ، مرةً واحدةً ثم انطفئتْ واختفتْ إلي الأبد! ، بلا تجدُّد ، إلا من قلبي ، بتلك الومضة مضى ريعانُها ، وانكسرَ غصنُها ، وكم من غصنٍ كسرتُه الرياح العاتية ، وتنازلتْ عنه الشجرة نفسُها في سبيل بقاء باقي أغصانها؟؟ فكأنَّما قدَّمتْ الغصنَ قرباناً لطول الحياة ، في سبيل البقاء!

وفي معنى الإخلاص ، كانتْ علامةً يُهتدى بها دلالةً ، وما حرَّق نفسي تأسُّفاً بنفسي إلا ذلك المستوى الرفيع الذي بلغته امرأةٌ في إخلاصِها أن بذختْ وجادتْ بما ملكتْ حتي تصدَّقتْ بحياتِها في شبابِها إخلاصاً و خلاصاً غير مُنثلمَيْنِ بأثرةٍ أو حسرةٍ ، فما أعظم صنيعها في ذلك الميزان!

تمرَّدتْ علي المتمردين ، وأنَّي لأنثى أن تتمرَّد ؟! وأن تتحامل عناء قتال ؟! ربما لفتَ قلبي لها معالمُ جمالِها البادية لكلِّ ناظر ، وأنَّها سيطرتْ على جوارحي بما حُبيَتْ من مآثر الأنوثة ، وإلا فهي ليستْ الأنثى الأولى أو الوحيدة التي تدفع نفسها لمظانِّ الهلاك ، لكنَّ قلبي يختار ، وقد ضربَ بها مثلاً ، وجعل منها علَماً ، لعالَمِ النسوةِ ونضالِهنَّ ، وعمَّم ذلك على أنحائي ؛ فشملَ فكري ، و ذكري!

لكن يبدو أنَّ هناك شيئاً آخر دفعني إليها دفعاً ، وأخلد صورتها بذهني ، ألا وهو أنَّها لم تواجه عدوَّها ( الشرطة القومية ) فقط ، بل قد أكونُ مستيقناً إذا ما قلتُ أنها لم تعبأ به يوماً ، وأنه كان أسهلُ أجزاء المعادلة ، وأنها كانت تقدِّرُ ذلك اليومَ - يوم المواجهة - كأيِّ يومٍ مرَّتْ به ، وربما حتي لم تقدِّر ذلك اليومَ ولم يطرأ بفكرِها ساعةً ، لكنَّها واجهتْ شيئاً آخر ، لقد واجهتْ جموع الخانعين الضالين ، شعوب الهوان والاستهوان ، واجهتْهم بأنفسِهم ، وأظهرتْهم علي وجوههم القبيحة بمرآةٍ ، ربما تكون مرآتُها التي اعتادتْ أن تتزيَّا أمامها ، فتضع أحمر الشفاه ومفردات المكياج ، جلبتها معها - في ذلك اليوم ، يومَ المواجهة ، بعد أن نظرتْ فيها لآخر مرة ووضعتْ أحمر الشفاه! - لتكشف للناس وجوه الذلِّ والاستعباد وصمت القبور الذي يعيشون ، حملتْها معها أثناء طريقِها ، في قلبِها ، ورأى الناس وجوههم لحظةَ أن تجندلتْ ، فخرجتْ المرآة من قلبِها ، مرآة الحقيقة ، ورأى الناس وجوههم ، وما أشوهها وجوه!

ومهما أطلتُ إزارَ مقالي ؛ فلن يكفيها ، أو قل لن أستكفي ، فإنَّها تهيمنُ على فكري كلما نظرتُها ، وتشغلُ بالي كلما تذكرتُها ، فما مرَّت عليَّ صورتها مرور المنسيين أبداً ، رُغم أنِّي حملقتُ بها كثيراً ، كثيراً جداً ، لكنِّي لا أنفكُّ عن تكرار التحديق والتأمل ، ولعلِّي أكتبُ عنها مرةً أخري ، ولقد كتبتُ غيرَ مرَّةٍ ، وكثيرٌ مما كتبت كان من وحيِها! ، فإلي فراشةُ قلبي الزاهرة ، طابتْ لكِ عندي ذكرى ، وإنْ اختلفنا!

*لقيت تلك الحمراء عُرسها (أو حتفها) في مواجهات مع الشركة التركية في أحد شوارع استنبول.


  • 1

  • طارق عوف
    مدون حر، محب للفلسفة والفنون واللغات، ويعمل في مجال إدارة وريادة الأعمال
   نشر في 15 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا