لاعب النرد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لاعب النرد

  نشر في 25 يوليوز 2020  وآخر تعديل بتاريخ 30 يوليوز 2020 .

وصلت إلى السونترفيل في حدود الثامنة صباحا تقريبا... حركة المرور كانت خفيفة على غير عادتها في ذلك الوقت من اليوم. ركنت سيارتي في المستودع البلدي ولم يكن مزدحما. كأنّ الناس هجروا العاصمة ذلك الصباح... دفعت دينارا لحارس المستودع فسلّمني التذكرة دون المائة ملّيم التي يفترض أن يعيدها لي... تمتمت وانصرفت متحاشيا أن أبدأ يومي بخصومة مبكّرة، فلي شواغل أهمّ في ذلك اليوم... كان خط سيري واضحا في ذهني. أمشي في نهج المختار عطية إلى آخره عند شارع الحبيب ثامر. وهناك أنعطف يسارا لأمشي في شارع روما مائتي متر قبل أن أعبر سكة المترو وأجد نفسي في نهج محمد علي. ومع أن صباح ذلك اليوم الشتائي كان مشمسا إلّا أن علوّ العمارات وضيق الأنهج كان يمنع أشعة الشمس من الوصول إلى المارّة وبث الدفء في مفاصلهم... كانت الأرصفة لا تزال مبلولة بندى الفجر، ورائحة القهوة تفوح من الكافيتيريات المنتشرة في الأرجاء. لكنّني قاومت إغراءها بالدخول لعدم تمكّني من شراء صحيفة تؤثث طقس القهوة الصباحية. قرّرت الاستعاضة عنها بصحفة صحلب ساخنة عند لسعد... قلت أتذكّر بها أيام كنت مكتبيا بالمعهد العالي للموسيقى. كان شفيق يرافقني إلى هناك ليس طلبا للصحلب ولكن لأنّنا مدمنين على ابتسامة منية أخت لسعد. بعدها كنت أرافق شفيق ليأكل عجّته الحارّة بالمرقاز التي بدونها لا تفتح مناخيره ولا يذهب عنه صداع الثملة. ويدخل بعدها في شبه غيبوبة وهو يزنّ المالوف... دخلت المحل فلم أجد فيه من روح السنين الخوالي غير صور الترجي ولاعبه الساحر عبد المجيد بن مراد. كانا هناك. ولكن لا لسعد ولا منية تذكراني. رسمت السنين أخاديد على جبين لسعد وتراكم الشحم في جسد منية فغطّته بجلباب فضفاض ولبست حجاب اللواتي يتردّدن على العمرة باستمرار. وفي بخار الصحفة بحثت عبثا عن رائحة ماء الزهر العطرة... حدّدت ما عليّ أن أدفعه من قائمة الأسعار المعلّقة في بهو المحل، ووضعت الثمن على الطاولة ثمّ غادرت بسرعة. مشيت بقية المسافة وقد تلبّستني روح شفيق فسرحت أزنّ المالوف...

كانت سيارات شرطة داكنة اللون تجثم أمام متحف المالية. بدت لي كذلك الذباب الأزرق كبير الحجم الذي يتكاثر في مرحاض عمّتي بالجريد... هناك، خطر لي أن أغيّر طريقي إلى بطحاء محمّد علي. قلت أسير باتجاههم بكل ثقة فأعبر نهج الدباغين ومنه أنعطف يسارا لأصل البطحاء عبر تلك الأنهج الصعيرة حيث تباع الكتب والصور القديمة بالأسود والأبيض. كان ذلك الجزء الواقع بين شارع روما ونهج سوق أهراس الأكثر خطورة... هناك، حيث يكره التجاّر النقابيين الذين ينفّرون الزبائن بمواجهاتهم مع البوليس، وينتشر البوليس والصعاليك يحق لك أن تعتبر كلّ وجه لا تعرفه مخبرا أو مفتش شرطة. تعبر المكان وأنت غير آمن من الاختطاف. في كلّ منعطف، يمكن أن تمتد لك يد غليظة لتحشرك في سيارة أو مدخل عمارة مظلم... لا تسترجع أنفاسك إلاّ بعد تجاوز مفترق نهج سوق أهراس... عندها فقط تحس أنّك في برّ الأمان...

كانت أصوات الحناجر الصادحة بالشعارات تصل متعرّجة عبر الأنهج الضيقة وتنتشر في المكان، باثةّ الرعب لدى البعض والأمل لدى البعض الآخر... أن تسمع صوت الحناجر فقط أقوى تأثيرا من أن ترى أصحاب تلك الحناجر... وجوههم تدخلك في تفاصيل معاناتهم وآلامهم وخوفهم وتردّدهم وزيف بعضهم وصراعاتهم... أمّا أن يتحوّل ذلك إلى ما يشبه هدير مياه الوادي قبل وصولها فذلك مثير للتأهّب والتحسّب... كانت مكبرات الصوت في الساحة تبث قصائد لمحمود درويش تتخلّلها أغان لمارسيل خليفة... جعلني ذلك مشتتا بين أحاسيس متنافرة. رومنسية تبعث على الهدوء والتأمّل من ناحية وتوجّس يشد أعصابي ويحفّز كلّ حواسي. استيقظ فيّ وعي الطفل بالعالم، فبدا لي صوت محمود درويش هاتفا سماويا يخاطب الناس المنتشرين في أرجاء المكان من طبقات الجو... وكان لدي يقين بأنّ شعره يتسلّل إلى قلوب أعوان الشرطة المدجّجين بهراواتهم وخوذاتهم.، فيليّن قلوبهم ويخفّف من شراستهم... وحدهم التجّار، كانوا يلعنون حظهم العاثر الذي جعلهم يفتحون محلّاتهم في ذلك المكان غير بعيد عن ماخور عبد الله قش...

"مَنْ أَنا لأقول لكمْ

ما أَقول لكمْ؟

وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ

فأصبح وجهاً

ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ

فأصبح ناياً...

أَنا لاعب النَرْدِ،

أَربح حيناً وأَخسر حيناً

أَنا مثلكمْ

أَو أَقلُّ قليلاً...

وُلدتُ إلى جانب البئرِ

والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ

وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ

وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً

وانتميتُ إلى عائلةْ

مصادفَةً،

ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ

وأَمراضها:

أَولاً - خَلَلاً في شرايينها

وضغطَ دمٍ مرتفعْ

ثانياً - خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ

والجدَّة - الشجرةْ

ثالثاً - أَملاً في الشفاء من الانفلونزا

بفنجان بابونجٍ ساخنٍ

رابعاً - كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة

خامساً - مللاً في ليالي الشتاءْ

سادساً - فشلاً فادحاً في الغناءْ...

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ

كانت مصادفةً أَن أكونْ

ذَكَراً ...

ومصادفةً أَن أَرى قمراً

شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات

ولم أَجتهد

كي أَجدْ

شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً!

كان يمكن أن لا أكونْ

كان يمكن أن لا يكون أَبي

قد تزوَّج أمي مصادفةً

أَو أكونْ

مثل أختي التي صرخت ثم ماتت

ولم تنتبه

إلى أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ

ولم تعرف الوالدةْ...

أَو : كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ

قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ

كانت مصادفة أَن أكون

أنا الحيّ في حادث الباصِ

حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّةْ

لأني نسيتُ الوجود وأَحواله

عندما كنت أَقرأ في الليل قصَّةَ حُبٍّ

تَقمَّصْتُ دور المؤلف فيها

ودورَ الحبيب - الضحيَّةْ

فكنتُ شهيد الهوى في الروايةِ

والحيَّ في حادث السيرِ

لا دور لي في المزاح مع البحرِ

لكنني وَلَدٌ طائشٌ

من هُواة التسكّع في جاذبيّة ماءٍ

ينادي : تعال إليّْ!

ولا دور لي في النجاة من البحرِ

أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ

رأى الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ

كان يمكن أَلاَّ أكون مُصاباً

بجنِّ الُمعَلَّقة الجاهليّةِ

لو أَن بوَّابة الدار كانت شماليّةً

لا تطلُّ على البحرِ

لو أَن دوريّةَ الجيش لم تر نار القرى

تخبز الليلَ

لو أَن خمسة عشر شهيداً

أَعادوا بناء المتاريسِ

لو أَن ذاك المكان الزراعيَّ لم ينكسرْ

رُبَّما صرتُ زيتونةً

أو مُعَلِّم جغرافيا

أو خبيراً بمملكة النمل

أو حارساً للصدى!

مَنْ أنا لأقول لكم

ما أقول لكم

عند باب الكنيسةْ

ولستُ سوى رمية النرد

ما بين مُفْتَرِسٍ وفريسةْ

ربحت مزيداً من الصحو

لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ

بل لكي أَشهد اﻟﻤﺠزرةْ

نجوتُ مصادفةً : كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ

وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ

وخفتُ كثيراً على إخوتي وأَبي

وخفتُ على زَمَنٍ من زجاجْ

وخفتُ على قطتي وعلى أَرنبي

وعلى قمرٍ ساهرٍ فوق مئذنة المسجد العاليةْ

وخفت على عِنَبِ الداليةْ

يتدلّى كأثداء كلبتنا...

ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ

حافياً، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أريدُ"



   نشر في 25 يوليوز 2020  وآخر تعديل بتاريخ 30 يوليوز 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا