الجنازير المقدسة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الجنازير المقدسة

مآسي الرق في العالم العربي

  نشر في 21 فبراير 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 نونبر 2016 .

رواية الجنازير المقدسة

تأليف المهندس عبدالله محمد سعيد الأسد

على بعد خطوات منى، في صالة المغادرين، بمطار الخرطاليوم الدولي، جلست شابة مدهشة الجمال، ذات شعر أشقر، تنتظر نفس السفرية رقم 9، الخطوط الجوية السودانية المتجهة إلى بيروت. من إشعاع أسارير وجهها المتورد الصبوح، سُحرت بقوة شخصيتها، التي طغت على كل حواسي. تبا للحواجز الاجتماعية، التي تفصلني عنها. فهي بلونها وهندامها وصفاء بشرتها، من صفوة سكان مدينة الخرطوم الأجانب، علية القوم، المتأففين من بقية شعب السودان الأسمر، في تلك الحقبة من تاريخ منتصف الخمسينات في السودان. التزمت حدودي، وأمسكت حبال مشاعري، وانصرفت عن التمعن في جبورة جمالها. واستبعدت تماما حتى لمحة نظر صوبي، من قبل هذه الشابة البورجوازية. في المقابل، شغلت نفسي بقراءة وثائق هامة جمعتها لأكتب عن مأساة استرقاق جدتي. "مستوره" أم والدي.

لحسن الحظ، لم تقلع الطائرة في ميعادها، نتيجة لرداءة الجو. وكان على جميع المسافرين الانتظار ساعة كاملة. شعرت بالملل، ورجعت مرة أخرى، أتمعن في أبداع الخالق، على وجه تلك الشابة. لم أتمكن من مقاومة فضولي. فتركت قراءة الوثائق وواصلت التأمل.

تأجج فضولي، عندما رايتها تتصفح مجلداً ضخماً. حاولت جاهدا معرفة عنوانه، وقمت من مكاني ومررت وراء الكرسي الذي تجلس عليه. لكنني لم أتمكن. كانت مُكبة على الصفحات، والمجلد في حجرها من كبر حجمه. بعد محاولتي الفاشلة، لمعرفة عنوان المجلد، تحرك في داخلي إصرار قوي للتعرف على هذه الشابة. وفي لحظه أرباك وبين ضجيج المسافرين وأطفالهم، توقفت فجأة لسماع نداء من الميكرفون:

" على ركاب الطائرة السودانية المتجه إلى بيروت السفرية رقم 9 الاستعداد للسفر ".

بعد النداء قامت الشابة من مقعدها، بعد أن وضعت قلما في الصفحة التي كانت تقرأ فيها، وقفلت الكتاب. وتبين لي العنوان بوضوح.

"رأس المال" كارل ماركس.

تعجبت. ماذا تريد هذه الأرستقراطية الشابة براس المال؟ هل هي يسارية؟، وهذا مستحيل، هل الكتاب جزء من المقرر الأكاديمي في التخصص الذي تدرسه؟ احترت فعلا وشغلت نفسي فيما لا يعنيني. رغبة مجهولة تدفعني نحوها، ولا بد لي أن اعرف المزيد.

راس المال من أصعب الكتب التي قرأتها. وفعلا لم افهم منه الكثير في القراءة الأولى. بحكم دراستي، قرأته بالإنجليزية مرة ثانية. وبتمعن. حتى فهمت محتوياته المعقدة. كيف لهذه الصبية أن تتجرأ وتقرأ أو تفهم هذا الكتاب. لابد في الأمر شيء. فضولي يتوسع بلا حدود. تعمدت الوقوف خلفها في صف مراجعة التذاكر لعلي أراها عن قرب. اشعر ثمة تجاوب ممغنط يدور بيني وبينها في صمت. شعرها الأشقر المرتب بعناية، يتدلى خلفها، ويكاد يلامس ربطة عنقي الحمراء.

للفوارق العرقية في السودان، اعراف لا تسمح لي بالتطفل وكسر الحواجز بيني وبينها، رغم أنى لا اقل عنها برجوازية في كل شيء. والدي يشغل منصب كبير، كان يشغله قبل السودنه أحد الإنجليز. نعيش في أحسن أحياء الخرطوم، زيادة على وضعي الأكاديمي المميز. كان لي شعور مؤكد بان هذه الساحرة، تبادلني مؤشرات وذبذبات مغنطيسية رصدتها استشعاراتي، التي لا تخطيئ الجنس اللطيف ابدآ، بحكم تجاربي التي عشتها في بريطانية، وفي جامعات من أنحاء أوربا شرقها، وغربها، وفي بيروت. ولى ما لي من المعارف والصديقات المنحدرات من عائلات ثرية ومتعلمة في الوسط الجامعي. ومنيت نفسي بان هذه الشابة الجميلة ستكترث لمظهري الأرستقراطي على الأقل، الذي لا يخلو من النرجسية.

قوة خفية كانت تدفعني، للتعرف بهذه الشابة. خاصة أنها تحمل هذا الكتاب، الذي افهمه جيدا. وأدرك، صعوبة فهمه لشابة في سنها. وقفت أمامي في طابور المراجعة الأخيرة للتذاكر منشغلة بين حقيبتها والمجلد الكبير. وقع القلم الذي وضعته في الصفحة التي كانت تتصفحها فما كان مني إلا الإسراع في اختطافه من الأرض وتقديمه لها، ابتسمت لي وقالت بأسلوب مؤدب، لا يخلو من الاهتمام:

- شكرا.

وكان ردي:

- "عفوا"

لم اقل أكثر من ذلك رغم إنني كنت أود قول الكثير.

ركبنا معا، حافلة ركاب الدرجة الأولى. كانت مكتظة بأسرتين من الجالية الأرمنية بالخرطوم. دخلوا قبلي وقبل ساحرتي الشقراء. كنت اعد خطواتي خلفها، ونحن نسير صوب باب الحافلة، التي أقلتنا لمربط الطائرة. تبعتها ودخلت الحافلة ووقفت بجانب المقعد الذي تجلس فيه فبادرتني مبتسمة وقالت:

- تفضل.

- شكرا.

جلست بجانبها، في المقعد الوحيد المتاح. وحمدت الله على هذه الخطوة السريعة. التي ستقودني لمعرفة الأكثر عنها. ارتبكت في بداية التعارف، لكنها لم ترتبك. كررت شكرها لي مرة أخري. من باب المساعدة، تناولت منها المجلد "رأس المال" الذي ثقل حمله على يدها الناعمة. وقلت:

- دعيني أساعدك. هل تدرسين في بيروت أم زيارة خاصة لأهلك هناك.

وانا اسحب الكتاب من يديها بهدوء. قالت:

- يا سيد أنا سودانية ولست لبنانية ... نعم ادرس في بيروت.

- مرحبا بك ... أنا خالد إبراهيم الناير دكتور محاضر في الرياضيات بجامعة بيروت الأمريكية.

- صدفة طيبة يا دكتور ...أنا اسمي "ليليان احمد الشاهر" أكملت كلية تحضيرية. وسأبدأ عامي الدراسي الأول، بكلية الطب الجامعة الأمريكية ببيروت. وأنت يا دكتور... أنشاء الله تكون قضيت وقت حلو بالسودان.

- لا بأس كانت بين الدامر والخرطوم، ولحسن حظي قابلت أصدقاء الطفولة في الدامر واعدنا ذكريات جميلة جدا ... وأنت كيف كان عطلتك في السودان؟

- قضيتها في البيت مع الأهل بين امدر مان والخرطوم. تزوج خالي من زميلته في جامعة الخرطوم بعد تخرجهما الشهر الماضي وفرحنا بهم.

وصل البص ألي أسفل مدرج الطائرة وانتظرنا حتى دخل الأطفال مع ذويهم وقدمت أمامي "ليليان" وتابعتها بتمعن وهي تتسلق سلم الطائرة خطوطه خطوة، وانا احمل مجلد ماركس الضخم، على يدي اليمنى، وحقيبتي وحقيبتها على كتفي. عندما تمعنت خطواتها بدقة على سلم الطائرة، كانت ملاكا يمشى على الأرض. جميلة ومتناسقة القوام.

أجلستها المضيفة في المقعد رقم 9 المحاذي للشباك. وسألتني إذا كنت أريد أن اشغل المقعد الوحيد الشاغر والمجاور لها، فلم أتردد بعد وضع حقيبتي وحقيبتها في الرف. انشغلت المضيفة بترتيب أماكن الأطفال المنتشرين على ممرات الطائرة وانا انشغلت ب "ليليان" التي انزلها الله من السماء لتجلس بجانبي لإشباع فضولي للتعرف عليها. كل شيء ترتب بقدرة قادر حسب ما تمنيت. قلت لها بعد التمهل وربط الحزام:

- أريد معرفة هذا الكتاب الكبير الذي تقرئين !! هل هو مقرر دراسي؟

ضحكت وقالت:

- انه هدية من خالي العريس الذي كنت في عرسه الأسبوع الفائت.

- هل تجدين صعوبة في فهمه؟

- حقا انه شديد التعقيد ولكن سأكمله لأنني معجبة بالكتاب اليساريين في السودان مثل خالي وغيره مثل التجاني الطيب.

- يا "ليليان" يبدو لي أنك من عائلة برجوازية فمالك وكتب ماركس!!؟

ابتسمت بارتياح ظهر على غمازات وجنتيها الورديتين وقالت:

- يا دكتور خالد خلينا من موضوع هذا الكتاب. فما هي اهتماماتك أنت وكتبك التي تفضلها!!؟

- من نوع هذا الكتاب بجانب الكتب العلمية والرياضيات.

- حسنا إذا التقينا في نقطة. حدثني كيف تعيش في هذه المدينة الصاخبة بيروت !!؟ أنا لا اعلم الكثير فيها بحكم سكني في داخلية تديرها الراهبات.

وبدأت اسرد لها بداياتي بتلك المدينة الفاجرة وعدم ارتياحي فيها وأنى قرأت راس المال مرتين وقلت لها:

- تريدين أن تفهمي هذا الكتاب؟

ضحكت وقالت:

- طبعا.

- أنا على استعداد لشرحه لك.

- يشرفني ذلك. وسأكون جاهزة الأسبوع القادم بعد تغيير سكني لداخلية الطالبات بكلية الطب بالجامعة الأمريكية.

- جميل ... وسنكون في اتصال بحكم عملي في الجامعة.

- أنا شغفة جدا بهذا الكتاب، أمامنا أربعة ساعات من الزمن لنصل ألي بيروت. فهلا أعطيتني مقدمة نشغل بها وقتنا؟

- حسنا ... استمعي لي جيدا. أنا شخصيا، اختلف مع ماركس في كثير من النقاط التي وردت في هذا الكتاب. بالرغم من احترامي لمبادرته الشجاعة في محاربة الرأسمالية. ولعلمي أن الماركسية رأي ومشروع متجدد يتطور مع الزمن، بعكس الكثير من الآراء والمشاريع الفكرية والدينية الغير قابلة للتطور نهائيا... عندما كتب كارل ماركس هذا الكتاب، كان الزمن غير الزمن، فالنظريات والدراسات الاجتماعية ليست قوانين ثابته وإنما تتغير مع الزمن والتكوين الاجتماعي. وأيضا كتب ماركس هذا المجلد، عندما كانت هولندا الدولة الأعظم وتملك اقتصاد فاق الدول الأوربية بأكملها. هولندا الأن بها اقتصاد رأسمالي، أقرب ألي ما دعي له ماركس. اوقفتني، وقالت:

- مهلا يا دكتور ... أريد أولا، فهم ما ورد في الكتاب. ثم أتعرف على رأيك.

- حسنا ... يا ليليان هذه مواضيع جافة. نتركها الآن ونحن على باب التعارف. هل لك معرفة بقراءة الكف؟

- لم أجرب ذلك فهل تعرفها أنت؟

- نعم

- اقرأ لي كفي.

- لاحظت أنك عسراء. الليس كذلك؟

- نعم، وبقدر ما اجتهدت أمي أن استعمل يدي اليمنى، فلم تنجح.

- وانا كذلك يا ليليان "وافق شن طبق"

ضحكت ليليان ومدت يدها اليسرى واستلمتها بيدي اليسرى أيضا وكأني اللامس الحرير المخملي الخالص، وبعد جسها والتطلع عليها لدقيقة قلت:

- ستعيشين طويلا، وسترزقين بعشرة أطفال.

ضحكت وسحبت يدها بسرعة وقالت:

- فأل الله ولا فألك يا دكتور ... طفل واحد مشكلة، فكيف بالعشرة!!؟

- أنا امزح معك يا ليليان.

مرت أربعة ساعات لم نشعر بها ونحن في ضحك وحوار، أعلن قبطان الطائرة وصولنا لبيروت وربط الأحزمة.

التفت ألي "ليليان" وسألتها:

- هل يقابلك أحد في المطار لتوصيلك؟

- نعم ... سائقة من الراهبات تقوم بمهمة استقبالي دائما... وأنت كيف تصل إلى بيتك؟

- في مثل هذه الزيارات القصيرة التي أقوم بها اترك سيارتي في موقف المطار فليست هنالك مشكلة في وصولي ألي البيت. لكن أود الاطمئنان على مواصلاتك قبل توجهي لبيتي.

- شكرا يا دكتور لا مانع لكن اشعر باني أثقلت عليك...

- لا ... لا يا "ليليان" أنا سعيد بالتعرف عليك وحقا استمتعت بالنقاش، سأكون جادا في تدريسك هذا الكتاب الصعب.

هبطت الطائرة ونزلنا معا، احمل عنها حقيبتها وكتاب رأس المال الضخم. بعد المرور على الجوازات والجمارك انتظرت مع "ليليان" حتى حضور الراهبة العجوز وساعدتها في وضع الحقائب على السيارة. وقبل أن أودعها سلمتها بطاقة عملي الشخصي بها عنواني وتلفوناتي في البيت والمكتب. شكرتني "ليليان" على اهتمامي وأيضا شكرتني الراهبة على المساعدة وقالت بلغة إنجليزية بلكنة إيطالية "حقا السودانيون لهم أخلاق طيبة "

يتبع .........

2

ركبت سيارتي وأسرعت متوجها ألي شقتي وعرجت ألي مطعم "مك دنولد" لأخذ قهوة وسندوتشات. ووصلت متأخرا لازدحام بيروت في مساء الجمعة بالسواح والبارات الليلة. وصلت شقتي وكما تركتها مرتبة. راجعت البريد الذي اكتظ به صندوقي. والبريد الصوتي. نمت نوما عميقا وفقت على جرس التلفون الساعة العاشرة والنصف صباحا. توقعت التلفون من "ليليان" لكنه كان من مكتب الترجمة في المركز الثقافي الأمريكي.

طًلب مني الحضور فورا لموضوع هام. أسرعت بعد اخذ حمام دافئ وتوجهت لسيارتي في جراج العمارة تحت الأرض. وفي الطريق تناولت القهوة وساندويتش داخل السيارة وبدأت استعراض التعارف الميمون والمشوب بالحزر مع "ليليان".

مركز العمليات والتنسيق الأمريكي ببيروت أو المركز الثقافي، تجمع ضخم بداخله نادي ثقافي وفندق كبير وملاعب رياضية ونوادي وبارات ومراقص ودور سينما ودور عبادة. صمم خصيصا لراحة الجنود الأمريكان الذين يعملون في بلدان الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية. وصلت في المواعيد وأكملت مراسم الدخول. وتوجهت لركوب طائرة الهليكوبتر بص مع مجموعة من الأمريكان واتجهنا ألي لقاعدة الجيش الأمريكي وسط الجبال خارج حدود لبنان.

القاعدة نسيج من الخيال العلمي يبهر أي إنسان حتى شخصي، دكتور الرياضيات. من خلال زياراتي المتعددة للقاعدة، لأول مرة أشاهد أسلحة ثقيلة مدرعات ومجنزرات ودبابات وطائرات. معدات غريبة وأجهزة معقدة لم اقرأ عنها في الكتب والمجلات رغم اطلاعي الواسع لكل ما هو جديد في عالم الاختراعات. شاهدت في مكتب الترجمة جهاز التلكس لأول مره وجهاز الكمبيوتر الذي نسمع به. شاهدت الصور المرسلة من الأقمار الصناعية بواسطة صحن يدور في سقف القاعدة. الأجهزة التي شاهدتها تعمل في القاعدة حقا أبهرتني يا لله!!! كيف وصل هؤلاء الأمريكان لهذا المستوى الذي يضع عالم الشرق الأوسط على الأقل خمسة قرون خلفهم!!!؟

المهمة التي طلبوني لها في ذلك اليوم هي ترجمة رسالة مسجلة لمراسل يتكلم العربية وصورته على جهز تلفاز ضخم. تكلم المراسل عن قرارات جمال عبد الناصر بما يخص تأميم شركة قناة السويس وفكرة بناء السد العالي. قمت بما لزم من الترجمة ولم أكن الوحيد الذي يترجم بل كان هنالك صديقي كاظم الطويل العراقي ولبناني وصومالي نقوم سويا بالترجمة لموضوع واحد يدخل على جهاز حاسوب يقوم بطبعه وجمع المعلومات وتوحيدها في صياغة موحدة تعرض على أنا الوحيد لوضعها في شكل نهائي.

رجعت بنفس الهليكوبتر ألي من حيث أتيت، رجعت للمركز الثقافي الأمريكي، كنت أتجول كما أشاء في المناطق المسموح بها ولكن كنت أتفادى الدخول للمرقص، لان أصدقائي من الزنوج الأمريكان كانوا يشغلوني بالترجمة في التفاهم مع صديقاتهم. ويطلبون نصحى في شتى الأمور الشخصية.

في ذلك اليوم لم أتجول. أخذت سيارتي ورجعت متعبا ألي شقتي بعد عمل مضني طيلة اليوم. راجعت الرسائل الصوتية المسجلة رسالة من أبي ورسالة من صديقي "جستن" ابن السفير الهولندي. ولم أجد أي رسالة كما توقعت من "ليليان". أصابني إحباط ولكن قلت لنفسي عليك الانتظار.

جلست على مكتبي لأواصل مسودة قصة جدتي "مستورة، المسترقة، ملك اليمين". بدأت أعيد قراءة صور الوثائق التي جمعتها أثناء رحلتي الأخيرة للخرطوم من دار الوثائق السودانية ومقارنتها بالوثائق التي جمعتها سابقا من جامعة درم بالإضافة ألي بعض روايات دونتها في الدامر من بعض المسنين مما يخص جدتي "مستورة" رحمة الله عليها. وبدأت كتابة الخطوط العريضة للقصة.

لا سامح الله جدي الناير، فقد طرد جدتي التي كانت ملك يمينه، حسب الشرع الإسلامي.... طردها من منزله لأنها استجارت بالحاكم الإداري الإنجليزي بمدينة الدامر أيام الحكم البريطاني وتحصلت على ورقة حرية وبموجبها أصبحت حرة وليست من ضمن رقيق جدي. وعندما طالبت المحكمة جدي بتوثيق زواجه الشرعي بجدتي والتي أصبحت حره بموجب ورقة الحرية التي مُنحت لها. رفض جدي لان له أربعه زوجات حرائر. وبدون رحمة منه، نزع منها طفلها الصغير بحجة انه ابنه الوحيد وان جدتي لا تملك المقومات المادية لتربيته. كان ذلك الطفل هو أبى.

عاش أبي تحت رعاية زوجة جدي الأولى وهي بنت عمه (نعمه). نعمه كبيرة السن ويقال إنها كانت عاقر. وبوجود أبى معها في أواخر عمره، تمكنت من السيطرة على ثروات الأسرة ونجحت في تطليق ودحر زوجات جدي الثلاث. وكان جدي وقت ذاك في آخر سنوات عمره، توفى بعدها بسنتين بعمر فاق التسعين.

بعد طردها من الدامر، رحلت جدتي "مستورة" ألي الخرطوم ثم توجهت غربا بعيداَ عن الدامر لحماية ورقة الحرية آلتي منحت لها وفضلت العيش وسط قبيلتها وكان قلبها يتقطع على ابنها الذي نزع منها قهراً وكان عمره سنتين. بعد رحيلها ألي قبيلتها وأقامتها سنة واحدة، حظيت جدتي بزواج شرعي، ورزقت بابن واحد. هو عمي ابكر. بحث عن أبى، وحضر ألي الخرطوم. وتعرف عليه، ونقل له خبر وفاة أمهما، أي جدتي وكان أبي وقتها متزوجاً من أمي (عزه) وهي بنت عمه.

ترك جدي(الناير) ثروة طائلة، من الأراضي الزراعية حول النيل، والبيوت والمواشي والرقيق. كلها تحت التصرف الكامل بيد الحجة نعمه، زوجته الأولى. والتي تربى أبى في كنفها. توفت نعمه بعد جدي بعشرة سنوات. فآلت كل الثروة لأبى.

لا سامح الله جدي لقد أورثني عقدة عنترة بن شداد وعقدة زيد الدريدي وهما من أبطال الأساطير العربية التي تعكس الفهم العربي المريض نحو اللون الأسود.

الرق كان نظاماً اقتصادياً متوحشا، أهان كرامة الإنسان عن طريق أخيه الإنسان على مر العصور. وحتى ظهور الآلة، التي كانت المحرر الحقيقي للرقيق. وليس من باب الرحمة أو النزعة الدينية. وإنما لسبب اقتصادي بحت. وهو عدم الجدوى الاقتصادية للرقيق. فان (تراكتور) واحد يقوم بعمل مائة رأس من الأرقاء وبعشر التكلفة.

لا تفارقني قصة جدتي. تعرفت عليها بأكملها، من دار الوثائق السودانية ومركز الوثائق السودانية في جامعة درم، احتفظت بكل ما عرفته لشخصي فقط ولم أواجه به أبي أو أمي. وكنت حينها في سن الثلاثين بعد رجوعي من دراساتي الجامعية في بريطانيا وحصولي على درجة الدكتوراه في الرياضيات. بدأت الدوافع الحقيقة تجبرني على معرفة من أنا وما هو أصلى. وما صلتي بالعرب، الذين اشعر بالبعد عنهم وعن كل ما هو عربي. وحتى اللغة التي أتكلم بها. وأبغض كل المذاهب المشرعة، التي اهانت وسمحت باستعباد جدتي.

راجعت بدقة، نظرة الإسلام للرق من أمهات الكتب، والتفاسير عبر التاريخ الإسلامي. وصقعت بما وجدته من معلومات. ربما تكون مدسوسة علي الإسلام، مثلا:

• العبد لا يصلي الجمعة كي لا ينشغل عن خدمة سيده عن النبي قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض».

• لا يحج العبد إلا بأذن من سيده

• لا يتزوج إلا بأذن من سيده عن النبي قال: " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر

• ينكح العبد اثنين وليس أربعة كالحر، ويطلق طلقتين وتحرم عليه زوجته وليس ثلاث كما سمح للحر. وعدة المطلقة العبدة شهرين بدل أربعة.

• العبد ليس من حقه تزويج أبنه أو بنته إلا بأذن من سيده.

• لا يرى فقهاء الإسلام بأسا بملك اليمين أن ينزع الرجل الجارية من عبده فيطأها.

• إذا استولد المسلم عبدة كان ولدها بمنزلة ربها.

• العبد في حال تم عتقه ولاؤه للمسلمين شاء أم أبى.

• (الافتداء بالعبيد): يمكن أيضا في الشريعة الإسلامية استخدام العبيد كفدية بدلا من الأموال.

ليس الإسلام وحده الذي ظلم العبيد، بل اليهودية والمسيحية أيضا. حتى الفلاسفة الأربيين اشتركوا في ظلم المستعبدين. جمهورية أفلاطون المثالية !! حكمت بحرمان العبيد من حق المواطنة.

كانت الساعة العاشرة مساءً وأثناء كتابتي يرن التلفون وكانت "ليليان":

- الو دكتور خالد

- أهلا "ليليان" الحمد لله على السلامة

- متأسفه لعدم اتصالي خوفا من إزعاجك وأنت متعب من رحلة العودة.

- لا والله كنت أريد التأكد من وصولك بالسلامة

- عملتي أيه في الرحيل.

- والله زرت داخلية البنات لكلية الطب ولم تعجبني.

- وبعدين!!!؟

- ابحث عن شقه لوحدي أو الاشتراك مع صديقة سودانية تعمل في سفارة عربيه.

- خير أنشاء الله أي مساعده أنا حاضر. ما هو برنامجك غدا؟ أحسن نناقش موضوع سكنك برويه ونتقابل في كفتريه الجامعة الساعة العاشرة وسأحضر لأخذك من مكان أقامتك.

- فكره حلوه لكن دعها للساعة واحده بعد الانتهاء من مقابلة سكرتيرة القبول الساعة عشر والنصف. لا لزوم لتعبك فإنني دبرت امر توصيلي.

- وهو كذلك. شكرا على التلفون وغدا نلتقي.

- مع السلامة.

بعد تلفون "ليليان" واصلت كتابة قصتي.

تعليم والدي بدأ، عندما تولت الحجة آمنه تربيته. عنيت بالدرجة الأولى أن يتعلم أحسن تعليم. درس القرآن وحفظه في مسجد جده الفحل في الدامر. واصل تعليمه في الخرطوم، عندما انتقلت أخت آمنه المتزوجة بناظر مدرسة الدامر الأولية، والذي عين مشرفاً على التعليم الأولي بوزارة المعارف السودانية. وكان ذلك بعد وفاة جدي. نال والدي قسطا منظما في التعليم، اجتهد وكان من أوائل خريجي كلية غردون التذكارية. منح عدة دورات دراسية في القانون البرطاني.

جدتي التي لم أرها في حياتي، هي موضوع قصتي ... قيدتها جنازير الرق المقدسة، وظلمها التاريخ وظلمتها الاديان، عقدت العزم، أن اثأر لها باي طريقة كانت. أريد أن اهب علمي ومعرفتي في شرح قضيتها للأجيال القادمة. أريد أن اعرف لماذا هذه القسوة التي تعامل بها جدي الناير!!؟ ولو قدر لي أن أراه اليوم للقنته درسا لا ينساه. أبي نفسه عاجز أن يقنعني بما حصل لامه. كان مغيبا، في مجتمع مقيد دينيا، وتقليدي يسير بالنص ولا يفهم معنى الإنسانية.

الغريب أن المستعمر الإنجليزي كان يلقنهم معنى الأنسان ويطالبهم بأنهاء الرق، بريطانيا التي يقول التاريخ عنها أنها زودت أمريكا الإسبانية بــ 4800 زنجي سنوياً حتى عام 1743. وأثرت ليفربول من تجارة العبيد. وكانت تلك وسيلتها لتحقيق التراكم الرأسمالي الأولى، وقد استخدمت ليفربول في تجارة العبيد 15 سفينة عام 1730 و53 عام 1751، و74 عام 1760، و96 عام 1770، و132 عام 1792.

وربما يكون أجداد صديقي الزنجي الأمريكي "مايكل جيير" هم من أهل جدتي ومن نفس القرية التي سُلبت منها، فلذلك اشعر بقربي له أكثر من أي عربي عرفته في بيروت. وبكل اسف، كل ما اسمعه من أبي المثقف " ما حصل لامه هو قضاء الله وقدره ويجب أن نتقبله دون اعتراض" أما أنا، فارفض ذلك لان الله لا يمكن أن يريد لجدتي الزلة والهوان والتحقير والزجر وهي مسلمة تؤمن به وتصلي له.

جدتي لم تكن سبية في فتح إسلامي، لتصبح من "ما ملكت أيمانهم" بل نهبها تجار الرقيق المسلمون وقيدوها بجنازير الرق المقدسة، من وسط قريتها الآمنة، وباعوها قهرا، لتجار الرقيق وهم في طريقهم ألي مصر لبيعها مرة أخرى، ولبيع الصبية الصغار لخصيهم. وبمررورهم عبر شمال السودان، باعوا جدتي وهي طفلة صغيرة، لم تبلغ السادسة، من ضمن بضاعتهم لاحد أسرياء شيوخ الدامر وأولياء الله، وبعد ذلك اشتراها جدي. أبشع ما قرأت في بحثي عملية خصي الصبية من العبيد وكان من الممكن أن يحصل لي شخصيا. ومن المؤكد انه حصل لأفراد عائلة جدتي.

في العهد التركي، كانت تأتي قوافل الجلابة من سنار ودارفور وأثيوبيا، ومعها كمية ضخمة من العبيد الإناث والذكور. في طريقهم ألي أسواق النخاسة في مصر. وكانت عملية الخصي "كما تسمى عملية الجب" تجري في مدينتي أسيوط وجرجا، يباشرونها على نحو ثلاثمائة شخص في كل عام، ويختارون هؤلاء الصبيان من بين صغار العبيد الذين تتراوح أعمارهم من ست سنوات إلى تسع، ولا يقتصر القائمون بها على بتر عضو التذكير وحده، بل يبترون بالموس جميع الأجزاء البارزة المرتبطة به ثم يصبون في الحال على مكان البتر الزيت المغلي ويركبون أنبوبة في الجزء الباقي من مجرى البول، وبعد الزيت، يلقون على مكان الجرح مسحوق الحنة ثم يدفنون الفتى في الأرض إلى ما فوق بطنه، وبعد أن يتركوه في هذه الحالة لمدة يوم كامل. يخرجونه من التراب ويدهنون مكان الجرح بعجينة من الطين والزيت. ربع الغلمان الذين تجري عليهم هذه العملية لا يعيشون بعدها.

يتم أرسال هؤلاء الخصية من الصبيان، ألي القصور لحراسة الأميرات ونساء الوجهاء. وبعضهم ألي مكة والمدينة، لحراسة الكعبة وحراسة قبر الرسول.

وجدت في مدونات التاريخ الإسلامي أن تاريخ الخصيان، يعود إلى عهد معاوية بن أبي سفيان فهو أول من وضع خداما للكعبة المشرفة من العبيد. وأول من اتخذ المخصيينّ لخدمة الكعبة هو يزيد بن معاوية. وأول من رتب المخصصين، في المسجد الحرام هو أبو جعفر المنصور. أما خصيان الحرم النبوي الشريف، فيعود تاريخهم إلى زمن صلاح الدين الايوبي. فهو أول من عين خصياناً لخدمة المسجد النبوي الشريف.

يرن التلفون واضع قلمي وارد:

- هلو

- أهلا دكتور خالد أنا "جستن"

- هاي كيف أحوالك

- بخير ... فكرت أنا وصوني لزيارتك مساء الغد.

- أهلا بكما وليكن اللقاء عندي بعد الساعة العاشرة.

- حسنا.

- إلى اللقاء.

في الصباح توجهت لمكتبي في الجامعة لأول مرة، بعد غياب دام أسبوعين. راجعت بعناية كل ما يلزم لمحاضرة يوم الأربعاء القادم. أتصلت ببعض المساعدين وطلبت حضور الأنسة كلوديا، المساعدة الأولى. وهي التي تعمل تحت أشرافي لنيل الماجستير في الرياضيات. طلبت منها أن تظل في مكتبي لتنظيم فيلات الطلاب والرد على المحادثات أثناء غيابي. قررت انتظار "ليليان" مبكرا في الكافتيريا وتمشيت بهدوء لان مقابلتنا ستكون بعد نصف ساعة وعند وصولي فًجأت بجودها في الكافتيريا.

- أهلا "ليليان" جيتي بدري ولا أيه!!!؟

- ايو انتهيت من مكتب القبول في وقت قياسي واتصلت بمكتبك وردت على واحده. مين دي يا دكتور!!؟

- دي كلوديا من الأردن تحضر للماجستير وشغاله معي في المكتب.

- المهم أنا طلبت شاي وأنت تشربي أيه؟

- قهوة .... وكيف حالك بعد تعب السفر؟

- الحمد لله تمام لكن موضوع السكن يزعجني لأبعد الحدود.

جلست في الكرسي المقابل لها وبدأت التمعن في وجهها الملائكي الوديع ولاحظت بدقة زرقة عيونها الناعسة. شغلتني عيونها في بداية اللقاء أكثر من الموضوع الذي تقابلنا من أجله. وبعد تداول مبسط انتهينا ألي خيار سكنها مع السودانية محاسن التي لها معرفة جوار قديم مع أسرتها، وتعمل بإحدى السفارات العربية في بيروت. من الناحية الأمنية بالنسبة لها هو الأحسن في مدينة مزعجة مثل بيروت.

أخبرتني "ليليان" عن السيدة محاسن وهي مطلقة، وأنها تعمل مستشارة قانونية في سفارة خليجية، ورجع زوجها للسودان، وأما هي فقد خيرت الإقامة مع ابنتها الصغيرة، والاستمرار في العمل والتمتع بمرتب محترم والسكن المدفوع بواسطة السفارة.

قررت "ليليان" أن نزور محاسن سويا في نفس اليوم بعد ساعات العمل. قبل التحرك لشقة محاسن أخذت "ليليان" ألي مكتبي وتعرفت على كلوديا. قاصدا إزالة التشكك والغيرة التي أشعرتني بها نحو "كلوديا" التي ردت على مكالمتها بدلا عني. لم تهتم "كلوديا" كثيرا بوجود "ليليان" في مكتبي ولكنها استأذنت وخرجت.

وجدت نفسي مع "ليليان" لأول مرة في مكان لوحدنا. لم اعرف من أين ابدأ لأعرف عنها، أو كيف اعرفها بنفسي بطريقة أسرع. شعرت بأنني منتهك تماما ومشروع قصة جدتي متوقف أمام هذه الشابة التي دخلت أو أدخلتها بفضولي في حياتي بالصدفة. استمريت في التداول مع "ليليان":

- يا "ليليان" من الأحسن أن أوصلك لشقة محاسن وانتظرك حتى تنتهي من التفاهم معها. أنا لا اعرفها وربما أيضا تستثقل وجودي معك. دعيني اظهر لاحقا بعد أن تأجري منها الحجرة.... فما رأيك؟؟

- أنا لا أر فيها شيء يا دكتور إلا إذا عندك شيء آخر.

- لا تنس أن محاسن تشتغل في سفارة وربما تكون مراقبة من ناحية امنيه. فوجودي معك ربما يعقد الموضوع.

- لا مانع أن نتحرك بعد نصف ساعة وهذا هو العنوان.

كتبت العنوان وبحثت في خارطة بيروت التي كانت في مكتبي وعرفت الطريق بوضوح.

سألتني "ليليان"؛

- متى نبدأ دراسة كتاب رأس المال

- الأسبوع القادم لننتهي من استقرارك أولا.

- على فكره. لم أناقش موضوع السكن مع أهلي. دعني أصل البريد للاتصال بهم وارجع فورا.

- لا لزوم أن تضيعي وقتك .... ممكن أن تتصلي من هنا.

طلبت من السنترال خط السودان وتركت "ليليان" في اتصال تلفوني مع أهلها وخرجت لأتيح لها حرية الكلام.

رجعت بعد ربع ساعة وكانت "ليليان" قد أنهت الاتصال وشعرت بانها غير مرتاحة ولكن لم استجوبها. خرجنا سويا من المكتب ألي موقف السيارات حيث أوقف سيارتي المرسيدس المكشوفة ذات اللون الأحمر الغامق وقلت:

- تفضلي 

3

- تفضلي

- عربيتك ما شاء الله حلوه لو أمكن تغطيها.

- لا مانع هيا بنا.

- يا دكتور، أبي غاضب من فكرة تغيير مكان سكني، لكن مادام أمي اقتنعت مؤكد أنها ستقنعه وهذه عادته تحفظ زائد عن اللزوم.

- لوكنت في مكانه سأعمل نفس الشيء ... أكيد خائف عليك.

- يعني افهم أنك رجعي ولا ماركسي؟

- ممكن تقولي على رجعي لحد ما. ونحن في السودان رجعيون بالفطرة. إلا تعتقدين ذلك؟؟

- كلامك صاح لان زواج خالي عمل لينا مشكلة في العائلة

- خير....... أي نوع من المشاكل؟

- أمي وأبوي وأخوي، ما كانوا راضين لأنه تزوج سودانية شايقيه. بدلا عن الزواج من أفراد أسرتنا. زوجته فتحية الرائعة الجميلة، أصلا زميلته في الجامعة. خالي شخصيه قوية لم يهتم وابتعد عن عائلتنا الألبانية. اعتراض أخوي، كان صارخا وعلى فكره أخوي إسلامي متشدد.

- هذا هو باب العمارة وانا في انتظرك.

نزلت "ليليان" وانا في انتظارها. موضوع زواج خالها أثار دواخلي. ذكرني موضوع جدتي. هذا عالم متشابك نعيش فيه بعشوائية. وقصة زواج خال "ليليان" أضاف علامة تعجب لما اكتب فيه الأن عن جدتي. يا له من عالم اختلط فيه الحابل بالنابل ... لايزال هنالك من لا يلتفت للعنصرية من أمثال خال "ليليان"، أما أنا عنصري حتى النخاع ومجروح مما عرفته عن تعامل جدي الناير مع جدتي.

في اقل من ربع ساعة نزلت "ليليان" من العمارة فرحة، وأخبرتني بموافقة محاسن. لكنها رفضت التطرق لموضوع تكلفة الحجرة. قالت إن محاسن ستتصل بها بخصوص الإيجار، وميعاد الرحيل سيكون الجمعة القادمة.

توجهنا معا ألي مطعم بجوار شقتي تعودت تناول وجباتي فيه. جلست مبهورا وفرحا بوجودها معي، ولكن ظللت شحيحا في إعطاءها معلومات مكتملة عن شخصي. لم اكذب عليها قط ولكن احتفظ بما لم أُسأل عنه، وهكذا تعلمت من البريطانيين.

كلمتني عن أهلها آل الشاهر. من أصول البانية. وهم أكبر تجار الأقمشة في السودان. وانا اعلم ذلك بحكم شهرتهم ومحلهم الكبير في شارع الجمهورية في وسط الخرطوم.

غضبت منى عندما قلت لها أن اهلك جاءوا للسودان لمعاونة الحكام البريطانيين في إدارة السودان مثلهم كما المصريين والسوريين والأرمن وغيرهم. يديرون البنوك والقضاء والتعليم ويسيطرون على الصادر والوارد داخل شركات من أصول بريطانية.

قالت بصوت حازم:

- أرجوك يا دكتور أن تفهم. أهلي جاءوا للسودان هربا من الاضطهاد. الذي عانوه من الدولة العثمانية. نحن في الأصل من البانية. ولكن أجدادي لم يجدوا مفرا إلا أن يكونوا من ضمن الجالية الشامية أو السورية الموجودة في السودان والتي تقصدها.

- متأسف يا "ليليان" ولكن هذا ما نعرفه نحن سكان البلد الأصليين.

- سكان البلد الأصليين هم الجنوبيون. إذا أردت أن تتكلم عن التاريخ يا دكتور. أنتم تنظرون للون فقط. ولذلك لم تفرق بين الأرمني والسوري والمصري. صدقني نحن نعيش تمذق تاريخي اجتماعي حتى الآن. عليه، ليس هذا الوقت المناسب لمناقشة هذا الموضوع.

- "ليليان" أنا مـتأسف. يبدو أنك أخذتي الموضوع بجدية. وانا أتكلم لمجرد الكلام. ربما يصعب على تدريسك راس المال، إذا أنت بهذه الحدة. الليس كذلك؟

وضحكنا سويا، ثم قالت:

- هذا موضوع آخر. لا تتهرب من وعدك. الكتاب فيه رياضيات ومعادلات أكبر مني. أنت دكتور رياضيات.

- وهو كذلك لنرى الأسبوع القادم.

شعرت بأنني ثقيل الظل، وشعرت بفشلي الكامل في الحوار في ذلك اليوم، ويبدو أن "ليليان" ليست بالسهلة أبدا. فهي تتمتع بدراية غير عادية، ولا تتصنع أمامي. اشعر بالضعف أمامها وهذه ليست عادتي. تجاربي السابقة متشابهة لحد بعيد، في الحوار مع الجنس اللطيف، في أي بلد زرته. هل أنا أمام طالبة أم معلمة!! يجب إعادة استراتيجيتي نحو "ليليان" فهي رغم آخر.

حان وقت مقادرة المطعم. لم أجرأ في دعوة "ليليان" لزيارة شقتي. ولم تتطرق هي من جانبها. وكان ذلك مريح لي. لأنني فعلا فشلت في تقديم نفسي لها بالصورة التي أردتها. وربما أظهرت جهلي ببعض قضايا الوافدين للسودان عامةً. بالإضافة ألي ذلك، كنت على موعد مع "جستن" وخطيبته صوني الأمهرية لزيارتي مساء نفس اليوم.

نهضت "ليليان" من مقعدها وقالت:

- لا أزال اسكن تحت رعاية الراهبات. أفضل الوصول قبل السابعة مساء لمنزلتي. هيا بنا يا دكتور.

- حسنا فلنشرب شاي أو قهوة قبل مغادرتك.

- الشاي أو القهوة تؤرقني أفضل الذهاب.

- وهو كذلك. اتركي لي مهمة ترحيلك وسأقوم بترتيب سيارة الشحن وعمال التغليف.

- يا دكتور أنت مشاغلك كثيرة مما رايته في مكتبك اليوم.

- ولا يهمك. كلها ساعات.

كنت اشعر بان هنالك كيمياء مبهمة تدور بيننا. واستحسان صامت يدفعنا لارتباط وليد. بالرغم من انبهاري وإشباع فضولي يسير بخطوات سريعة، لكني فقدت مقدرة القيادة كما كنت دائما، مع من تعرفت بهن من بنات حواء. "ليليان" بصمة صدفية تسربت في دواخلي لتعرقل مجهودي في مواصلة مدوناتي الوليدة، التي أكرسها لكتابة مأساة جدتي التي ظلمها التاريخ.

في الطريق تناقشنا عن الدين واعجبت كثيرا من المداخلات التي شاركتني بها، وهي المرادفة حقا لتفكيري الشخصي. وصلنا لمنزلها وأوصلتها ألي الباب. انتظرت حتى دخلت. ودعتها ثم اتجهت ألي سيارتي المحاذية للعمارة.

تفارقنا ولم نتفق على موعد. أخذت رقم تلفونها، وبدأت رحلة العودة صوب منزلي الذي يبعد ثمانين كيلو من مسكنها. وفي الطريق عرجت على متجر واشتريت ما لزم لضيافة "جستن" وخطيبته صوني الأمهرية من مأكولات ومكسرات وزجاجة وسكي بلاك ليبل زجاجة فودكه فنلندية وكرتونه من بيرة بلزينر التشيكية.

عند وصولي طلبت بالتلفون السيدة أم محمد. وهي التي تقوم بنظافة الشقة وتقوم بتحضير الأكل لضيوفي. طلبت حضورها فورا. قامت أم محمد قبل وصول الزوار بما لزم، من المشويات واعدت سفرة شهيه وانصرفت. وبعد عشرة دقائق وصل "جستن" ابن السفير الهولندي وخطيبته الإثيوبية ملكة جمال الجامعة المنتخبة.

"جستن" وخطيبته "صني" الإثيوبية من اعز أصدقائي. "جستن" تعرف على "صني" عن طريقي فهو شاب ذو ميول اشتراكي يساند القضية الفلسطينية ومن الذين عملوا في حملات الإغاثة في إثيوبيا والسودان.

كانت "صني" من أقرب الفاتنات لقلبي، حين بدأت العمل في الجامعة. سكنت معي في شقتي أكثر من ثلاثة أشهر في علاقة حب حميمية، لدرجة أني كنت اذهب معها إلى الكنيسة الإثيوبية في بيروت لحضور القداس أيام الأحد. لم اكن متأكدا، عندما طلبت الزواج منها، في بداية علاقتي بها، لكنها صارحتني بانها لا ترغب في الزواج إلا بعد إتمام دراستها. وعندما ارتبطت ب "جستن" صارحته بكل ما حصل بيني وبينها، مما وطد علاقتهما معا وبدون عقد.

قضينا سهرة ممتعة في شقتي. أعدنا ذكريات الماضي. استمعنا لاسطوانات "ري شارلز" و"استيف وندر" و"محمد وردي". تعاطينا ما طاب لكل منا من المشروبات. عند الثانية صباحا نام "جستن" وخطيبته "صني" في حجرتي الخاصة بعد إصرار مني، وخيرت لنفسي حجرة الضيوف. لم أستطع النوم، فضلت الجلوس على مكتبي المجاور للصالون لمواصلة كتابة قصتي وأضفت لها عدة سطور:

اجتماعيا، وجدت مكاني التلقائي وبدون عناء مع الجنود الأمريكان السود المقيمين في القاعدة الأمريكية والمركز الثقافي ببيروت. لم يحملوا عقدتي لأنهم لا يتكلمون العربية ولا يفهمونها. بحكم عملي معهم كمترجم، كنت أتبادل معهم الأفكار السياسية، فوجدت أن ما يربطني بهم، أكثر مما يربطني باللبنانيين بل بقية العرب. وهذه ما دفعني أن ابحث عن ذاتي. لماذا نتكلم العربية في بلدي أصلا. !!!؟ وبعد شعوري بالنعاس رجعت لحجرة الضيوف وغبت في نوم عميق.

أفقت مبكرا وتوجهت ألي الحمام. لدهشتي، وجدت نفسي وبدون قصد إمام "صني" تغتسل عارية كما خلقها الله. تراجعت بسرعة بعد أن تجمعت الصورة التي اعرفها بأكملها سابقا وهمست بكلمة سوري. ردت صني، بضحكة خافتة وأحكمت قفل الباب. عندها تذكرت "صني" أمامي قبل أربعة أشهر. نفس الجسم الرائع الأسمر بتضاريسه المثيرة.

بعد ذلك المشاهد في ذلك الصباح الجميل، قلت لنفسي:

- ما أسعدك يا "جستن" وما أتعسك يا خالد. لماذا تخليت عن هذا الملاك الأسمر وما هو السبب؟

خرجت "صني" من الحمام وحضرت للمطبخ ومعها "جستن" كل منهما يغطي جسده بفوطة من الحمام وتبادلنا السلام الصباح. وبعد ذلك أسرعت بدوري بعدهما للحمام.

دار شريط الذكريات في مخيلتي واستعرض أمامي أروع النساء الآتي دخلنا معي هذا الحمام بداية من زوجة الملحق العسكري المغربية قبل زواجها إذا كانت وقتها طالبة تحب محاضراتي ولم تكمل دراستها بسبب الزواج وأصبحت الزوجة الثانية لرجل يكبرها بأربعين سنة. تذكرت المارونية المتدينة المجهولة الهوية وسعديه الحلبية كما يحلو لي مناداتها من مدينة الأبيض التي تزوجت بابن عمها بعد تخرجها ولم اسمع عنها. ثم "صني" الصولجان الأمهرية.

توقف الشريط. وأفقت من أحلامي على ماء الدش الذي بدأ يبرد. أدخلت جسدي العملاق في روب الحمام وانضممت للمجموعة في المطبخ. شربنا الشاي وبعدها القهوة الأثيوبية. قامت "صني" بإعدادها بكل الطقوس الأمهرية والأواني الخاصة، التي تركتها عندي بعد رحيلها ألي شقة "جستن".

توجهت للجامعة في الصباح. تركت "جستن" وسوني في الشقة. لهما المعرفة الكاملة بجغرافية المكان. كنت على موعد لمقابلة أستاذ زائر من جامعة ستانفورد الأمريكية لمناقشة ماجستير الآنسة كلوديا.

بعد وصولي للمكتب بعد نصف ساعة يرن التلفون:

- الو

- سلام دكتور؟ "ليليان" معاك

- أهلا "ليليان" إيه الأخبار

- الحمد لله ... اتصلت بيك في البيت وردت على زوجتك... متأسفه ما كنت أعرف انك متزوج.

- مين زوجتي؟ .... تقصدي صوني ...لا دي خطيبة صديقي "جستن" ابن السفير الهولندي

- على أي حال سامحني متأسفه

- يا "ليليان" الموضوع بسيط ما فيش أشكال، وأعرفك عليهما قريبا.

- المهم موضوع ترحيلي يوم الجمعة لاغي.

- خير أنشأ الله.

- أمس جاء أخي من السودان. وسيقوم بالواجب.

- خير ... لكن ... أرجو إلا تكوني غاضبة.

- ما فيش مشكله. وشكرا على كل شيء قدمته... مع السلامة.

- من صوتك أنا اشعر أنك غاضبة... على أي حال متى نتقابل

- نشوف ... مع السلامة.

وسكتت السماعة. يا للهول انقطع الاتصال يومها مع "ليليان". جمعت شتاتي من آثار تلك المكالمة. التفت إلى الزائر "دكتور مازرفسكي" وبدأنا مناقشة رسالة الماجستير للمعيدة كلوديا وكانت بعنوان.

"تحويل المعادلات التفاضلية الجزئية لجسم مرن إلى المعادلات التكاملية على سطح كرة"

وبعد المرور على العشرة صفحات الأولى، توقفنا. وانصرف كلا منا لإلقاء محاضرته، على أن نستمر بعد ساعة، في مواصلة المراجعة.

تركيزي لم يكن جيدا ولم أكن مرتاحا كالعادة في إلقاء محاضرتي التي كانت بعنوان:

"حول نظرية الاضطراب وتطبيقاتها على المنظومات الديناميكية"

رجعت ألي مكتبي وطلبت من دكتور مازرفسكي مرافقتي بالذهاب ألي الكفتريه لتناول القهوة والفطائر اللبنانية.

معرفتي بدكتور مازرفسكي اليهودي الأصل كانت قديمة منذ أن كان مساعدا في جامعة وارسو وقبل هروبه من موطنه الاول "جمهورية بولندا الاشتراكية" ألي الولايات المتحدة الأمريكية. اختلافنا السياسي كان محتدما ولكن ظللنا أصدقاء تحت لواء الرياضيات.

جلست مع صديقي دكتور مازرفسكي وكل منا يفضفض ما بداخله من مشاكل خاصه. ما كان يشغلني في تلك اللحظة، هو اتصال "ليليان" التلفوني السريع، وسوء الفهم وإلقاء مهمتي لمساعدتها في الرحيل، فبالتالي لم يكن تركيزي جيدا مع دكتور مازرفسكي والذي بدوره أشعرني باهتمامه بكلوديا. فهي يهودية ذات أصول عربية. وانه غامر بالحضور لبيروت كأستاذ زائر، برغم المخاطر السياسية، التي تحف المنطقة الملتهبة بالقضية الفلسطينية. وتطرف الزعيم المصري عبد الناصر.

أثناء تواجدي مع الدكتور مازرفسكي دخلت كلوديا الكفتريه وجلست معنا وطلبت لها "كفي لآتي" وانسحبت بهدوء ألى مكتبي متعللا باتصال تلفوني مهم، وتركت مازرفسكي معها.

انصرفت لترميم حالتي المتشتتة بين أحداث اليوم الغريبة واهمها غياب "ليليان" المفاجئ عن حياتي قبل أن أتعرف عليها بطريقة أفضل أو تتعرف على. تأكدت بأنني وقعت في حبها واستسلمت لهزيمتي أمامها. ماذا أصابني وانا رجل التجارب المستحيلة مع النساء!!؟

عند وصولي وجدت الشقة مرتبه بشكل رائع وهذا ما تعودت صوني عمله طيلة الأيام التي قضتها معي. وعلى طاولة المطبخ وجدت رسالة منها كتبت فيها:

- "شكرًا حبيبي خالد" على فكره اتصلت بيك واحده ولم تذكر اسمها. ؟؟؟. من هي!!؟

راجعت بريدي الصوتي متلهفا لرسالة من "ليليان". بكل أسف، لم أجد إلا رسالة قصيره من أمي، تسال عن حالي، وطلبت مني ضرورة الاتصال في مساء اليوم. بين الخطابات التي وجدتها في بريدي دعوة من الجامعة الخليجية التي تعاقدت معها منذ ستة أشهر على أنشاء شعبة للرياضيات. ومرفق مع الدعوة رسالة للسفارة للحصول على تأشيرة الدخول.

كنت اشعر بالإرهاق وخلدت ألي نوم عميق حتى الساعة التاسعة مساء. ونزلت ألي المطعم المجاور لتناول وجبة سمك مشوي. ورجعت ألي شقتي لأواصل قصة جدتي التي أهملتها طيلة الأسبوع الفائت.

وفتحت كراسة المدونات وراجعت ورقة هامه عنوانها:

الجنس، الرق، والسوق: نشؤ البغاء في شمال السودان، 1750-1950

حسب الورقة، فان الطبقة الوسطى الصاعدة ذات الأصول العربية في تلك الفترة، قد شرعت في استثمار بعضا من ثرواتها المكتسبة حديثا في مجالات متعددة، كان من ضمنها امتلاك الرقيق لاستخدامهم في تجارة الجنس، مع ازدياد عدد المدن في شمال السودان خلال القرن التاسع عشر. ملاك الرقيق، قد عملوا على أنشاء مؤسساتهم الخاصة من اجل سلع الخدمات الجنسية، هذه المؤسسات عرفت ببيت المريسة (الانداية)، وهي عبارة عن بيت عمومي، تستخدمه عجائز المسترقات، لصناعة وتسويق الخمور البلدية، بينما تقوم الصبايا المسترقات بخدمة الزبائن، وأثناء ذلك يقمن باستعراض مفاتنهن الجسدية، وهنالك غرف خلفية جاهزة لتقديم الخدمات الجنسية. ما ينتج عن تلك الخدمات من مال، فقد كان يتم جمعه على فترات معلومة عن طريق الملاك من التجار أو من ينوب عنهم.

ونسبة للأعراف السائدة حينها، فقد كان البعض من تلك النسوة، ضحايا الاغتصاب، يجدن صعوبة في استئناف حياة طبيعية، لذلك فربما لجأ البعض منهنّ لممارسة البغاء، والذي مثل لهن ولغيرهن من النساء اللائي واجهن شبح الجوع، سبيلا لكسب العيش.

بعد قراءة الورقة زاد جنوني وكتبت:

"لا استبعد أن تكون جدتي كانت من بائعات الهوى ومارست البغاء في الاندايات المنتشرة. ولا استبعد أن جدي اشتراها وهي في بوادر الحمل بوالدي. وهذا أقرب للحقيقة لان جدي لم ينجب حتى موته من حريمة الأربع. كل هذا أن كان حقيقة أو لا. فأنها جدتي لا أزال أحبها ولن أتخلى عن انتمائي لها. لا إثم عليها في كل ما فعلته في هذه الدنيا، لقد كانت مجبرة. ولا حول ولا قوة لها.

تذكرت أثناء زيارتي الأخيرة للبلد وأثناء جلسة شراب مع أصدقائي من الطفولة في منزلنا المميز وهو موروث من جدي الناير. مبني من الطوب الأحمر والحجارة وفيه أثاث مستورد من مصر. وكنا نملك من ضمن ثلاثة اسر، راديو وفونغراف.

تذكرت النور الجيلي، وكان من ضمن شلتي في المدرسة الأولية. نشأ مزارعا فاشلا ورث ارض أجداده وهم من أعيان البلد، وباعها لوكيل والدي وأصبح متسولا بين الأهل والأصدقاء وكان يطلب مني في أي زيارة أقوم بها للبلد بدون حرج مبالغ بسيطة وأعطيها له بدون تردد. لكن في زيارتي الأخيرة، طلب مني عشرين جنيه وطلب مساعدتي في ترجمة رسائل كثيرة ترد له من أمريكا، لكنني تجاهلته.

من وقتها شعرت بحقده نحوي. في تلك الجلسة وهو في حالة سكر قال جملة لم انتبه لها وقتها:

- "العبيد يشتروا ونحن نبيع".

من المؤكد انه قصدني. ربما كان يعرف عن أسرتي أكثر مما اعرفه. ما قاله النور يعكس حقيقة يصعب على الإمساك بخيوطها، وكان تفسيري لما قاله، في ذلك اليوم، هو الحقد لا أكثر ولا اقل. الحقيقة أن أبي اشترى معظم الأراضي المعروضة في البلد للبيع.

في سبيل الدفاع عن جدتي لا تأخذني لومة لائم. ولابد لي أن اعرف شيئا عن الخطابات التي كانت تصل للنور الجيلي من أمريكا والجلوس معه في زيارتي القادمة بطريقة ما لأعرف منه ما كان يرمي له عندما قال "العبيد يشتروا ونحن نبيع". العقدة الأكبر التي تواجهني الآن هي التفرقة العنصرية في داخل وطني نفسه تفوق التفرقة التي قابلتني خارجه.

نظرت ألي الساعة وكانت الثانية صباحاً، وضعت قلمي ثم أخذت معي ألى السرير من مكتبتي، الاتفاقية الخاصة بالرق وقعت في جنيف يوم 25 أيلول/سبتمبر 1926 قرأتها وخلدت لنوم مضطرب.

توجهت مبكرا لمكتبي، فضلت تناول الإفطار والقهوة في كفتريه الجامعة. بعد ساعة اتصلت بالسفارة العربية. استفسرت عن موضوع ما ورد في مذكرتهم، وما هي متطلبات الحصول على التأشيرة. حولتني سكرتيرة الاستعلامات ألي المسؤولة. من لهجتها عرفت أنها السيدة محاسن السودانية التي تسكن معها "ليليان". حمدت الله. رحبت بي بكل أدب واحترام. أخبرتني أن طلب الفيزا بالنسبة لي وصلهم من الجامعة. ليس على إلا إحضار صورتين وجواز السفر، لختمها وهي معفية من الرسوم. زيادة على أن هنالك مبلغ عشرة ألف إسترليني عبارة عن قيمة التعاقد. مع تذاكر سفر درجة أولي. وحجز بفندق شيراتون.

شكرت السيدة محاسن على المعلومات. أخبرتها إنني في طريقي للسفارة. كل ما اعرفه عن السيدة محاسن كان مجرد صدفه من "ليليان". شعرت بالفرحة وانا في طريقي للسفارة. لا لموضوع السفر وملحقاته. بل فتح طريق جديد يوصلني ل "ليليان" التي اختفي أثرها عني منذ أسابيع.

استقبلتني محاسن في مكتبها الأنيق. شعرت أنها تعرف عني ما يتيح لها الحديث معي خارج برتوكول الفيزا. محاسن امرأة جميلة لونها اسمر فاتح. عمرها يقارب عمري. لبستها الأنيقة تدل أنها من بيت متحرر. سلمتني كل ما يخص رحلتي. ختمت الجواز. تركت كرسي مكتبها وجلست في الجانب المقابل لي، على طاولة الاجتماعات بمكتبها، لتواصل معي تناول القهوة. وقالت:

- أننا نسمع الكثير عنك يا دكتور من خلال صحف بيروت.

- نعم. أقوم بمحاضرات في النوادي الثقافية خارج نطاق تخصصي. ولي ندوة أسبوعية بالمركز الثقافي الأمريكي.

- وبرضو عرفته عنك من "ليليان" الطالبة الساكنة معاي.

شعرت براحة وتفاؤل. كنت أريد معرفة أي شيء عن "ليليان" لكنني تظاهرت بالتماسك، وعدم التهافت وقلت:

- كيف أحوال "ليليان"

- بخير لكن زعلانه منك

- ليه

- كلمتني عنك. وعن التعارف في الطائرة، وكل ما دار بينكما ... اعترفت لي أنها ارتاحت لك، بدون أن تعرف عنك شيء. وبعد ان عرفت، أنك متزوج. فضلت طي صفحتك بسرعه عن حياتها.

- سوء حظ وسوء فهم .... أنا غير متزوج. لكن "ليليان" لم تعطني فرصه لكي اشرح لها. والله لست متزوجا ولم أفكر بعد في الزواج.

- هذا خبر كبير. بالنسبة لها. تتكلم كل يوم معي في هذا الموضوع. لا مانع عندي في إصلاح ذات البين. وإذا حبيت قبل سفرك، تشرفنا في البيت، لجبر خاطر هذه البنت الطيبة.

- كتر خيرك يا سيده محاسن. وهذا كلام جميل، لكن لابد من موافقة "ليليان" أولا... وأرجو ألا يسبب هذا الموضوع، إزعاج بالنسبة لك ولها.

- إذا لا تمانع ... ما رأيك مساء اليوم؟

- أنا لا أمانع. لكن أحسن موافقتها أولا.

- سأطلب منها الاتصال بك اليوم العصر.

- على فكره هل أخو "ليليان" موجود؟

- اعتقد انه سافر للسعودية، لأداء العمرة أول أمس.

- أيه رأيك لو أنا اتصلت بيها بدلا عن اتصالها بي!!؟ ربما أنها لاتزال غاضبة علي.

- فكرتك أحسن ... وهذا كرتي الشخصي وفيه تلفون البيت ... لكن "ليليان" أوصلت تلفون خاص بها قبل يومين. اتصل بي وانا سأقوم بما لزم.

- شكرا لك مدام محاسن. مجهوداتك الطيبة، مقدرة.

تحركت محاسن بسرعة لمقعدها المكتبي لترد على تلفون ورجعت لي وقالت:

- وهو كذلك. أتوقع تلفونك بعد ثلاثة ساعات، من الآن يا دكتور.

- مع السلامة والي اللقاء.

بعد خروجي، راجعت كرت محاسن. وجدت أنها المستشارة القانونية للسفارة. من تلك المقابلة الميمونة، بدأت الاستعداد لمقابلة "ليليان" العصية. كيف أجاوبها على اتهاماتها الوهمية، وعليه، لم يخب ظني بعد مقابلة محاسن. أنها تبادلني شعورا رومانسيا خفي، بمستوى رومانسيتي الصامتة نحوها.

رجعت لشقتي. لأخذ قسطا من الراحة. ولأحضر نفسي للقاء الواعد. انتظرت على مضض الساعة السادسة، لا خابر من محاسن.

فجأة يرن جرس التلفون أسرعت مضطربا للرد عليه:

- الو.... محاسن؟

- أنا جون كاسبر. يا دكتور خالد. من المركز الأمريكي.

- متأسف يا جون كيف حالك؟

- بخير ... نحتاج حضورك بأسرع ما أمكن.

- متأسف لا أتمكن إلا بعد العاشرة مساء.

- حسنا نحن في انتظارك ... مع السلامة.

- ألي اللقاء مستر كاسبر.

وضعت السماعة وانا في حالة اضطراب وانتظار وإسراع .... الساعة السادسة الأن ميعاد تلفوني للسيدة محاسن. انتظرت عشرة دقائق واتصلت بعدها:

- الو مدام محاسن.

- أهلا دكتور خالد.

- متأسف لإزعاج وإن شاء الله كل شيء تمام.

- مرحب بيك لكن "ليليان" لم ترجع البيت حتى الأن ولم أتمكن من إيصال الخبر لها.

- معليش سوء طالع أحسن أنا انتظر حتى رجوعها.

- وهو كذلك لكن بالرحب إذا قررت الحضور.

- أشكرك مدام محاسن من الأفضل أن انتظر.

- عندك رقمي في الكرت لو سمحتي اتصلي بي إذا رجعت "ليليان" ووافقت على حضوري. مع السلامة.

- أنشأ الله خير مع السلامة.

وضعت السماعة مع شعوري المؤكد بسوء الطالع .... ينتظرني مكتب الترجمة بالمركز بعد العاشرة وانا انتظر موضوع هام جداً وهو مقابلة "ليليان" العصية ... ماذا افعل الأن؟ أيهما اهم بالنسبة لي؟ قررت بإصرار أن تكون "ليليان" وتوكلت على الله وبدأت الانتظار المر محتضنا التلفون متصفحا جريدة النهار بملل وضجر.

يا اللاهي الساعة الأن السابعة والنصف. محتاج لساعة كامله لأصل المركز، ومحتاج ألي نصف ساعة لأصل ألي شقة محاسن. أي قرار على أن اتخذ؟ إذا تغيبت عن المركز فهنالك شروط جزائية تفقدني الوظيفة ودخل لا يستهان به. الساعة الثامنة الأن .... قررت الاتصال بالسيدة محاسن بدلا عن الانتظار:

- آلو مدام محاسن متأسف لكن غلبني الانتظار

- أهلا دكتور "ليليان" وصلت قبل ربع ساعة ونحن في موضوعك لم ننتهي بعد لكن ما فيش ...... عفوا دقيقه واحده.

انقطع كلام محاسن:

- الو دكتور خالد .... "ليليان" معاك.

- الحمد لله على الاتصال... لا اعرف ماذا أقول. أريد أن أتكلم أمامك.

- الوقت قد تأخر يا دكتور ويستحسن أن نتقابل غدا في كفتيرة الجامعة لان بنت محاسن تنام مبكرا وأيضا محاسن تذهب لعملها في المواعيد ... نترك الموضوع ألي الغد.

- لا مانع ... لكن هل محاسن شرحت لك!!؟.

- نخلي الموضوع لي بكره وتصبح علي خير ... مع السلامة.

- وهو كذلك لكن كنت أريد. أ ... المهم أشكر محاسن نيابة عني وتصبحين بخير... أنشاء الله تفهمت الموضوع.

- أشوفك بكره مع السلامة يا دكتور.

بين الفرحة والإسراع توجهت ألى الجراج وأخذت سيارتي مسرعا ألي مكتب الترجمة أملا أن أصل في الميعاد المتفق عليه. في الطريق أعدت سيناريو المكالمة وشعرت باني اقتربت ألي "ليليان" ما دامت أنا علي حق. لكن ترك المبادرة والريادة والتوجيه في يدها، أصبح يشكل هاجسا لي.

قمت بالترجمة اللازمة التي أخذت ساعة من الزمن بالنسبة لمجموعة المترجمين. وبعد دمج الترجمات داخل الحاسوب انتظرت لوحدي للقيام بالترجمة الموحدة. كانت الساعة الحادية عشر عندما انتهيت.

قدم لي مستر كاسبر جهاز جديد يسمى "فاكس ملي" وشرح لي كيف يتم توصيله بالتلفون ويمكنه استقبال ما يرسل ألي من مكاتيب وصور يمكنني من القيام بالترجمة وأرسالها بنفس هذه الآلة العجيبة. أخذت الكتالوج والجهاز معي في صندوق صغير ووضعته في سيارتي.

لم أقادر المركز فورا، بل قررت أن أعرج على الملهى للاستئناس ببعض الأصدقاء لتناول قدحا من البيرة وقطعة بيسا قبل رجوعي للبيت ... لم أتوقع مقابلة صديقي الحميم مايكل جيير وصديقته الجميلة الصغيرة "مجدولين" جلست معهما وطبعا انشغلت كالعادة بالترجمة.

عرفت أن "مجدولين" حامل ولا طريق لها إلا الاختفاء من أهلها وهم شيعة لبنان المتشددين. مايكل يعتبر امر الحمل شيء طبيعي ولا يعرف من هم الشيعة في لبنان. ولا يعرف أن مصير "مجدولين" الذبح الشرعي. كانت المسكينة تبكي ولا تعرف ماذا تفعل.

مايكل رفض الحلول التي قدمتها له. من ضمنها إجهاض "مجدولين". أصر على الجنين مهما كلفه الثمن. وقال سيعمل المستحيل في تحقيق ذلك. "مجدولين" متعلقة بمايكل ولكن لا تعرف أين الحلول. عرفت أنها تعيش مع مايكل سرا في المركز رغم الأوامر الواضحة بعدم تواجد أي أحد بعد الساعة الواحدة صباحا عدا الأمريكان.

الحل السريع والمساعدة الفورية التي يمكنني أن أقدمها لمايكل، هو ترحيل "مجدولين" معي ألى شقتي، والبحث عن الحلول الجزرية لاحقا. اقترحت على مايكل ألا يعرض نفسه أو "مجدولين" المسكينة لطائلة القانون فستكون هي الضحية في نهاية المطاف. عرضت الفكرة لمجدولين" ومايكل وقبلا بالحل المؤقت.

لم يكن لي أي مزاج في الشرب أو الرقص بعد الذي علمته من مايكل. طلبت من "مجدولين" تجهيز نفسها وملابسها وفعلا قادرت المركز معها الساعة الثانية عشر مع توصيات مايكل المتكررة لي بالعناية بها. ضمها إلى صدره مع قبلة طويلة ودس في حقيبتها المتدلية علي كتفها الأيمن مبلغ من المال وفتح باب سيارتي وأجلسها في المقعد الخليفي خوفا على حملها.

زيادة على كل الملمات التي تدور حولي، ها أنا أتحمل مسؤولية "مجدولين" المسكينة وأقدم مساعدة لصديقي مايكل. أن تواجد "مجدولين" في شقتي، خيار يهدد إعادة سناريو صوني الحبشية، فلذلك فكرت أن اتصل ب "جستن" و"صوني" واقترح عليهما إيواء "مجدولين" حتى أشعار آخر.

توقفت في الطريق بجانب كول بوكس واتصلت بمنزل "جستن". لم يرد أحد وتركت رسالة توضح موضوع "مجدولين" وواصلت سيري حتى وصلت شقتي وهي ليست غريبة على "مجدولين" فلكم قضت ليالي هنا مع مايكل وعدد من أصدقائي الزنوج الأمريكان في حفلات نهاية الأسبوع.

بعد الصول لشقتي قامت "مجدولين" بأعداد سندوتشات وقهوة لي وحليب ساخن لها وبعد ذلك توجهت للحمام ومكثت نصف ساعة كاملة وهي تأخذ دوش ساخن. لم أتمكن من انتظارها فتوجهت للحمام الصغير للاغتسال وبعد ذلك دخلت حجرتي بينما هي قد بدأت في ترتيب حجرة الضيوف لنفسها وبعد تغيير ملابسها لملابس النوم نقرت على بابي وأطلت بوجهها الملائكي لتقل "أمسي علي خير يا دكتور" وقفلت الباب ودخلت غرفة الضيوف.

في الصباح وجدت "مجدولين" في المطبخ واعدت الإفطار والقهوة. قبل أن أقادر أوضحت لها بان الممرضة السريلانكية ستمر عليها الساعة العاشرة للكشف عليها وتأخذ الدم للتحليل كما يوصي مايكل، فعليها أن تحضر نفسها. ودعتها على الباب وهي لاتزال بفستان النوم ومن فوقه روب الحمام وأوصيتها بعدم فتح الباب إلا للممرضة.

حرصت على وصول الجامعة في ساعة مبكرة لأنهاء بعض الأعمال المكتبية ثم الذهاب للكفترية لمقابلة "ليليان" حسب الميعاد المتفق عليه. لسوء حظي كان الطريق مكتظ والسرعة لم تزيد عن عشره كيلو في الساعة لفترة طويله. فكرت كغيري من المسرعين وغيرت طريقي واتجهت يمينا ابحث عن مخرج من الزحام. وفعلا وجدت طريقا مكنني من الإسراع، ولكنه أيضا بدأ يزدحم. ومناورات المسرعين تتزايد والقلق ينتابني.

محاولة فاشلة قام بها سائق علي يميني، في سيارة "أزور ويز بنتلي" دعم سيارتي من الخلف واضطررت للوقوف. تفقدت مؤخرة سيارتي، ولاحظت في السيارة الأخرى رجلا ضخما يجلس في المقعد الخلفي. فتح الزجاج المظلل. ترجل السائق لتفقد ما حصل. وقتها لسوء الطالع، عرفت إنني لن أتمكن من الوصول في الميعاد لمقابلة "ليليان"..

علينا انتظار شرطة المرور لفتح محضر. تبادلت كلمات مقتضبة مع السائق. الرجل البدين في مكانه بالمقعد الخلفي يؤشر بيده ويطلب منى الحضور ولكنني تجاهلته وحاول مرات وهو يومئ بيده. وتعمدت أن أتجاهله. وأخيرا ترجل وحضر ليقف أمامي وقال بكل بجاحه:

- شو تعمل هون!!؟ هدي سيارتك؟

- نعم.

- من السعودية

- لا

- من عبيد السودان!!!؟ شو، ها العجرفة يا زلمي؟

لم أتمالك أعصابي، فبصقت على وجهه وأمسكت برقبته ودفعت به ألى سيارته، دون أن أرد عليه. تدخل السائق وفك الاشتباك بيننا. تنفس الرجل الصعداء وبدأ تنشيف وجهه المحمر وقال:

- شو ها الزلمة المتوحش!!!؟

- نعم متوحش. لكن لست عبدا، أيه الخنزير.

-

رجع الرجل لمقعده. ورجعت لسيارتي. بينما ظل السائق يقف بجانب شباك سيارتي، ويقدم لي الاعتذارات بصوت منخفض:

- معليش يا زول دول ملة حقيرة متعجرفة. هو ما بيعرف السودانيين حامين.

- أرجوك تسيبني في حالي وما محتاج لاعتذارات من فضلك.

- يا ابن العم والله لو ما العيش، كنته ضربته معاك ... انحن فلسطينيين لاجئين لا حوله ولا قوة لنا.

-

قبل أن أرد على تعليقاته سمعت صوت صحاب الاروزرويز ينده له وقبل أن يترك مكانه سألته:

- من يكن هذا الخنزير!!؟

- "توني فنار" عضو برلماني ورجل أعمال كبير.

أسرع السائق وحرك السيارة بدون الانتظار للشرطة. وكذلك فعلت بدوري، إذا لم يكن في سيارتي غير دعمة خفيفة في التصادم الخلفي.... إسراعي لمقابلة "ليليان" كان هو الهاجس الأكبر بالرغم من المضايقة العنصرية الساذجة التي قام بها عضو البرلمان الموقر. ولم اهتم لقانون المرور بانتظار الشرطة.

بالرغم من كل المجهودات التي بذلتها توضح ساعتي إنني تأخرت عن ميعاد "ليليان" ساعة وعشرة دقائق وأمامي مسافة تحتاج على الأقل لربع ساعة أخرى.

عندما دخلت الكفترية كانت الساعة الثانية عشر والثلث، تلفت في كل الاتجاهات ولم أجد "ليليان". ثمة إحباط سيطر علي، فذهبت لمكتبي ودونت في مذكرتي وبسرعة ما حصل في ذلك اليوم التعيس. اتصلت بشقتي لأعرف من "مجدولين" ميعاد الممرضة وأخبرتني أن الممرضة لم تحضر حسب المواعيد لكن سيده اتصلت تسأل عنك وأخبرتها أنك خرجت.

يا للهول أنها "ليليان" وللمرة الثانية تتصل بهاتفي وترد عليها امرأة. المرة الأولى ردت عليها صوني وهذه المرة ردت عليها "مجدولين". شعرت بان المكتب يدور حولي وانا مُسمْر في الكرسي ابحث عن مخرج. يجب على أن افعل شيئا وبسرعة.

الخيارات أمامي معدومة. لا سبيل لتلافي ما حصل إلا خيار واحد. وهو الاتصال بمحاسن في السفارة وشرح ما حصل لي في الطريق. أما وجود "مجدولين" في شقتي فكيف لي أن أبرره؟

طلبت قهوة وقفلت مكتبي وكتبت السناريو للحديث مع محاسن بكل عناية وتوكلت على الله وأدرت قرص التلفون:

- ممكن أكلم المستشارة القانونية السيدة محاسن؟

- أقول لها من!؟

- دكتور خالد لو سمحتي.

- لحظه.

- أهلا دكتور خالد اتصلت بيك قبل ساعتين وردت على الخادمة بانك خرجت مبكرا لمكتبك.

تركت مذكرة السناريو والشرح والتبرير جانبا وحمدت الله أنها جاءت سليمه وقلت بنبرة الفرحة:

- فعلا خرجت مبكرا من البيت

- طلبت مني "ليليان" أن أخبرك بتغيير الميعاد ألى الثانية ظهرا وأنها ستنتظرك في كفتيرية كلية الطب عشان عندها محاضرة هامه وأنها اتصلت بتلفون شقتك ولم ترد عليها.

- شكرا مدام محاسن سأكون في انتظارها. كيف حالك وكيف هاديه الصغيرة

- بخير والحمد لله قبل سفرك أرجو حضورك لعيد ميلاد هاديه عندي في البيت.

- أكيد ولك الشكر.

- مع السلامة. عفوا بالله كلم "ليليان" لتتصل بي لان شركة التلفونات ستغير لها الجهاز غدا.

- جميل ومع السلامة.

كدت أطير من الفرح .... سأقابل "ليليان" العصية بعد ساعة. قررت ترك سيارتي في مكانها وتمشيت لمدة ربع ساعة لكفترية كلية الطب مبكرا خوفا من أي سوء طالع آخر. وانا في الطريق، استعدت شريط اليوم التعيس. وسلوك عضو البرلمان اللبناني الحقير. وتعاطف السائق الفلسطيني المغلوب على أمره. تذكرت قصة جدتي التي نسيتها في معترك لهثي في اكتشاف "ليليان".

بمجرد دخولي بقامتي الفارعة، حددت مكان "ليليان". تجلس في اقصى يمين المقهى ومعها شابة سمراء من ملامحها. اعتقدت أنها سودانية. اندفعت بسلام حار على "ليليان" وصديقتها والتي اتضح من لهجتها أنها من الصومال. قدمت لي نفسها:

- "مريم فارح"

تدرس مع "ليليان" في نفس الصف. قوام ينافس صونى الأمهرية تحدي سافر على وجهها، ويقين ثابت بجمالها في ذلك المقهى الذي يعج ببنات وأبناء أثرياء الشرق الأوسط. بعد مراسيم التحية، تنحت مريم، وتحولت ألى طاولة أخرى. حيث يجلس شاب أنيق، ملامحه تدل على انه أمريكي أو أوربي. تركت لي المجال وربما باتفاق مع "ليليان".

في مواجهة دبلوماسية دقيقة، كان على الإجابة على اسأله "ليليان". لحسن حظي ما حصل في هذا اليوم التعيس، لم يكن مدرجا في أجندة الحوار. كانت "ليليان" أجمل مما كنت أراها سابقا. لم تكن قلقة. ويبدو أنها قد تطبعت لحد ما بالبيئة الجامعية. رشفت من قدح القهوة وسألتها:

- كيف أحوالك "ليليان"... يبدو أن رياح سفينتي أتت بما لا اشتهيه.

- كل ما حصل، سوء فهم. أرجو أن تسامحني يا دكتور.

- أنا الذي أريدك أن تسامحيني. بارك الله في محاسن. أنها أنقذت ما يمكن إنقاذه.

- شهر كامل تاهت بوصلتي، بينك وبين الظن والتوجس.

- "ليليان" ... قلبي كان يدير ما بيننا وقد صدق.

- هل يمكنك تأجيل سفرك؟ .... أشياء أريدك أن تعرفها يا دكتور.

- بس أنت عارفه موضوع سفري. مرتبط بعقد أكاديمي بجامعة. أظنه صعب تغيير الميعاد...لكن الموضوع أسبوع واحد فقط.

- فعلا. صعب تأجيل سفرك.

- هل انتهت محاضراتك اليوم؟

- انتظر مقابله سريعة بخصوص تقديم هذه البيانات التي طلبها منى المسجل لإكمال ملفي الشخصي بالجامعة.

- دعيني أساعدك لنملأ الأوراق معا وبسرعة ... كما أدعوك لنفس المطعم السابق إذا كان يوفقك.

- وهو كذلك.

شعرت أن "ليليان" كانت غير مرتاحة، وبدى عليها الضجر لمقترحي في ملأ ورقة البيانات بمساعدتي ولكنها بعد تردد، أخرجت قلمها وبدأت في ملأ الخانات والإجابة على الأسئلة الكثيرة وانا معها وبحرص لأنهاء المهمة ومقادرة المقهى ألي المطعم.

لم تكن المهمة صعبة ووجدت أن "ليليان" قامت بملأ الجزء الخاص جدا بها وفي خانة "الوضع المدني" قرأت بعفوية؛

"مُطًلقة"

عدد الأطفال؛

"طفل واحد ذكر"

أخفيت استغرابي. بل كتمته باحترام لخصوصيتها، وتاريخ حياتها الذي لا اعرف عنه أي شيء. اهتزت توقعاتي وحساباتي. ولكن لم يغير كل ذلك شعوري الصادق وشغفي وفضولي المهذب نحو "ليليان".

اكتملت البيانات وأخذتها "ليليان". استأذنت وذهبت ألي مكتب المسجل. ظللت لوحدي لمدة خمسة دقائق. رأيت مريم الصومالية تقبل علي ومعها زميلها. قدمته لي. اسمه "روبرت بترسن" من ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة. معيد بكلية التجارة جامعة بيروت. كان شابا ابيضا أنيقا مفتول العضلات مبتسم الوجه. لكنه قصير القامة نسبيا بجانب مريم الفارعة. جلسا معي لحين عودة "ليليان". وضح روبرت انه يعرف عني من خلال نشرات الجامعة ومجتمع أساتذة التدريس. ويحضر ندواتي بالمركز الأمريكي. عرفت من مريم أن والدها قاضي قضاة الصومال. درس بمعهد بخت الرضي بالسودان. وأنها زارت الخرطوم عدة مرات ولها أصدقاء وصديقات هناك وأنها تنوي زيارة السودان قريبا مع صديقها روبرت والذي يتمنى أن يرى الأهرامات في البجراوية وبعدها ألي القاهرة لإتمام التمتع بالآثار الفرعونية النوبية.

رجعت "ليليان" بعد ربع ساعة بعد تسليم الملف ووجدت مريم وروبرت معي وقامت مريم بتعريفها بروربت وقررنا سويا الذهاب لمطعم آخر متخصص في تقديم الأسماك.

رافقنا روبرت ومريم في سياراتهما المتواضعة. جلست بجانب "ليليان" في المقعد الخلفي. لأول مرة تلامس يدي يدها بحرارة ووجد صادق. لم أتكلم كثيرا ولم تتكلم أيضا وظللنا نستمع لمريم ومشاريعها الغرامية مع روبرت وزيارتها الأخيرة لبنسلفانيا ومقابلة أسرة روبرت واستقبالهم الرائع واستضافتها لشهر كامل.

بين الاستماع لمريم، واجترار معلوماتي الجديدة عن "ليليان" وبانها مطلقة وأيضا لها ابن عمرة ثلاثة سنوات. لم تغير المعلومات نظرتي أبدا نحوها. بل زادتني شغفا بها وأكثر استعدادا لمواصلة مشواري معها. لكن أي مشوار؟ هل ستمر عبر دفاتري كأي امرأة من قائمة صوني وغيرها!!؟ أم هي رقم عصي يصعب الوصول له؟ ربما هي نصفي الثاني المفقود.

اعرف تماما إنني عنصري، بقدر احتقار العرب للسود. وربما أكثر من ذلك. "ليليان" من أسرة تعرف فيروس العنصرية بحكم وجودها في السودان غابة السود والسمر. حقيقة لا اخفيها، بل ابحث عنها. وهي أن جدتي جارية اشتراها جدي من سوق النخاسة. فعلاقتي مع "ليليان" البيضاء الشقراء، لا تزال بدون هوية واضحة في داخلي.

بين قصص مريم وروبرت، وملفات العنصرية المعششة في دواخلي، في المقعد الخلفي داخل سيارة روبرت، يد "ليليان" تقبض كفي الغير متحرر من أهوال العبودية. العنصرية تبتعني حتى صباح هذا اليوم مع عضو البرلمان اللبناني الخنزير. أقنعت نفسي في تلك اللحظة، بأنني "مسترق من غير سيد" لكنني لست عبداً.

بضغطة قوية من "ليليان"، فقت من أحلامي يقظتي. حان الترجل من السيارة ونحن على عتبات المطعم الذي يعج بالأجانب وخاصة الأمريكان. لم تكن هنالك طاولات استراتيجية فارغة غير طاولات في المدخل فجلسنا أنا و"ليليان" في وضع لا يتيح لرواد المطعم الزائرين من رؤيتنا. تهيبا من مقابلة أي شخص من القاعدة أو المركز يتعرف علي.

جلسنا وطلبنا طبق سمك مشترك كبير وربيان وزجاجة من النبيذ الإسباني ومشروبات قاذية. "ليليان" رفضت تعاطي النبيذ واختصرت الكؤوس لمريم روبرت وشخصي واحتراما ل “ليليان" فضلت شراب الكوك معها ولكنها أخذت زجاجة النبيذ وأفرقت كأسي من الكوك في كوبها وصبت لي وقالت: إذا كنت تحب النبيذ فلا لزوم أن تفوت فرصة الجلسة اللطيفة هذه. شكرت "ليليان" وفررت زراعي الطويل وبقامتي الشامخة وضممت "ليليان" بلطف وحنان بحركة بطيئة. اختصرت المسافة بيني وبينها، بينما وأصال روبرت حضن مريم وتقبيلها باستمرار أمامنا دون حيطة أو توجس.

لم اسأل "ليليان" عن المعلومات التي حصلت عليها أو قدمتها لي من خلال ملفها الشخصي. ويبدو أيضا أنها غير آبه بالمعلومة التي عاجلا أو آجلا سأعلم بها. ربما أكبرت فيَ عدم إثارتي لأي اسأله بخصوصياتها ... وانا أكبرت فيها شجاعتها التي لا تخفي في طياتها أي لقط أو معلومة تخصها، بالرغم من المشهد الغرامي الذي كان يدور بيننا في صمت، واحتمال الاستمرارية، أو عدمها، بأوراق مكشوفة أو معلبة، لحين امتحان العلاقة.

اكتفيت بنصف كاس النبيذ الذي صبته "ليليان". أما مريم وروبرت انفردا ببقية القنينة، بل طلب روبرت قنينة أخرى، لكنني ذكرته انه يسوق السيارة. فعلية الحذر في مدينة صاخبة كبيروت، وفعلا أشار للجرسون بإلغاء الطلب. بينما انشغل روبرت بمريم في همس خاص استدرت في جلستي لأواجه "ليليان" المتألقة الفرحة وابتسامة رضاء ترسم معالم وجهها وفرح صادق ينبعث من داخل عينيها. يكاد يقفز صدرها المتحدي من خارج البلوزة الحمراء الداكنة التي تلبسها وهي تواريه من خلف الشال التركوازي اللون، قلت لها:

- كيف أحوالك وسكنك ودراستك يا "ليليان" العصية.

- عصيه !!! من العصى؟ أنا ولا أنت يا دكتور ... كل شيء تمام بس الشوق لأهلي ولابني يوسف يسيطر على. لكن فرحه بهذه الجلسة.

- عامله أيه مع كارل ماركس وراس المال

- أبدا أنا في انتظار الدروس.

- ومن أين عرفتي مريم الصومالية.

- قابلتها كمسؤولة العلاقات العامة لاتحاد طلاب الافارقة في كلية الطب وكانت تشرف على أول لقاء للطلاب الجدد وكانت معها واحدة حبشيه أظنها تخرجت، وقلوا لي أنها ملكة جمال الجامعة...بأمانه ما شفته جمال زيها.

شعرت بأنني محاصر مرة أخرى .... ما ارهب هذا اليوم "ليليان" تعرف عن "صني" الحبشية آخر من كانت على قائمة حبيبات عمري. لا أريد أن تعرف "ليليان" علاقتي مع "صوني" خاصة في هذه المرحلة المبكرة. لا اريد ألتبرع بمعلومات لم اسأل عنها. ارتبكت لحد ما وواصلت مع "ليليان":

- حقيقة القرن الأفريقي فيه جمال وفقر شديد.

- يا دكتور أحسن نترك الجماعة دول. شربوا كثيرا وانا بخاف من السواقه

- افتكر كلامك صاح. دعيني، أتخلص منهم بعد ربع ساعة.

- خلاس أنا مضايقه أريد أشم هواء. ريحة السجاير والشيشة الملهلبه تخنقني.

- دقائق

خاطبت مريم ثم روبرت بان "ليليان" تضايقت من السجاير فاسمحوا لنا إذا أمكن. ندهت الجرسون ودفعت الحساب دون علم روبرت تأهبت للخروج من المطعم مع "ليليان" نتمشى على الكورنيش فاذا بي وجه لوجه مع مايكل جير. معه مجموعة من الزنوج الأمريكان قادمون للمطعم .... بادرني مايكل بالسلام ثم سلم على "ليليان". لحسن الحظ كان حريصا في الكلام عن "ماجدولين" صديقته الحامل والتي تقيم في شقتي بصفة مؤقته.

مايكل رجل مهذب خجول، تنحى بي جانبا وسألني عن "ليليان" فكان ردي سأخبرك لاحقا وأوضح لي انه اتصل ب "ماجدولين" في شقتي. وان الممرضة أجرت لها الفحوصات. عرفت منه أيضا، أن إدارة المركز، تحقق معه في موضوع "ماجدولين".

ودعني، وأسرع داخل المطعم. لحاق بالمجموعة من جنود كتيبته المتخصصة في الصواريخ. التفت بسرعة ألي "ليليان" التي لم تكترث لما قاله لي مايكل. قلت لنفسي:

- "الله يعدي هذا اليوم بسلام"

ارتباك وشعور بالسعادة. نسيت كل ما يجلب التوتر لهذا اللقاء الروحي. "ليليان" على يميني في هدوء ويقين نتمشى، ولم اشعر بانها متلهفة لمعرفة المزيد عني بل أنا كنت المتلهف. وبادرتني بسؤال لم أكن مستعدا له:

- هل جربت الزواج يا دكتور خالد!!؟ ... وفشلت مثلي!!

- أبدا ... لكن آن الأوان للتجربة.

- أهلي كانوا وراء فشلي في الزواج يا دكتور، زوجوني بإصرار لابن خالتي. لم أكن على وفاق معه. كنت صغيره يكبرني بعشرين سنه. كنت الزوجة الثانية له بعد طلاق زوجته الأولى. كان ذلك، بعد هروبه من القاهرة ألى السودان. فضل عمله في السياسة والإسلام واهملني. سمعت منه انه ملاحق من نظام عبد الناصر.

- كيف تزوجت بهذه الطريقة يا "ليليان" !!؟ وأنت ماشا الله امرأة متحررة إذا لم اقل يساريه.

- أهلي يا خالد هم السبب. اجبروني أيضا على الحجاب. لكنني لم ارضخ لهم. باختصار عذبني عذاب مر... وأخيرا طلقني بالثلاث وحمدت الله.

- أين هو الآن !!؟ هل هو في السودان؟

- لا، لقد سافر ألي السعودية. وسمعت انه وصل أفغانستان، ولا اعرف عنه أي شيء بعد ذلك. ولا يسأل عن ابنه يوسف.

- والله يا "ليليان" المرأة مظلومة على كل المستويات وأكبر ظلم نالته من الآراء التي يمكن ان تكون مدسوسة على الاديان.

- دي حقيقة يا دكتور لكن أنا لا اسمح لمخلوق أن يتعدى على حقوقي بعد الذي حصل لي حتى لو كان أبي. إذا بقيت لي حقوق في هذا العالم العربي الظالم.

- على أي، ما حصل لك لم يكن باختيارك. ومثلك كثر. حتى ما حصل لجداتنا وأجدادنا تحت ظل عرف جائر في جميع أنحاء العالم العربي.

دون أن نلتفت للوقت، أو الطقس الذي بدأ في البرودة، استمرينا سويا في المشى والتحدث معا. وضعت سترتي عليها. زراعي حول كتفيها، للمزيد من الدفء والشعور بالحميمية.

سألتني عن مايكل وقالت:

- من الرجل الذي قابلك في المطعم؟... هل وصل الجنوبيون إلى هنا!!؟

- لا ... لم يكن جنوبيا، انه أمريكي.

فوجدت من الأحسن أن أوضح لها كل شيء عن مايكل، بدلا مما تفاجأ بوجود صديقته الحامل "ماجدولين" المحتمية بشقتي في تلك اللحظة.

فقلت:

- من ضمن عملي، يا "ليليان" الترجمة في المركز والقاعدة الأمريكية. وتعرفت بعدد كبير من الزنوج الأمريكان. من ضمنهم الشاب الذي قابلنا في مدخل المطعم، مايكل جيير شاب بسيط. سأقص عليك قصته لاحقا. واعتقد انه من الأحسن أخذ تكس للجامعة، ونأخذ سيارتي من هناك، لان الجو بارد ... أيه رأيك؟

- وهو كذلك .... على فكره أنا لازم امر على متجر، لشراء هدية لابنه محاسن. اليوم عيد ميلادها.

- يا الله ... والله نسيت محاسن، قدمت لي الدعوة أيضا. ما فيش مانع. وانا كمان سأشتري هدية مناسبه حسب نصيحتك.

- محاسن يا الله حقيقة محاسن تحترمك جداً

- وانا كمان بعزها ولها الفضل في جمع قلبين.

ضحكت "ليليان" وقالت

- تعتقد ذلك!!؟

- أكيد يا ليليان. والله يعلم ما في قلبي، منذ لقاءنا في مطار الخرطوم. وقبل التقاط ذلك القلم، الذي اعتبره الرسول الأول لقلبينا، ومجلد "راس المال" لكرول ماركس" الرسول الثاني، ومحاسن خاتمة الرسل.

أوقفت تاكسي. توجهنا ألي الجامعة حيث تقف سيارتي. أول ما قالته "ليليان" وهي تترجل من التاكسي:

- مصيبه!!! ... شايفه سيارتك مصدومة من الخلف ... حصل أيه!!؟.

- قصه طويله ... لكن الصدمة خفيفة. بكره لازم أخدها لشركة التامين للتصليح. وممكن استلمها بعد رجوعي من السفر.

- ما فيش طريقة تأجيل السفرة دي!!؟

- يا ريت... طيب أحسن نكلم محاسن ونخطرها بحضوري معك ... اهو الكول بوكس قدامنا.

اتصلت "ليليان" وأكدت حضوري معها. بعدها اتجهنا بسيارتي لمتجر متخصص في حاجيات الأطفال... اختارت "ليليان" لبسة أنيقة. واخترت أنا سلسلة من الذهب عيار ثمانية عشر وعليها مدالية تشير لبرجها... قررت دفع التكاليف للهديتين. بعد مقاومة وإلحاح قبلت. توجهنا لمنزل محاسن بعد مررونا بحلواني في نفس الطريق، وسمحت ل"ليليان" بدفع ثمن التورتة التي كتب عليها الحلواني "سنة حلوة هادية"

استقبلتنا محاسن بالترحاب. معها ابنتها هاديه في الباب. وجدنا مجموعة من السودانيين وأسرهم وأطفالهم. سلمنا الهدايا ووضعت "ليليان" التورتة داخل المطبخ. جلسنا مع المجموعة التي كانت في نقاش سياسي مستعر. قدمت محاسن أولا "ليليان" للضيوف ثم قامت بتقديمي "الدكتور خالد من السودان محاضر بجامعة بيروت الأمريكية وعميد كلية الرياضيات"

جلست بجانب "ليليان" من عادتي قلة الكلام، والتحفظ في التعرف على أي شخص لا تربطني به علاقة سابقة. بعد تبادل وتعارف مقتضب بيني وبين رجل لا يقل عنى سوادا، خمنت من لبسته انه قنصل السفارة التي تعمل بها محاسن. بجانبه جلست سيدة تكبره سنا. يبدو من شكلها أنها ليست الزوجة الأولى. كانت المتباهية والسطحية جدا بين كل السيدات. تلبس كمية من الحلي الغير متجانسة من الذهب والمجوهرات بكمية ملفتة للنظر... بشرتها البيضاء المحمصة ولهجتها تدل على أنها من العرب المستعربة. اهتمت بالكلام معي ومع "ليليان" أكثر من بقية الضيوف، اعتقادا منها اننا زوجان. توهمت أن "ليليان" لبنانية. عرفت من محاسن إنني ذاهب في رحلة عمل في الأسبوع القادم لبلد زوجها في الخليج. سألتني وبصوت عالي:

- "يا دكتور أنت من أي قبيله في السودان !!؟"

تجاهلت سؤالها ولم أرد عليها. ولما أصرت وكررت السؤال، عدة مرات، قلت لها:

- من الصعب أن أصنف نفسي. لكن ما اعرفه أن جدي يصنف نفسه من قبيله تدعي العروبة في شمال السودان، وجدتي رحمها الله، مما ملكت أيمانه.

فقالت بتهكم واستعجال:

- يعني عبده!!؟

فأجبت مجبرا:

- لا ... ربما إسلاميا تعتبر كذلك.

سكتت والتفتت لزوجها وقالت لي:

- "معليش يا دكتور سؤالي كان محرج"

فقلت لها:

- مهما كان سؤلك، ارفض يا مدام أن تسمى جدتي عبده. أنا اعتبرها سيدة وملكة ولدت حرة. ولكن المجتمع الديني ظلمها.

رغم الخجل وعدم الحصافة التي انطلت علي وجهها وسط الحضور، تصدت لها "ليليان" وقالت:

- اسمعي يا مدام، بلوني الأبيض، وعيوني الزرق وشعري الأشقر الذي ترينه، جدي من أمي كان مملوكا من البانية، إذا كنت تعرفين يا مدام، أين تقع البانية!!! بالمعنى الذي ترينه. لقد كان من ملكت ايمانهم، وكذلك جدتي، لعائلة ثريه في اللاذقية. إبان الحكم التركي. لم يعرف امه أو أباه حتى مات. هرب مع والدي وأمي للقاهرة من العبودية ثم ألي وطنه الثاني السودان. ارفض رفضا باتا، أن يسمى جدي عبدا. وتبا للضحالة التي يعيشها امثالك وسط المجتمع الإسلامي. فلا تتطاولي على الدكتور خالد. ولا تتطاولي على.

تكهرب الجو، وسكت الجميع، وغيرت محاسن الموضوع. وبعد ربع ساعة، استأذنت السيدة المتعالية وزوجها القنصل وقادرا شقة محاسن. وانتظمت القعدة وبدا الكلام في مواضيع أخرى. أدهشتني "ليليان" بصراحتها التي زادت عن صراحتي في كشف المسكوت عنه وشعرت بقربي لها أكثر من أي وقت مضى. شعرت أنها تحمل نفس عقدتي لكن لونها وجمالها وعيونها الزرق تغطي أي عيب في نسبها وحسبها عكس مما أنا فيه. فلوني هو مصدر عقدتي ورفضي هو عنوان صمودي في مجتمع عربي، لا يعرف الأسود إلا انه عبد مصفد بالجنازير المقدسة. وعمله الوقوف تحت الشمس لخدمة أسياده، مهما كانت مكانته ومؤهلاته أو بلده.

"ليليان" لم يظهر عليها أي نوع من الضجر أو التوتر. تكلمت عن أسرتها، وهي أكثر أريحية وتبسما، وسط الضيوف. لم تفوت الفرصة في تلقين زوجة القنصل المتعجرفة درسا في التاريخ لا يتنسى.

همست لي "ليليان" والضيوف منشغلون:

- دقيقه يا دكتور

- نعم أنا معاك

جذبتني بيدها وأدخلتني حجرتها المدهشة. كمية من الكتب واللوحات المعلقة على جدار الحائط. صورة جدها الألباني المملوك، صوره والدها، أمها، وأخيها، وخالها الماركسي مع زوجته الشايقية في ملابس الزفاف. قالت:

- ولا يهمك يا دكتور كلنا في الهوى سوأ... هذه المرأة مستجدة نعمه وأكيد تزوجت القنصل ليس حبا في لونه لكن حبا في ماله.

- والله امرأة عجيبة ومدمنة فتن.

- انظر صورة جدي. تتصور ما عندنا أي فكره حتى الأن، من كان أبوه أو امه. تربي صبيا يافعا قويا لخدمة عائلة ثرية. بعد أن كبر زوجوه جدتي "ليليانه" انظر اليها. هي أيضا كانت جارية بقصرهم. يقال إنها من أصول شركسية. قدر الله لهم الهروب لجزيرة قبرص ثم ألي القاهرة وتوفت جدتي بعد مولد أبي وقبل قيام الثورة المصرية في وجه الملك فاروق. وكان والدي قد تزوج بأمي الأرمنية الأصل. قرر الهروب للسودان مع عائلات ذات أصول البانية.

قلت مخاطبا "ليليان":

- يا له من عالم لا يرحم. عالم عربي جاهل جملةً وتفصيلاً.

- انظر يا خالد إلى زوجة خالي الشايقية الحلوة.

- ما شاء الله

- شايف مجلد "راس المال" الكتاب الذي جمعنا وهذا نفس القلم.

ضحكنا سويا وقلت:

- القلم دا لازم تحافظي عليه.

من الباب الغرفة، اطلت محاسن ودعتنا للاكل. خرجنا والجميع حول المائدة. جلست بجانب محامي سوداني اسمه "بكري الجعلي" تخرج من جامعة الخرطوم ونال درجة الماجستير في القانون الدولي من جامعة دمشق. ويعمل منذ زمن في بيروت. وهو زميل دراسة لمحاسن. يعمل في مكتب محماة عالمي مقره لندن. وهو يدير فرع لبنان. وبواسطة نفس المكتب تم اختيار محاسن مستشارة قانونية للسفارة.

"ليليان" انصرفت داخل المطبخ تساعد محاسن في ترتيب الأكل والشراب.

بادرني بكري وقال:

- يا دكتور هذه مرأة ثرثارة. لا تهتم لما قالته!!؟

- ماذا نقول!! عالم كله عقد وجهوية.

- يا دكتور، والدك نحن نعرفه انه الرجل الذي خدمنا كثيرا. اخرج أخي من الحبس عدة مرات احتراما لعائلة الجعلي.

- ماذا كانت جريرة أخيك؟

- جريرته انه من الشيوعيين، لقد عذب الوالد كثيرا. رحمة الله والدي. توفي قبل عامين.

- الله يرحمه واخوك أين هو الأن؟

- سافر لمؤتمر الشباب في بوخارست. ولم يرجع ... على فكره القنصل راجل طيب لكن الولية دي منكده عليه الحياة. تعرف دي مرته الرابعة. جاريه وراء المال وبس. خربت علينا الحفلة. وانا قلت لي محاسن داعياه ليه؟ قالت عشان القنصل.

- والله يا بكري أنا ما كنت عائز الأطفال يسمعوا النوع دا من النقاش ...ذنبهم أيه يعرفوا عما ملكت أيمانهم وقبيلة فلان ولا علان.

شعرت أن بكري رجل متفتح. صادق في تعامله. أفضيت له بما حصل بيني وبين اللبناني عضو البرلمان. نبهني أن أكون حذرا من هذا النوع من البشر. لهم مليشيات وشبيحة وسلاح وسلطات مطلقة. اقترح بكري على مقابلته في مكتبه الاستشاري، لبحث ما يمكن أن تترتب عليه الأمور. خاصة إنني استعملت يدي. وبينما نحن في الحديث أقبلت ليليان وقدمت لكل منا طبق من الحلوى الشرقية. جلست بجانبي بينما انصرف بكري للكلام مع ابنته الجالسة في الطاولة المقابلة.

قالت "ليليان":

- تكلم معي أخي من السعودية، وقال: بعد العمرة سيسافر ألي أفغانستان مع سعوديين لتدريس القران. ونشر الدعوة ومحاربة الشيوعية... وطلب مني أن أكلم أمي بالخبر. طبعا رفضت وقلت: ما دام أنت مؤمن بقضيتك، أحسن تكلم أمك بنفسك.

- دي مصيبه. الله يصبر أمك وأبوك.

- أمي مسكينه لكن أبوي ما هماه شيء ... وعنه ما رجع. واصله شخصية مملة ومتعنته.

قاطعتنا محاسن. معها ابنتها الوديعة لتقول شكرا على الهدايا. ستدخل حجرتها للنوم. قبلتها على خدها. وتمنيت لها السعادة والفرح. كذلك فعلت "ليليان"، التي كانت ترى من خلالها ابنها يوسف، الذي تركته في السودان مع أهلها.

بعد عدة دقائق شكرت "ليليان" واستأذنت، بعد وداع محاسن، والضيوف الذين بدأوا في التهيؤ للانصراف. خرجت "ليليان" معي حتى موقف سيارتي. تعمدت فتح مواضيع لإطالة مدة وقوفنا معا والغبطة تحيطنا سويا. فكرت أن أضمها لصدري مودعا، لكن توقفت وتذكرت أن المراس مع "ليليان" صعب. علي بالتروي مادام بيني وبينها كمياء الحب والتقدير والاحترام تعمل في صمت. وعند وصول أحد ضيوف محاسن ألي سيارته التي كانت تقف بجانب سيارتي، التفتت "ليليان" لوداعه بتلويح يدها واتجهت لباب العمارة وقالت:

- ضروري تتصل بعد وصولك للبيت.

- أكيد وتصبحي على خير.

أدرت سيارتي. توجهت يمين الشارع مسرعا لشقتي. في السيارة بدأت إعادة شريط اليوم. استعرضت كل الأحداث التي مرت. استبعدت السيئ منها وركزت على ردود أفعال "ليليان". عندما تكلمت عن أسرتها بوضوح. أمام الضيوف ردا على زوجة القنصل. لا يزال إعجابي بجراءتها ووضوح رؤيتها، يقربني الهيا أكثر وأكثر. لم تخطاني الرؤية أن "ليليان" هي المرشحة لشراكة حياتي. لكن كيف ومتى وأين!!!؟. مرهق أنا الآن والأحداث تتوالى أمامي كل يوم. قضية جدتي وكتابة قصتها لا تزال الأهم. رغم الاقتحام المدوي الذي فرضته "ليليان" علي الآن.

أفقت على شارة المرور الحمراء، التي وقفت عندها. بعدها مباشرة عرجت يمينا ودخلت جراج العمارة. فتحت الشقة بهدوء، خوفا من إزعاج "ماجدولين". لكنني وجدتها في المطبخ تعد فطائر على الفرن ...وايضا اعدت لي، بعض السندوتشات للعشاء شكرتها. لم أستطع أكلها، بعد الأكل المتنوع، في بيت محاسن. سألت "ماجدولين" عن التلفونات التي وصلت في ذلك اليوم، وأكدت لي مكالمة حبيبها مايكل. ومكالمة محاسن. قالت كان هنالك تلفون ولم تتمكن من الرد عليه، لوجودها داخل الحمام ... والحمد لله أنها لم ترد عليه. كان ذلك التلفون من ليليان.

اتصلت ب "ليليان" على تلفونها الخاص لأول مره.

- هلو "ليليان"

- الحمد لله على سلامتك.

- يا له من يوم تاريخي... بكره بأخذ السيارة للتصليح. ثم اركب تكسي للجامعة. أيه رأيك؟ نتقابل في مكتبي بعد الساعة اثنين.

- أنا بكره عندي محاضرات حتى الخامسة... أيه رأيك لو أنا ومحاسن زرناك في البيت الساعة سبعه مساء؟ محاسن، ستأخذ بنتها هاديه لمدرسة الإنجليزي. بعدها نزورك في البيت.

- مرحبا ... فكره جميله ... تصبحي عل خير.

- وأنت من أهله.

وضعت السماعة. لم أتوقع أن تفاجئني "ليليان" بفكرة الزيارة. لم أكن مستعدا لها. "ماجدولين" معي في الشقة. لابد من إيجاد ملجأ آخر لها، قبل هذه الزيارة.

نزعتها من جهاز الفاكس، خمسة أوراق للترجمة. جلست على مكتبي، ودونت ما دار في هذا اليوم المكتظ بالأحداث ... قمت بإضافة طفيفة لقصة جدتي مضمنا النقاش الذي دار في بيت محاسن ... ثم قرأت النصوص المدونة في صفحات الفاكس وشعرت بأنني لا اقوى على ترجمتها في نفس اليوم.

في الصباح الباكر، اتصلت على "جستن" ابن السفير الهولندي. "صني" خطيبته الأمهرية التقطت السماعة. شرحت لها موضوع "ماجدولين" وطلبت منها أن تساعدني في إيواءها مؤقتا حتى أجد لها سبيلا آخر. وافقت ولكن قالت:

- بكل اسف أنا لا اتق في العرب. لكن، تقديرا لظروفك، لا مانع أن يذهب "جستن" مساء اليوم وإحضارها. في الشقة متسع كبير.

- إذا أمكن حضوره بعد ساعة لأنني مشغول اليوم وأتوقع ضيوف في المساء.

- لا مانع وها هو "جستن" معك.

شرحت ل "جستن" الموضوع ووافق على طلبي فورا. دخلت المطبخ حيث حضرت "ماجدولين" القهوة والفطائر. جلست معها وشرحت لها ظروفي ومشروع رحيلها بعد ساعة ألي شقة "جستن" لم تمانع المسكينة وبدأت تحضير نفسها للرحيل وهي تعرف صوني و"جستن" من خلال الحفلات التي حضرتها مع مايكل في شقتي.

أثناء انتظاري لوصول "جستن" بدأت في ترجمة ما وصلني من المركز الأمريكي عن طريق جهاز الفاكس. الموضوع كان خطبة الزعيم جمال عبد الناصر في تأميم قناة السويس. قرأته بسرعة وبدأت الترجمة الأولية بينما كانت "ماجدولين" تحضر حقيبتها الصغيرة بدون انفعال. كان نص الوارد في الفاكس هو:

خطاب الرئيس جمال عبد الناصر في عيد الثورة الرابع من الإسكندرية "خطاب تأميم قناة السويس 26 يوليو 1956

--------------------------------------------------------------

تابع ......4

عندما انتهيت من ترجمة الصفحة الرابعة، رن جرس الباب ووصل "جستن". الشاب الرائع الشجاع. أعدت "ماجدولين" القهوة مرة أخرى مع الفطائر التي صنعتها. في مكتبي تفاهمنا في كيقية مساعدة "ماجدولين" وصديقها مايكل جيير. خرجت "ماجدولين" وحملت حقيبتها ألى سيارة ورافقتها الي شقة "جستن"

قابلتنا صوني بالترحاب. ضمتني الهيا كما تفعل دائما. وبلغة عربية مكسره رحبت ثم سلمت بالأحضان على "ماجدولين". أصرت على أن أتناول قهوتها المميزة. كم أنا اشتاق لمراسيم وديكور القهوة الأثيوبية. شربت القهوة على عجل. رجعت لشقتي، مع "جستن" ليرافقني في تسليم سيارتي ألى الوكالة لإصلاحها. وانتظرني لفترة نصف ساعة وأوصلني لمكتبي في الجامعة وانصرف بعد ذلك.

بتواجدي في المكتب في تلك الساعة المبكرة تمكنت من إتمام الترجمة بصورة جيدة. وبعد ذلك راجعت بعض المشاريع المقدمة من طلبة الماجستير. قدمت محاضرة لطلبة الماجستير في:

" العلاقة بين الأبعاد الثلاثة لبعض فضاءات تيخونوف والفضاءات العادية”

راجعت البريد الصوتي ووجدت رسالة من والدي يطلب منى ضرورة الاتصال به بأسرع فرصه.

راجعت البريد العادي. ووجدت رسالة من السفارة الأمريكية، تطلب حضوري لاستلام الجواز الأمريكي. قدمت له منذ ستة أشهر أي بعد شهر من تاريخ عملي بالمركز الأمريكي. حقيقة إنني نسيت موضوع التقديم الذي شجعني عليه زميلي العراقي الذي يعمل معي في الترجمة. لم يكن لي أي متسع من الوقت للذهاب للسفارة. تحضير البيت ليناسب زيارة "ليليان" ومحاسن مساء اليوم كان اولويتي. اتصلت بأم محمد لتسبقني ألى الشقة لتحضير ما لزم، واخذ ما تراه مناسبا من البقالة المجاورة.

وأثناء انشغالي وترتيب أجندتي اليومية، رن جرس التلفون. كان من مدير شؤن الموظفين طلب الحضور شخصيا، لاستلام رسالة مسجلة وصلت للتو. أسرعت ووجدت شرطي من مكتب النائب العام. طلب منى الإمضاء على دفتر يحمله وسلمني أخطار. لم اهتم كثيرا استلمت الاخطار. رجعت لمكتبي. فتحت الظرف. كانت دعوة مقدمة ضدي من عضو البرلمان السيد "توني فنار"

ملخص التهمة "التهجم باليد. والسب. ودعم سيارة الشاكي. والهروب من موقع الحادث". تاريخ المثول أمام القاضي، يوم الخميس القادم. نفس يوم سفري. عرفت أن الخنزير استدل لمكان عملي من نمرة السيارة. وبالطبع قضية ملفقه. وربما تكون معقدة، كما وضح لي المحامي بكري الجعلي. أن أكون حذرا في التعامل مع مثل هذه الشخصيات.

أهذا!!! ما ينتظرني، في مثل هذا اليوم الهام!؟ ارتبكت في البداية. لكن عندما افتكرت نصائح الأستاذ بكري الجعلي اعتبرت نفسي محظوظا. على بمقابلته اليوم قبل الذهاب لشقتي والأشراف على تحضير العشاء مع أم محمد.

أخرجت كرت السيد بكري. اتصلت به تلفونيا وأخبرته بطلب النيابة. وافق على مقابلتي بعد ساعة ونصف، لأنه ذاهب للمحكمة في قضية قتل، شغلت الرأي العام في بيروت. قرأت عنها في جريدة النهار. طلبت تكسى ووصلت نصف ساعة قبل المواعيد. استقبلتني سكرتيرته اللبنانية. قدمت لي ما لزم من الضيافة، وانشغلت بمراجعة الترجمة اثناء انتظاري.

حضر المحامي بكري في مواعيده. اطلع على مرسوم النيابة. بينت له كل ما دار في ذلك اليوم العجيب. طلب مني نسخة من الجواز فقلت:

- أيهما السوداني أم الأمريكي؟ على فكره اليوم وصلني إخطار بحصولي على الجواز الأمريكي ولم استلمه

- يجب استلامه بأسرع ما أمكن. هيا بنا الآن للسفارة الأمريكية.

- أيه الحكاية يا أستاذ بكري لازم اليوم؟

- نعم هيا بنا وسأخبرك لماذا.

رضخت لطلب بكري. ركبت معه في سيارته الفارهة. معه سائقه إسحاق السوداني. ومن هندامه، يبدو لي انه بجانب سائق، هو الحارس الشخصي للأستاذ بكري. لاحظت وانا جالس مع بكري في المقعد الخلفي مسدس صغير داخل بزته. في الطريق أوضح لي بكري:

- مادام عندك جواز أمريكي، القضية محلوله. وسأطالب لك بتعويض لا يقل نصف مليون جنيه إسترليني.

- والله قصه يعني لو مشيت بالجواز السوداني كنا رحنا فيها؟

- لا ... الجواز السوداني مقدر هنا. لكن الأمريكاني معناه حصانه دبلوماسية. حتى رئيس البلد ما بقدر يعمل ليك حاجه.

وصلنا السفارة. دخلت بمفردي. استلمت الجواز، ومعه هوية الجنسية الأمريكية، بعد تأدية طقوس أمام القنصل. تم تحليفي على الدستور الأمريكي بوضع يدي عليه. توجهنا لمكتب بكري حيث تم عمل نسخ من الجواز وسلمني الأصل وقال:

- حضر نفسك للتعويض. سافر في مواعيدك. سأقوم بالمرافعة عنك أمام النيابة في يوم الخميس.

- يا سيد بكري، خلينا من التعويض. خارجنا من الورطة دي. وخلاس.

- لا ... اللعبة دي خليها لي. وشايفك مستعجل. السواق حيوصلك لي شقتك.

- شكرا وفعلا أنا مستعجل.

وصلت مع إسحاق في وقت قياسي. طيلة الطريق لم يتكلم معي في أي موضوع. ودعني بأدب ورجع لمكتب الأستاذ بكري. أم محمد قامت بالواجب على أحسن حال. بواسطة جهاز الفاكس قمت بإرسال الترجمة للمركز الأمريكي. بعد ذلك مباشرة اتصلت بالسودان لمكالمة الوالد:

- الو ... أمي، سلام. كيف الأحوال. اعذريني. طولت ما اتصلت من شدة الانشغال.

- أزيك يا ولدي. والله مشتاقه ليك شديد. وكلمت أبوك يعمل ليك تذاكر عشان تحضر معانا العيد.

- وانا كمان مشتاق ليكم جدا.

- اهو أبوك عايزك.

- أبوي كيف صحتك وأحوالك رسالتك لقيته في مكتب الجامعة.

- أنشأ الله خير.

- موضوع عمك أبكر. جانا اليومين ديل وأكمل الدراسة في خورطقت الثانوية. حصل على "جريد ون" وقبلوه في جامعة الخرطوم طب. لكنه مصر أن يسافر الخارج لأي جامعه. انا لقيت ليه بعثه لي ألمانيا أيه رأيك؟

- فكره ممتازة. أشوف الجامعات المناسبة، وبديكم خبر بعد رجوعي من السفر.

- وأنت مسافر وين؟

- يا أبوي موضوع أكاديمي بحت. جامعة خليجية، طلبوني بالاسم، بحكم تخصصى، عشان انشاء شعبة للرياضيات.

- خير يا دكتور. بس ابتعد عن السياسة.

- أنشأ الله ... على فكره يا أبوي، تحصلت على الجواز الأمريكي اليوم.

- دا كلام دا!!؟ يعني عائز تسيب جنسيتك السودانية!! ... بلا أمريكا بلا كلام فارغ... لا أوافق ابدأ.

- يا بوي أنا ما تخليت عن الجنسية السودانية.

- الناس تقول أيه!!؟ وانا وكيل عام وزارة الداخلية. حرام عليك يا خالد. البلد علمتك وعايزاك تخدمه. عائز تسيبه وتبقى أمريكي؟ ... أمك د الوقت تبكي وعايزه تكلمك.

- يا أمي انتو ما فاهمين الموضوع.

- ووب على يا جنى بطني. عايز تبقى خواجه!!؟ أنا ما راضيه عليك في الدنيا. ولا في الآخرة... الناس تقول علينا شنو!!؟

- يا أمي أرجوك أنا. بشرح ليكم الموضوع. قبل العيد. عشان زعلك أنا بجي وبرضيك.

- ما دام جايي، خلاس. نشوف قصتك دي ... بس ما تكلم أي زول. وأنت عارف ابوك وضعه حساس.

- مع السلامة يا أمي. بشوفكم بعد أيام.

- في وداعة الله يا ولدي ... هاك أبوك.

- يا بوي والله ما في مشكله. وانا بزوركم ونشوف موضوع عمي، وحاجات تانية كتيره.

- شوف يا خالد. أنا كلمتي واحده. لا أوافق على حصولك للجواز الأمريكي ... ومع السلامة.

انتهت المحادثة وبقي من الزمن خمسة عشر دقيقه لوصول "ليليان" ومحاسن. وفعلا رن التلفون وأخبرتني "ليليان":

- مساء الخير يا دكتور. حسب مواعيدنا

- ألف مرحبة. وانا في الانتظار.

أسرعت إلى باب العمارة. صفت السيدة محاسن السيارة في الجانب الخلفي من العمارة. فتحت "ليليان" الباب الأيمن للسيارة بنفسها. حيث كانت تجلس بجوار محاسن. أسرعت وفتحت لمحاسن الباب، ورحبت بابتسامة عريضة:

- تفضلوا.

قالت محاسن:

- يا دكتور، في ظهرية السيارة، خبيز خاص. عملته "ليليان" بمساعدتي المتواضعة.

- شكرا ... ما في لزم للتعب. ولكن أنا فرح به.

قالت "ليليان":

- شقتك يا دكتور، في مكان مميزة في بيروت من حيث الخضرة، وجمال العماره.

- شكرا .... أصلا هذه الشقة، اشتراها الوالد منذ عدة سنين. كنا نقضي الصيف دائما هنا. تفضلوا.

لم يكن هنالك داعي لاستعمال المصعد. شقتي في الطابق الأول. دخلت وفي يدي علبة الخبيز. دخلت "ليليان" أولا بلبسها الأنيق، بنطلون ضيق. يظهر تضاريس جسدها الشاب. وبلوفر وردي اللون مطاط. تعرج من عنقها ثم أحاط صدرها وخصرها الضيق. بعدها دخلت محاسن. في ثوب سوداني جذاب، سمني اللون. يفوح بطيب مثير. لم أميزه هل هو باريسي أو خليط عطر سوداني بعطر العود الهندي!!؟

جلسنا سويا في الصالون المطل مباشرة على البحر. وأسرعت بدوري ألى المطبخ لإحضار المشروبات وطبق من المكسرات. وضعتها في طاولة يسهل الوصول من الكرسي الذي تجلس عليه محاسن، لكنني غيرت وضعها لتصل "ليليان" أيضا. رجعت للمطبخ لإحضار المزيد من فروض الضيافة فلحقت بي "ليليان" وقالت:

- دعني أساعدك يا دكتور ولا لزوم لكل هذه المأكولات محاسن تمارس الرجيم بدقه وانا لا أكثر من الحلويات بطبيعتي.

- حسنا أرجو مساعدتي في تحضير المأكولات الخفيفة والشاي أو القهوة؟

قررنا أن نجلس سويا في المطبخ بدل الصالون. قامت "ليليان" بتحضير المأكولات وتسخينها وقمت أنا بإحضار الشاي والقهوة. ودخلنا في شتى المواضيع السياسية وأخبار السودان واعدنا شريط المناقشات التي حدثت في عيد ميلاد هاديه. كان تركيزي على "ليليان" ولايزال فضولي يتابعها برغم من معرفتي الصدفية لأدق تفاصيل حياتها. تأكدت بانها تميل ألي بروح صادقة وانا متأكد بأنني متعلق بها أكثر وأكثر. بعد الانتهاء من الأكل والشرب رجعنا للصالون وأدرت جهاز الأسطوانات واستمعنا بسوط هادئ لأسطوانة كرومه وأولاد الماحي ثم أسطوانات ري شارلس واتس ريدنق.

تحركت من الصالون لمكتبي وتبعتني "ليليان" وصارحتني أنها معجبة بالشقة وتريد أن تراها بالتفصيل. بينما كانت محاسن مشغولة بمراجعة الأسطوانات.... تجولت مع "ليليان" حول الشقة، وعندما دخلنا غرفة الضيوف وبنفس الجراءة التي عرفتها فيها قالت "ليليان" وبسخرية وابتسامة:

- لمن قميص النوم الشفاف الجميل هذا يا دكتور!!!؟

ارتبكت ولم أدرك عن ماذا تتكلم ليليان. تمعنت فوجدت ما لم يكن بالحسبان، وبخجل شديد قلت:

- أكيد نسيته "ماجدولين"

- من تكن "ماجدولين"

- صديقة مايكل جير الذي قابلناه في المطعم. من جنود القاعدة الأمريكية. وهذه قصة تطول إذا رغبتي الاستماع الهيا بالتفاصيل الكاملة.

بحزن وضح على أسارير وجه قالت "ليليان":

- لا داعي ....

وخرجت مسرعة من حجرة الضيوف وجلست بجوار محاسن في الصالون واحمر وجهها وهمست لمحاسن لفترة ثم صمتت في ذهول واستغراب.

لسوء حظي هو قميص نوم نسيته "ماجدولين" أثناء تحضير نفسها لمقادره الشقة ألي شقة "جستن" ولم الحظة أنا أيضا في شماعة حجرة الضيوف. إن المصائب لا تأتى فرادة لماذا في هذا اليوم. تبعتها للصالون ووقفت بينها وبين محاسن التي عرفت الموضوع. لم أجد خيارا غير المزيد من الصراحة وتوضيح موضوع "ماجدولين" بتفاصيله فقلت:

- "ليليان" ... يبدو بكل اسف، دربنا ملئ بالأشواك من البداية ... اسمعي لي أمام محاسن الأن ... قصة "ماجدولين" وبكل صدق وأمانه. واسترسلت بدون تردد في قصة "ماجدولين" و "مايكل جيير"

كانت "ليليان" تستمع لي بكل حواسها وأيضا محاسن والتي قالت:

- والله ما فيش لزوم وانا اشعر بصدقك في كل كلمة قلتها يا دكتور خالد.

وهنا تدخلت "ليليان" بعد زوال اللبس عن وجهها وبدأت تستعيد روحها المرحة وقالت:

- معليش يا دكتور وانا أيضا أصدقك وليس هنالك داعي لاستجوابك ونحن على أبواب التعارف. وما دمت تساعد بهذه المروءة فأبارك لك ما فعلت وانا أتشوق لمعرفة "ماجدولين" ويراودني شعور بانها تشبهني لحد بعيد وربنا يساعدها ويحفظها من هؤلاء القتلة. وانا أيضا مستعدة لمساعدتها إذا لزم الأمر.

- فعلا يا "ليليان" أنها تشبهك شعر أشقر وعيون زرق وسترينها قريبا بعد رجوعي من السفر.

بعد هذا المواقف وبالإضافة للمواقف السابقة التي جمعتنا، أصبحت "ليليان" هي المسيطر على كل المواقف. جراءة وتأكد وإرادة قوية لم تقابلني طيلة معرفتي بالنساء. اشعر أمامها بالضعف وقلة الحيلة. عجلة الريادة والقيادة، يبدو لي لم تعد في يدي، بعد علاقتي بها

أنجلى الموقف تماما بعد توضيحي. استمرينا في الاستماع للموسيقى في الصالون وأمامنا البار المحاط بطاولة نصف دائرية من الرخام الإيطالي البني اللون ومقاعد عالية من النيكل. جلست على واحد من الكراسي لتغيير أسطوانة ووضع آخر من حقيبة الفن للمطرب كرومه وتناولت من الثلاجة زجاجة بيرة بلزينر.

لحقتني محاسن وجلست في الكرسي اليميني وفاجأتني بطلب زجاجة بيرة. أسرعت لتلبية طلبها وصبيت لها البيرة في كوب من الكريستال البهيمي وسألتها. هل "ليليان" تريد أيضا؟ لكنها أكدت لي أنها لم تجرب أي شراب كحولي في حياتها ولا تحب إن تجرب. انضمت ليليان للجلوس على البار في يساري مكتفية بزجاجة العصير التي ظلت فترة طويلة في الطاولة أمامها.

- يا دكتور خالد أرجوك ألا تلوم الإسلام في موضوع ما ملكت أيمانكم. لم يكن الإسلام النظام الوحيد الذي عامل الأسرى كرقيق... هكذا كانت المسيحية واليهودية ... كلها قساوة

- تتفقي معي يا "ليليان" إن الأديان لم تأتي بالخلاص.

- مثلا ... هل البوذية لم تستعبد يا دكتور؟

قبل إن أرد عليها يرن التلفون وأسرعت وتناولت السماعة:

- الو

- "جستن" معك يا دكتور خالد. "ماجدولين" بحالة صحية سيئة جدا ... لم أرد إزعاجك لكن اتصلت بمايكل جير لأخطاره وعلمت انه في السجن، فلذلك أردت اختارك ولا اعرف ماذا اعمل وهي لا تعرف غير اللغة العربية وأخاف عليها من مضاعفات يمكن إن تأثر عليها وهي كما تعلم حامل وصوني خارج الشقة في زيارة لصديقة لها.

- سأكون عندك حالا وسأطلب الممرضة السريلانكية لترافقني أيضا. تقول إن مايكل مسجونّ؟ هل تعرف السبب؟

- لا اعرف السبب.

- معي ضيوف سأتركهم وسأصلك بالتاكسي حالا.

استمعت "ليليان" ومحاسن للحديث الذي دار بيني وبين "جستن" وأصرت "ليليان" لمعرفة المزيد من التفاصيل بل طلبت مرافقة الممرضة لإسعاف "ماجدولين". الموقف أصبح مربكا ولم أر أي مانع أن تلمس "ليليان" حقيقة "ماجدولين" بنفسها. وهذه فرصة.

تدخلت محاسن وطلبت مساعدنا بسيارتها. من جانبي اتصلت بالممرضة ولم أجدها. وقالت "ليليان"

- بما لدي من المعرفة القليلة من كتب الطب أريد المساعد.

خرجنا بسرعة وتركنا كل شيء بشقتي كما هو وفي اقل من عشرة دقائق وصلنا ألي شقة "جستن". عرفت "جستن" ب "ليليان" وهمست له " أنها حبيبتي الجديدة " بصوت لم تتمكن "ليليان" من سماعه، ووجدت انه يعرف محاسن من خلال حفلات السفارات. وطلبت منه ألا تعرف "ماجدولين" وهي في هذه الحالة، بوجود مايكل في الحبس.

أسرعت ومعي "ليليان" ألي الحجرة التي كانت فيها "ماجدولين". قامت "ليليان" بقياس حرارتها المرتفعة ووضعت مضمدات على جبينها ودخلت محاسن مشدوهة من حال "ماجدولين" لتساعد "ليليان" في عمل ما أمكن معا.

تشاورت مع "جستن" وقررنا الاتصال بالدكتور الخاص بالسفارة الهولندية بعد أخطار والده السفير، وفي اقل من نصف ساعة وصل الدكتور وقام بالكشف على "ماجدولين" وطمأننا أن الأمر ليس غير أعراض الحمل. ولتخفيف آلامها قام بحقنها في العضل وأعطاها أقراص مسكنة كانت في حقيبته. طلب الدكتور تسجيل اسمها وهويتها لكنني شرحت له ظروف "ماجدولين" الغير عادية وقمت من جانبي بكتابة شيك لتغطية أتعابه بدلا عن أرسال فاتورة للسفارة الهولندية.

بعد مقادرة الدكتور دخلت لحجرة "ماجدولين" وقد تغير وضعها تماما وكانت تتبادل الحديث مع "ليليان" ومحاسن وهي تبتسم. همست "ليليان" في ادني " الم اقل لك أنها تشبهني والله كأنها أختي الصغيرة" دخل علينا "جستن" يحمل القهوة والشاي وهو فرح لحالة "ماجدولين". فقامت "ماجدولين" من السرير وبدأت في صب القهوة ولكن منعتها محاسن وقامت بالنيابة عنها بما لزم. استأذنت "ماجدولين" ودخلت الحمام ورجعت بعد دقائق وقد صفت شعرها وأصلحت هندامها وبدت كملاك صغير بعيونها الزرقاء البريئة وبسمتها الطبيعية وبدون مكياج. جلست بجوار "ليليان" وقالت:

- أشكرك يا دكتور خالد وأشكركم جميعا للاهتمام بي وانا بخير والحمد لله.

- المهم سلامتك يا "ماجدولين" وأعرفك على الأخت محاسن من السودان وتعمل في بيروت و"ليليان" طالبة من السودان في جامعة بيروت.

- هلا فيكم ... ما كنت اعرف في السودان في ناس لونهم ابيض وكنت اعتقد "ليليان" لبنانيه من لون عيونها وشعرها.

- في السودان خليط من الألوان والبشر كما ترينا الآن.

تدخلت "ليليان" وشعرت أن "ماجدولين" ساذجة وغير متعلمه ولا تعرف أي شيء عن العالم. فقالت:

- سلامتك يا "ماجدولين" إذا مكنتنا الظروف فأنشاء الله نأخذك معانا السودان وتشوفي الناس هناك.

- ما فيش مانع يا "ليليان".... أنا اختصك الصغيرة والشبه بيني وبينك سبحان الله عجيب.

- من اليوم اعتبريني مسؤوله عنك وسأزورك يوميا لأطمئن على حالتك خاصة وان دكتور خالد سيسافر يوم الخميس في مهمه لمدة أسبوع. وعليه تأخر الوقت الآن وفي رعاية الله وعليك بأخذ الأقراص في وقتها كما أوصى الدكتور.

- شكرا لكم وانا بخير الآن وسأعمل بنصيحة الدكتور. ومع السلامة.

ودعنا "ماجدولين" و"جستن" .... وفي الطريق طلبت من محاسن و"ليليان" الاستمرار في مواصلة جلستنا بشقتي لكن ذكرتني محاسن بان بنتها تنتظرها عند مدرسة اللغة الإنجليزية. وأمام مدخل شقتي أوقفت سيارتها. دخلت شقتي وانا مرهق من عناء اليوم فخلدت للنوم بدون أن ابزل أي مجهود في ترتيب الشقة وتركت كل ذلك لام محمد.

يرن جرس التلفون فكانت "ليليان":

- هلو دكتور خالد

- أهلا "ليليان" أنشأ الله وصلتوا بالسلامة ... سامحوني أتعبتكم.

- ما فيش تعب ونحن ننضم لك لمساعدة أناس يحتاجون لنا ... ونقدم المستطاع.

- مسكينه "ماجدولين" ... أنا أحس بمعاناتها لأنها لم تر أمها منذ حملها ولا تستطيع الرجوع لضاحيتها ومن المؤكد انهم يبحثون عنها لقتلها.

- لا حول ولا قوة إلا بالله هذا ظلم .... أهكذا القانون هنا!!؟

- المصيبة الكبيرة مايكل صديقها يقضي فترة سجن في داخل القاعدة والسبب من المؤكد "ماجدولين" المسكينة.

- أريد تلفون صديقك "جستن" لأتمكن من الاتصال ب "ماجدولين" ومساعدتها بكل ما أستطيع.

- من فضلك لا تتعرضي في الحديث معها عن حبس مايكل ربما تصاب بصدمه وهي حامل... سأكون مشغول غدا بالتحضير للسفر.

- لا تغلق فانا ومحاسن سنأخذك يوم الخميس للمطار بواسطة سائق السفارة كما تقول محاسن. وسأخذ منك تلفون "جستن".

- من ضمن ما أريد عمله غدا مقابلة المحامي بكري الجعلي لاستشارته في بعض الأمور وسأتصل بك لاحقا. قدمي شكري لمحاسن. لك الشكر ونامي لان الوقت قد تأخر. مع السلامة.

- أنا متأسفه من إسالتي السخيفة واشعر الآن بالأحراج ... "ماجدولين" مسكينة وتستحق الشفقة. أمسي على خير.

- ما تأخذي في خاطرك ... ومع السلامة.

وضعت السماعة وغبت في نوم عميق أيقظني جرس الباب وكانت أم محمد قد حضرت لترتيب الشقة ولأخذ راتبها الشهري الذي تعودت تركه لها في ظرف على طاولة المطبخ في أخر كل شهر. رجعت لحجرة النوم وتركت لها الشقة لتقوم بترتيبها كما تعودت واخذ بقايا الأكل الغير تالف معها. بعد الانتهاء من عملها وهي على باب الشقة ندهت لها وأخبرتها عن سفري لمدة أسبوع لعمل في خارج لبنان ووضعت في يدها مرتب أسبوع إضافي. شكرتني بحراره وتمنت لي التوفيق وأخذت الأكياس التي جمعت فيها أطعمة من المطبخ والبراد وودعتني وخرجت.

موضوع مايكل و "ماجدولين" أصبح أمامي كصورة مدبلجة من خالد و"ليليان"، ولذلك خبر حبس مايكل يشغلني لأني أرى شخصي داخله وارى شخص "ليليان" في "ماجدولين" المسكينة. فقمت بالاتصالات اللازمة لمعرفة أسباب حبس مايكل ولو أنى اعلم مسبقا أنها "ماجدولين" وأقامتها في فندق المركز بالتخفي ودون علم المسؤولين. وفعلا الكاميرات أثبتت تخفي "ماجدولين" مع مايكل وحين اعتقاله كان من المعتقد وجود "ماجدولين" معه ولكن لحسن حظه لم تكن، مما خفف عقوبته لحبس شهر واحد بدأ في اليوم الثاني من زيارتي للمركز، الذي أخذت فيه "ماجدولين" معي خوفا عليه من العقوبة.

شعرت ببعض الارتياح لمعرفة الحقيقة وفورا اتصلت بصديقي "جستن" وأخبرته بما علمت عن مايكل وأكدت عليه للمرة الثانية عدم أخطار "ماجدولين". قبل إنهاء المكالمة معه طلبت الحديث مع "ماجدولين" واطمأننت عليها وشعرت من صوتها بانها بخير وعافية وطمأنتها على مايكل وبانه في ظرف خاص لا يمكنه مكالمتها. أوعدتها خيرا بعد رجوعي من السفر سنتقابل كلنا في شقتي وعليها باتباع تعليمات الطبيب.

بعد ذلك اتصلت بالمحامي بكري الجعلي واستشرته:

- صباح الخير يا أستاذ بكري ... أي جواز يمكنني استعماله في السفر!

- سافر بالجواز السوداني لكن الجواز الأمريكي لا يحتاج ألي فيزه. وبكره سوف أكون أمام النيابة في موضوعك. على فكره هل تتذكر السائق الفلسطيني الذي دعم سيارتك؟

- أكيد وحتى اسمه "أبو إياد".

- هذا مهم جدا لأني سأطلبه كشاهد في القضية. لقد قمت بتحرياتي اللازمة في قضيتك وعلمت، أن السائق في السجن منذ تاريخ الحادث لان السيد المحترم "توني فنار" البسه قضية الإهمال ودعم سيارته الفارهة والقضية هي "الإهمال واستعمال السيارة في مشاويره الخاصة". قام مكتب توني القانوني بكل ذلك لأبعاده عن قضيتك التي أودعها لدى النيابة. كل هذا هين لكن كما ذكرت لك لمثل هذا النوع من رجال الأعمال مليشيات وشبيحه يأتمرون بأمرهم لتصفية أي خلاف بينهم وبين شخص آخر، فعليك بالحذر يا دكتور ... تقديري لتسوية القضية نصف مليون إسترليني لكونك تحمل الجواز الأمريكي وأنت تعرف كلمة نيقر لأي زنجي أمريكي داخل الولايات المتحدة معناها السجن الطويل ولا تقبل التسوية.

- هل تعتقد، السائق سيشهد ويقول الحقيقة !!!؟.

- أكيد انه لا يخاف من قول الحقيقة خاصة، السيد توني قام بالخطأ الفادح معتقدا أن القصة مضمونه بالنسبة له وأبعاد السائق وتلفيق قضية له كأسرع طريق لأثبات الاتهام.

- ألا تعتقد أن نصف مليون مبلغ كبير ممكن أن يطول القضية بينك وبين محامي هذا الخنزير؟

- يا دكتور دي لعبتنا ... هل أنت تعرف هذا المفتري توني يجلس على ثروة قوامها ثلاثون مليون إسترليني؟ نصف مليون، لا شيء بالنسبة له إذا علم بانه يواجه شخص في قامتك العلمية وتحمل الجواز الأمريكي. له استثمارات واسعة في فلوريدا وكاليفورنيا وهو يخاف عليها. يا دكتور إذا لا تريد الفلوس فنحن المحامون نحبها حبا جما " وضحك ضحكة طويلة " واسترسل ... في قضيتك هذه والله لا أريد غير أتعاب المكتب وهي عشرون المئة.

- شكرا سيد بكري ونشوف ماذا سيحصل وانا إذا نجحت القضية لي باب فاتح لصرف هذا المال على أهل جدتي رحمها الله.

- أنا كلمت سائق سيارتي "إسحاق" ليختار لك سائق مناسب ويكون أيضا حارسا مسلحا لتغطيتك في هذه الظروف.

- سيارتي صغيره جدا لا تسمح بوجود سائق.

- خلي الموضوع وانا سأقوم بما لزم .... أي نوع تفضل من السيارات؟

- طبعا المرسيدس.

- تمام سيتصل مكتبي بوكيل المرسيدس ... وستجد سيارتك الجديدة والسائق في انتظارك في المطار. أي لون تفضل يا دكتور؟

- يا سيد بكري لا لزوم لكل هذا. دعنا نرى ما بعد القضية. اللون المفضل بالنسبة لي هو نفس لون سيارتي الحالية الأحمر الداكن.

- يا دكتور وجودك في بيروت بعد يوم الخميس مراهنة حياة أو موت وانا المسؤول ... وإذا أردت أشراك خطيبتك "ليليان" أثناء غيابك فلا مانع أن تذهب معي للوكالة لاختيار السيارة المناسبة.

- لا يا أستاذ بكري ... "ليليان" لا تعرف عن هذا الموضوع أي شيء ولا السيدة محاسن وليليان ليست خطيبتي كما تعتقد ولا نزال في مرحلة التعارف والله اعلم ماذا يخبئ القدر لها ولي.

- أمرك يا دكتور ... فلا تهول موضوع السيارة. الأسعار مهولة ولأقساط طويلة الأمد خمسه سنين أو أكثر. وأفضل لك عربة بنفس مواصفات سيارتي. ضد الطلق الناري والألغام. والمقدم لا يزيد عن ألف إسترليني والأقساط لمدة خمسة سنوات بربحية 5% ... اتركني يا دكتور أتكفل بكل ما لزم لحين حضورك ... أفضال أبوك كثيرة علينا وهذه فرصة لردها. وعلى فكره أنا المستشار القانوني لتوكيل المرسيدس.

- شكرا أخي بكري .... وهو كذلك. الرجاء أرسال إسحاق لمنزلي الآن لأبعث معه شيك بألف إسترليني لحين حضوري.

- يستحيل أن ترسل أي شيء ... تكفيني موافقتك وشكرا.

- أخجلتني يا بكري أرجوك أرسال إسحاق...

- سأرسل لك إسحاق غدا لتوصيلك للمطار.

- يا بكري أرجوك ... أيضا موضوع توصيلي للمطار محسوم مع محاس وليليان.

- اعلم ذلك ... وقد الغيت ترتيبات محاسن.... لان إسحاق بعد توصيلك سيرجع للحضور معي للمحكمة.

- كتر الله خيرك يا بكري والله أتعبتك. مع السلامة.

وضعت السماعة وبدأت أفكر فيما قاله المحامي بكري الجعلي ... المصائب تتوالى على وافهم من بكري قصة "توني فنار" ليست بالموضوع السهل ... وكيف لو أنكر السائق كل ما يبني عليه بكري!؟ وعلى تغيير ملفي الشخصي بالجامعة بعد حصولي على الجواز الأمريكي وكذلك رخصة السواقة. كل هذا هين لكن ماذا لو عرفت "ليليان" وهي التي تنتظرني لا درسها رأس المال لكارل ماركس وإذا بي أصبح مواطن أمريكي، بلاد الرأس ماليه. يرن جرس التلفون:

- الو "ليليان" كيف أصبحت؟

- بخير ولكن اشعر بالشفقة نحو "ماجدولين" هل اتصلت لتعرف حالها اليوم؟

- نعم اتصلت وهي بخير وبتسلم عليك.

- ارجو الا تنس إعطائي تلفون "جستن" لأتمكن من الحديث مع "ماجدولين"

- لازم نتقابل قبل سفري.

- محاسن أخبرتني أن سائق بكري سيقوم بتوصيلك للمطار.

- نعم ... وسامر على شقة محاسن لوداعك وتسليمك تلفون "جستن".

- ألي اللقاء ومع السلامة يا دكتور.

وصل سائق بكري وحرسه الخاص في مواعيده الساعة العاشرة صباحاً. اخذ حقائبي من الشقة وتوجهنا معا ألي منزل محاسن. لم يكلفني بالوصف لأنه كان يعرف الطريق جيداً. تركته أمام العمارة وصعدت ألي شقة محاسن رقم 39 ب. استقبلتني "ليليان" بالترحاب:

- يا صباح الخير.

- مرحب يا دكتور ... تفضل.

دخلت لحجرة الاستقبال وقدمت لي "ليليان" كوبا من الشكلاء الساخنة وقالت:

- محاسن ذهبت مع بنتها للمدرسة كالعادة وبعد ذلك للسفارة.

- سلمي عليها واشكريها على خدماتها ... "ليليان" أريد ترك مفتاح شقتي عندك وأيضا مفتاح العربية التي تركتها للتصليح. وهذا تلفون "جستن".

- شكرا على الثقة لكن دي مسؤولية كبيره على.

- المقدر غير معروف .... ممكن الطائرة تتحطم.

تقدمت "ليليان" نحوي خطوتين وأمسكت بالكرافات وقالت:

- فأل الله ولا فألك يا دكتور تصل بالسلامة ... نفس الكرفته التي رايتها عليك منذ تعارفنا الأول في مطار الخرطوم.

- فعلا ... مجرد صدفه وهي الكرفته المفضلة عندي دائماً.

وقفت واقتربت من "ليليان" وهي ممسكة بالكرفته وضغطت كفها الناعم ووضعتها على صدري. مالت بقوامها اللدن نحوي فحضنتها بلطف وحذر حتى لامس صدرها بخجل قامتي العملاقة كأنها طفل يحتمي بابيه. أفاقت بعد ثواني وقاومت بالتراجع ألي الخلف فأخليت سبيلها. لم أفق بعد من نشوة العناق الذي شعرت فيه بالحميمية والأمان والصدق. "ليليان" لم تكن رقما عاديا يمر بحياتي المترفة بالحسان والجاه.

لم اطل الانتظار أمامها خوفا أن تظن إنني استخف بشخصها، خاصة أنها كانت لوحدها في الشقة. أخرجت دفتر شيكاتي ومعه خمسة ألف إسترليني نصف ما تحصلت عليه من السفارة واحتفظت بالباقي للرحلة. طلبت منها إيداع المبلغ في البنك والاحتفاظ بدفتر الشيكات لحين رجوعي. تضايقت من طلبي لكنها اقتنعت أن تقوم بخدمتي كما أشعرتها دائما إنني في خدمتها. ودعتها بقبلة خفيفة على جبينها ونحن في باب الشقة.

قالت:

- الرجاء الاتصال بمجرد وصولك وتتبعك السلامة.

- أكيد وسلمك الله يا "ليليان".

- مساعدة "ماجدولين" مهمه ولو احتاجت ألي أي فلوس أرجو التصرف في المبلغ المتروك في عهدتك.

- سأتصل بها الآن ولا تهتم فأنها أختي الصغيرة.

- مع السلامة والي اللقاء.

تابع ....5

_____

أسرعت ألي السيارة. ولولا مهارة إسحاق، لتأخرت عن الوصول في المواعيد. في الطريق أوضح لي إسحاق:

- وجدت السائق المناسب لك. هو ابن عمى. كان يعمل في القوات المسلحة، لكنه وفر بعد انسحاب القوات البريطانية من السودان. عمل في القاهرة. لكنه فضل الحضور هنا ليكون معي.

شكرته على مجهوده وأوعدته خيرا بعد رجوعي.

في اقل من ساعة، كنت داخل طائرة الشرق الأوسط. معي في الدرجة الأولي بعض الشيوخ وعوائلهم وبعض رجال الأعمال. بعد إقلاع الطائرة بدأ تقديم المرطبات والشاي والقهوة انشغلت بقراءة جريدة التايمز اللندنية. بالجانب المحاذي لي التفت ألي رجل يلبس بدلة رمادية وخاطبني بإنجليزية مكسرة:

- عفوا ... هل سيدتكم من الولايات المتحدة؟

- لا أنا من السودان.

فغير لغته للعربية، وخاطبني:

- يا هلا ... متأسف ومرحبا بك. أقدم نفسي أنا الشيخ عبد الله الشمهري مسؤول البلدية. تاجر عقار ووكيل شركات عالمية.

- مرحبا ... الدكتور خالد الناير أستاذ رياضيات بالجامعة الأمريكية ببيروت ... سعيد بالتعرف عليك.

- والنعم يا أخي والله السودانيين لا يوجد مثلهم في الأمانة والشهامة وانا شخصيا درست على أيادي أساتذة سودانيين بارك الله فيهم.

- شكرا أخي عبد الله على هذه الشهادة الجميلة.

- أريد منك يا دكتور تساعدني في إيجاد مدير سوداني لمكتبي في بيروت ... تعبت من اللبنانيين والفلسطينيين.

- لا أعدك الآن ... ولكن هذه بطاقة عملي ونكون على اتصال.

- مشكور وهذه بطاقة عملي وأرجو نتقابل قبل رجوعك لبيروت.... أين تقيم يا دكتور.

- في فندق الهلتون.

أعلن الكابتن وصول الطائرة. جلس كل على مقعدة وربط الحزام. هبطت الطائرة وانشغل الجميع بتنزيل الحقائب، وأكياس المشتريات من رفوف الطائرة. لازمت الشيخ عبد الله الشمهري، حتى منطقة الجوازات. وافترقنا وتقابلنا مرة أخري عند مكان استلام الحقائب. تذكرت صديقي المحامي بكري الجعلي. ربما يكون أقدر مني في إيجاد الشخص المناسب لمكتب الشمهري في بيروت. وطرحت الفكرة عليه بسرعة حتى ظهرت الحقائب. فرح لاهتمامي وقال:

- أريد مدير سوداني باي طريقة.

- انشاء الله.

قبل مقادرته المطار، اقترح الشيخ توصلي ألى الفندق. كان في انتظاره سائقه الخاص السوداني الذي قابله داخل صالة وصول الركاب. شكرته وأوضحت له شخص ما، سيقابلني من الجامعة.

رأيت لافتة تحمل اسمي واتجهت ألى الشخص وكان من الأساتذة السودانيين. تعانقنا بالطريقة السودانية وقدم نفسه:

- مرحب دكتور خالد ... دكتور قاسم الجرافي.

- شكرا على استقبالك... وكيف أحوالكم مع هؤلاء القوم.

- الحمد لله بلد حار في كل المواسم ... وانا حضرت من جامعة ملامو ويمكنك تخيل فارق درجة الحرارة.

- الله يكون في عونكم.

ركبت مع دكتور قاسم سيارته وتوجهنا ألى الهلتون. شرح لي أن عميد الجامعة سيقيم حفل عشاء لاستقبالي مساء الغد، أما هو سيحضر مساء اليوم مع زوجته السويدية ليرافقني لمطعم داخل المدينة.

بعد ذهاب دكتور قاسم، الذي رافقني، حتى حجرتي في الفندق. أول ما قمت به الاتصال ب "ليليان":

- الو "ليليان"

- أهلا دكتور الحمد لله على السلامة ... كيف الجو عندكم.

- نار الله الموقدة ... برنامجي يبدأ غدا.

- بعد سفرك صباح اليوم. اتصلت ب "جستن". عرفت منه أن "ماجدولين" نقلت للمستشفى. وانا في انتظار محاسن لنذهب سويا لزيارتها.

- الم يوضح "جستن" سبب نقلها للمستشفى؟

- لا ... حقيقة لم اسأله.

- على أي حال، لا تضعي الفلوس التي تركتها معك، في البنك وأرجو دفع كل تكاليف علاج "ماجدولين" نيابة عني. أتمنى إلا يكتشف أهلها بوجودها في المستشفى.

- المهم سأوفيك بكل المستجدات بعد زيارتي.

- شكرا "ليليان". انا متأسف على إدخالك معي في مثل هذه المشاكل.

- لا تهتم حبيبي ... افتخر بشهامتك ومروءتك النادرة في هذه الأيام... سأقوم بما لزم نحو "ماجدولين" حتى حضورك.

- شكرا وسلامي لمحاسن. سأتصل ب "جستن" لمعرفة التفاصيل منه.

- مع السلامة يا دكتور وخد بالك من نفسك.

وضعت السماعة. وكدت أن أطير من الفرح عند سماعي من "ليليان" كلمة "حبيبي". بجانب قلقي على "ماجدولين" المسكينة. أدرت قرص التلفون لمعرفة المزيد عن "ماجدولين" من "جستن" ولم أجده. اتصلت في فترات متعددة، وبعد ثلاثة ساعات وجدت صوني الأمهرية:

- الو

- صوني معاك يا دكتور ... عرفت أنك قد سافرت ... كيف حالك؟

- بخير ... كلميني ماذا حصل ل "ماجدولين".

- أصيبت "ماجدولين" بنزيف. قمت مع "جستن" بأخذها للمستشفى الجامعي. وتركتها قبل ساعتين بعد استقرار حالتها.

- أي تكاليف مالية ستقوم "ليليان" بدفعها نيابة عني.

- يا دكتور نسيت أن أبارك لك "ليليان" والله منتهى الجمال والروعة والشهامة ... لكن جسمها اقل مني بكثير ولا أيه رأيك و "ضحكت"... لم تكلمني عنها ومتى تعرفت عليها. قابلتها للمرة الثانية قبل ساعتين تقريبا، في المستشفى الجامعي ومعها محاسن حبيبتي. وعرفت من محاسن ما يدور بينك وبين "ليليان". ألف مبروك. المرة الأولي كانت في مقابلة اتحاد الطلاب ولفتت انتباهي عيونها الزرق وتدعي أنها من السودان. مش ممكن. لازم أسافر السودان وارى بنفسي هل أنتم أحباش كما يؤكد التاريخ أم يهود!!؟ هل يعقل ان تكون أنت سوداني و"ليليان" سودانية!!؟... عليه "جستن" على الباب يريد مكالمتك.

- هاي دكتور ... "ماجدولين" ستكون بخير قبل رجوعك من السفر. بطريقة ما تمكنت من محادثة مايكل جيير وعرفت منه انه لا يزال في الحبس، ولكنه شرح موقفه الإنساني من صديقته "ماجدولين" لهيئة المحكمة العسكرية. وطلب السماح له بالزواج منها. وأرسالها لأمريكية لتضع مولوده في أتلانتا جورجيا مقر عائلته. ويشعر بان مدة حبسه ستكون أقصر. طمأنته على حالة "ماجدولين". وهو متلهف لرؤيتها. كيف حالك أنت؟

- بخير ولك الشكر على كل ما قمت به نحو "ماجدولين" ومايكل. وضحت لصوني أن تكاليف العلاج ستقوم "ليليان" بدفعها نيابة عنى. أرجو تسليمها فواتير المستشفى.

- حسنا ... لا تهتم، فانا قمت بدفعها. فلا توجد أي التزامات مالية لاحقة. خاصة، صوني هي الدكتورة المباشرة لرعاية "ماجدولين". المهم أن تقضي مهمتك ونراك الأسبوع القادم.

- ألف شكر ... احتفظ بالفواتير لحين رجوعي. مع السلامة.

وضعت السماعة. بعد الاستحمام نزلت ألي بهو الفندق المصمم بالزخارف العربية. العمال والعاملات معظمهم من الهنود. تصفحت بعض الصحف وتقدمت شابة تميل ألي السمرة تعمل في الفندق. صبت لي فنجانا من القهوة العربية. من ملامحها يبدو أنها حبشية. قوام مفصل على لبستها الفندقية الأنيقة. ذكرتني بصوني نفس الملامح والتقاطيع وكأنها شقيقتها. كانت ترغبني عن بعد وهي تحمل إبريق القهوة. أسرعت لتصب لي الفنجان الثاني شكرتها ومددت لها خمسة جنيه إسترليني في شكل بكشيش لكنها رفضت رفضا باتا وأشعرتني بالحرج.

تركت البهو ورجعت لحجرتي. غبت في نوم عميق لمدة ساعتين. فقت على جرس التلفون من دكتور قاسم، الذي ينتظرني مع زوجته السويدية في البهو. جهزت نفسي بسرعة ونزلت لاستقبالهما. أصريت عليهما أن نشرب سويا بعض المرطبات أو البيرة قبل التوجه لمطعم السمك المتفق عليه.

تناول كل منا قنينة من البيرة الهولندية. انطلقنا بسيارة الدكتور قاسم، حيث كان في انتظارنا بقية الأساتذة السودانيين العاملين في الجامعة. دكتور خوجلي ودكتور الوليد. بعد التعارف بدانا عشاء السمك ومناقشة السياسة السودانية. وتكوين الحكومة وصراع الأنصار مع الأشقاء.

رجعت مع دكتور قاسم ألي الفندق. على أن نلتقي غدا في الدعوة المقدمة من عميد الجامعة. قضيت كل اليوم في الفندق منكبا على مراجعة المقترحات. التي صغتها في كتيب عبارة عن الخطوات اللازمة لافتتاح شعبة الرياضيات في الجامعة.

في السابعة مساء جاء السائق الهندي. بالسيارة التي خصصتها الجامعة لخدمتي أثناء زيارتي. أوصلني السائق لصالة في فندق شرتون. أعدت لدعوة العشاء المقدمة من مدير الجامعة.

رحب بي في المدخل مدير الجامعة، رجل اسمر اللون يبدو في الخمسين من العمر، متواضع لا يتكلم كثيرا يلبس القطرة والعقال. معه بعض الأساتذة. بينهم الثلاثة سودانيين وثلاثة أوربيين مع زوجاتهم وفلسطيني ومصري.

كان مقعدي جوار المدير. بينما تجمع الضيوف في مجموعات تلقائية يتكلمون في شتى المواضيع أهمها الطقس ودرجات الحرارة. دكتور قاسم جلس بالجانب الآخر للمدير وعلى يمينه زوجته الدكتورة السويدية كرستين. هي أيضا تعمل في شعبة الكمياء قسم الطالبات. تتكلم العربية المكسرة. لكنها دائما ما تُوصل رسالتها بوضوح.

صمت الجميع، عندما بدأ المدير يتكلم بلغ إنجليزية رصينة:

- نرحب بالدكتور خالد الناير من السودان إذ يشرفنا للمساعدة بخبرته في أنشاء شعبة الرياضيات في جامعتنا. الدكتور خالد تخرج بمرتبة الشرف من جامعة الخرطوم وحصل على الماجستير والدكتوراه في جامعة درم بالمملكة المتحدة. عمل كدكتور زائر في جامعة ميونخ بألمانيا الاتحادية وجامعة وارسو بجمهورية بولندا الاشتراكية ثم عمل أستاذا بجامعة الخرطوم والان يعمل مديرا لشعبة الرياضيات بالجامعة الأمريكية ببيروت. له عدة بحوث نشرت في مجلات علمية. رحبوا معي بالدكتور خالد. في هذه الليلة، قصدنا التعارف فقط مع الدكتور خالد. ولنترك الكلام عن مشروعنا للغد. وشكرا.

عقبت على حديث المدير وقلت:

- اشكر السيد المدير الدكتور إبراهيم فيروز لاستضافتي. وأشكركم جميعا لحسن استقبالي.

المجال للتعارف مع الجميع، وبدأ الأكل نظام البوفيه. كل يحمل طبقه بنفسه ويتجول حول المعروضات الشهية من فواكه البحر الخليجية. حولي دكتور قاسم ودكتور خوجلي ودكتور الوليد. انشغلنا مرة أخرى بأخبار السودان وتجارب الحياة في الخليج وتجاربي في لبنان. دكتور قاسم كان نجم النقاش لما له من نوادر مضحكة. زوجته تلتصق به في أي خطوة يخطوها. قال وهو يضحك:

- هذه الخواجية جلبت لي فضول أهل البلد بلونها الأبيض وشعرها الأشقر وعيونها الخضراء. في يوم من الأيام، في سوق شعبي استوقفني رجل مسن اسود اللون. من أهل البلد وقال لي:

- كيف زوجوك هذه البيضاء وأنت اسود !!؟.

كان ردي

- عندما قامت الثورة المهدية وهزم المهدي الأتراك. قام خليفته عبد الله التعايشي رضى الله عنه بغزو بريطانيا العظمى والسويد. من هناك بعد إدخالهم الإسلام قسمت الغنائم من سلاح وحصين وبهائم ونساء. وكان جدي الله يرحمه من الصحابة الذين خاضوا المعارك بسيوفهم وجيادهم. جلب لنا كمية من هذا النوع الأشقر، وأصبحن مما ملكت أيماننا. كان لجدي عشرين من الجواري السويديات، وخمسة من البريطانيات. وانا ورثت من جدي. هذه واحده مما ملكت إيماني والبقية في السودان.

فكان رد المسن:

- "طال عمرك أنا أبي أسافر السودان واشتري عشره من جدك"

-

فقلت له:

- جهز جوازك لكن الدفع مقدم.

ضحكنا جميعا. كما ضحكت كرستين. وهي تحفظ القصة عن ظهر قلب وأضافت:

- وحتى بنات الجامعة يسألنني "كيف تتزوجي هذا العبد الأسود" فقلت لهن نفس السيرة. عندما فتح السويديون السودان، كان دكتور قاسم واحد من عبيدي العشرة. وما ملكت إيماني. أشياء لا اصدقها فلا طريق إلا المزح.

رغبة مني في التعرف على الجميع تركت إخوتي السودانيين، وتفرغت لحديث مع الخواجات الذين تجمعوا حول المدير. وكل واحد منهم ممسك بزوجته بكل أدب واحترام. بادرتني زوجة أحد الخواجات وسألتني:

- ما هي انطباعاتك عند زيارتك لجامعة كراوف في بولندا؟ حقيقة أنا من أصل بولندي. هاجر والدي ألي النمسا. وتربيت ودرست فيها.

- الحقا الشعب البولندي من أميز الشعوب التي عرفتها. وأكرمها. نساء بولندا من أجمل نساء القارة الأوربية على الأطلاق. لا أدر لماذا؟

- البولنديات هجين جمع شرق وغرب وجنوب وشمال القارة الأوربية. لكنني اعتقد أن النساء العربيات، أجمل بكثير من الأوربيات فما هو رأيك.

- حقيقة أن الفتوحات الإسلامية في أسيا وأروبا وأفريقيا طيلة الحقب التاريخية ونظام السبي الإسلامي لأسرى الحروب من النساء وبما يسمى "ما ملكت أيمانهم"، حسن نسل الجزيرة العربية خاصة من أصول الفارسيات الاتي عُرفن من أمد التاريخ بالجمال والقوام.

في اللحظة التي بدأ فيها دكتور إبراهيم فيروز التعليق على ما قلته، أشار لي بيده أحد زوار المطعم. أقدم نحوي مسرعا بالترحاب. كان نفس الرجل الذي قابلته في الطائرة. رجل الأعمال الشيخ عبد الله الشمهري. سلم على من كانوا حولي. سلم بحرارة على دكتور إبراهيم فيروز بالاسم ما يدل انهما معارف. واستأذنهم الشيخ الشمهري وقال:

- أنا سعيد بمقابلتك يا دكتور إبراهيم استأذنك دقائق أن أكلم ضيفك دكتور خالد. على فكره كنت معه في نفس الطائرة القادمة من بيروت.

- تفضل ولازم تزورني في هذا الأسبوع في الجامعة.

- أنشاء الله.

أخذني الشمهري لطاولة في عمق المطعم بعيدة عن البوفيه وقدمني لسكرتيرته الخاصة الآنسة شرين التي تعمل في مكتبه ببيروت وقال:

- شرين للمرة الثانية من حسن الحظ أن أقابل دكتور خالد والذي أخبرتك عنه. ولا أريد أن اخذ من وقتك يا دكتور خالد. دكتور إبراهيم فيروز صديق قديم. يعرفني جيدا. شرين ستتصل بك غدا لتنظيم عشاء إذا يناسبك الوقت.

- سأعرف غدا كل البرنامج المعدة بواسطة الجامعة. في انتظار تلفون شرين وهذا تلفوني في فندق الهلتون.

- لك الشكر دكتور خالد ودعني أرجعك للمجموعة. اذكرك وصيتي في إيجاد مدير سوداني لمكتبي في بيروت.

ودعت شرين واستأذنت. تبعني الشمهري ألي حيث كنت. ورجع لطاولته في عمق المطعم. وهذه المرة جلست بجانب دكتور رزق المصري ودكتور فيصل من فلسطين وانضم لنا دكتور قاسم الجرافي وواصلنا الضحك في نكته قالها دكتور رزق

"ثلاثة خليجيين قال الأول: شفتوا البحر الأحمر هذا أنا اللي لونته وقال الثاني شفتوا البحر الميت أنا اللي قتلته وقال الثالث شفتوا المحيط الهندي هذا أنا كفيله"

ضحك الجميع، وأما أنا ضحكت من باب المجاملة لأنني لا اعرف المقصود من كلمة كفيل. لكن دكتور فيصل قام بشرحها لي.

الكفيل هو السيد والمكفول هو العامل الأجنبي. نفس قصة ما ملكت إيمانكم بصورة حديثة" وتبادلنا سويا النقاش السياسي. انتهت الحفلة وأرجعني السائق إلى الفندق.

بمجرد دخولي فجأت بوجود شرين في بهو الفندق تجلس لوحدها. سلمت عليها:

- الآنسة شرين أم شبيهتها السلام عليكم.

- مرحب دكتور خالد وصلت لتوي من المطعم ... تفضل.

- شكرا جزيلا

جلست على المقعد المقابل لها وتمعنت في وجهها المرهق وعيونها الماكرة الذكية. شابة في الثلاثينات، جمال متوسط جعل ملبسها الأنيق أغراء سافر في امرأة جسور لكنها لم تكن من الأستيل الذي يلفت نظري وقلت:

- هل أنت مقيمة بالفندق؟

- نعم منذ يوم أمس بعد حضوري مع الشيخ الشمهري من بيروت واعرف أنك كنت تجلس بجانبه وانا كنت في الدرجة السياحية.

- لماذا لم تخبريني وانا معكم في المطعم.

- عفوا كنت اعتقد أن الشيخ الشمهري قد أخبرك ربما انه لا يعرف لأني حضرت مع سائق هندي، أما هو فذهب بسيارته الخاصة لقصره.

- أهلا ... أتوقع تلفونك غدا حسب ما اتفقنا وسأعرف برنامجي غدا بعد أول اجتماع لي بالجامعة... هل تريدين أي نوع من الشراب.

- شكرا الوقت متأخر لكن سأتناول قدحا من القهوة العربية.

- حسنا سانده على الجرسون.

وفعلا أقبلت علينا نفس الأثيوبية بوجهها الهادئ الجميل وتقاسيم جسمها الامهري الشاب وقدمت قدحا لشرين ثم قدمت لي وشكرتها ورجعت ألي مكانها من خلف الكاو نتر وأحضرت لي مظروف تبين بعد فتحه مذكرة "الرجاء الاتصال من "ليليان" استأذنت من شرين وتوجهت للكا ونتر وطلبت "ليليان":

- الو "ليليان"

- حبيبي خالد كنت في اشد الحاجة لمكالمتك.

- أنا بخير والحمد لله ... خبريني كيف أنت وكيف حال "ماجدولين"؟

- أنا بخير والحمد لله و "ماجدولين" رحلتها معي في حجرتي.

- ماذا حصل؟ ... هل هي بخير خبريني يا "ليليان".

- اختلاف حصل بينها وبين صوني وقررت ترك شقة "جستن".

- أرجوك خزيها لشقتي لان محاسن تعمل في سفارة وأخاف عليها من المراقبة. ويمكنك الإقامة معها في الشقة لحين حضوري.

- سأناقش هذا الموضوع مع محاسن صباح الغد. وأيضا اتصلت بشركة التأمين بخصوص إصلاح سيارتك وعلمت منهم لا يتم إصلاحها إلا بعد تقرير الشرطة.

- حسنا اتركي موضوع السيارة لحين حضوري ولكن أتمنى أن ترحلي "ماجدولين" وتنتظري معها. سأخابرك صبح الغد.

- مع السلامة وخذ بالك من نفسك.

ودعت "ليليان" ورجعت ألي شرين واعتذرت لها واستأذنتها لأني يجب أن احضر بعض المواد لمقابلة أساتذة الجامعة. وانصرفت بعد تكرار اسفي مما جعل شرين تنصرف أيضا. تركتها واقفه على الكاو نتر وصعدت لجناحي وقمت بترتيب أوراقي والمقترحات التي أعددتها ليوم الغد وخلدت ألي النوم وانا استعرض شخصية شرين الغامضة وماذا يا ترى تريد مني وانا مثقل بالمصائب وتواتر الأحداث.

شعرت بأنني يجب أن ابتعد عنها وعن الشيخ الشمهري لأنني لا املك الوقت الكافي لمساعدة أي شخص وانا و"ليليان" على أعتاب علاقة من نوع مصيري. واحمل في ظهري مشاكل "ماجدولين" ومايكل جيير وقضية عضو البرلمان توني وإصلاح سيارتي. ومواصلة قصة جدتي التي نسيتها أصلا بين الصراع اليومي للأحداث.

في الصباح اتصلت ب "ليليان" وكنت سعيدا لأنها قبلت اقتراحي بترحيل "ماجدولين" لشقتي لكنها فضلت أن تظل في شقة محاسن. لم أصر عليها بل تقبلت قرارها. وأثناء محادثتي معها حضر دكتور قاسم استأذنت "ليليان" على موعد اتصال في المساء.

ذهبت مع قاسم للجامعة، وكان في استقبالي المدير ونفس الأساتذة الذين كانوا في حفل العشاء البارحة. بدأ برنامج العمل وقدمت للجميع مقترحاتي في ورقة عمل كانت باللغة الإنجليزية. شرحتها شرحا وافيا لمدة ساعة كاملة، وبعد ذلك بدأ الحوار.

انتهى اليوم الأول بنجاح وقادر الجميع مكتب مدير الجامعة. واخزني المسجل للمكتب الذي خصص لي أثناء فترة تواجدي. شكرت المسجل والسائق وجلست في مكتبي وظل معي دكتور قاسم نستطلع سويا أراء الأساتذة الذين حضروا الاجتماع. وأوضحت لقاسم بأنني سأوصي دكتور فيروز بوضعه كأول رئيس لشعبة الرياضيات. فكان رد دكتور قاسم سريع ومزيج من الجد والهزل:

- يا دكتور خالد أنت لا تعرف هذا الجزء من العالم العربي. مع شكري وتقديري لمقترحك فانا اعرف دكتور فيروز رجل في منتهى الطيبة لكن عقدته الزواج بامرأة لها صفة الحور كما ذكر ابن القيم في كتابه بستان الواعظين. "الحورية من شدة بياضها يرى مخ ساقها من وراء لحمها".

- لا افهم ما تقول. ما هي مشكلته؟

- يا حبيبي في جميع الدول العربية عقدة اللون والقبلية أكبر من عقدة الجهل.

- ماذا تقصد؟

- قبل رجوع الدكتور فيروز من أمريكا حاول أن يتزوج بأمريكية، له ابنة منها لكن السلطات رفضت طلبه. وبعد رجوعه حاول الزواج محليا ولم ينجح. السبب يقال إن امه أفريقية، بمعنى أنها خادم وبمعنى إسلامي خالص هي مما ملكت أيمانهم بالرغم أن والده من أعيان البلد علمه أحسن تعليم وهو انجح ابن له من العشرين الذين رفضوا التعليم وعملوا بالتجارة كوالدهم.

- لو عرفت مصيبة غيرك لهانت عليك مصيبتك. ما علينا يا دكتور قاسم.

- لعلمك دكتور رزق سيكون في منصب عميد شعبة الرياضيات والسبب أن أخته ستكون قريبا زوجة الدكتور فيروز.

- لا اصدق .... أهكذا الأمور حتى على المستوى الأكاديمي؟ دكتور رزق اقل منك بكثير في مستواه الأكاديمي. حسب علمي انه نال الدكتوراه من جامعة المنصورة الغير معترف بها أصلا في عالم الرياضيات. حسبنا الله. على أي حال في نهاية مهمتي سأقدم تقريري الرسمي لدكتور فيروز.

- أنا زاهد في أي منصب. أصلو كرستين حامل وتريد أن تضع عند أهلها في مالمو. بلاش وجع راس مع العرب. منصبي في جامعة مالمو لايزال شاغر.

- نشوف بعد أنهاء مهمتي. عندي تلفون مهم لصديق في بيروت. لا اعرف استعمال التلفون من هنا. خذ الكرت وساعدني من فضلك.

عندما اطلع دكتور قاسم على الكرت استغرب وسألني:

- هو بكري الجعلي لسع في بيروت؟ يا أخي انه زميلي من الكتاب حتى مدرسة وادي سيدنا الراجل دا لسع عايش؟

- انه صديق جديد تعرفت عليه قبل عشرة أيام وحقيقة لم اعرف انه من وادي سيدنا الثانوية أنا أيضا من وادي سيدنا دفعة الشاعر با زرعه والكاتب الطيب صالح. عالم صغير.

- لا انحنا بعدكم. هل زوجته السورية لا تزال معه؟

- والله لا اعرف أي شيء عن ذلك لكن قابلته في حفل عيد ميلاد طفله يبدو انه يعرف أمها وكانت معه بنته، ومن تقاطيعها تري المزيج العربي السوداني. لا اعرف غير انه نال الماجستير في القانون الدولي بجامعة دمشق.

- تفضل التلفون يرن.

كانت على التلفون سكرتيرة بكري الجعلي واعتذرت بان بكري لا يوجد حاليا بالمكتب. تركت عندها رسالة بأنني سأتصل في المساء.

دكتور قاسم بمرحه الذي عهدته فيه وروحه الصديقة، يبدو انه لا يكتم سرا. فلذلك حرصت أن استمع له أكثر من التحدث. وأثناء وجودنا معا في المكتب، دخلت دكتورة كرستين زوجته وأصرت أن أتغدى معهم في البيت اليوم. لم امانع كثيرا بعد ان حلف بكري بالطلاق وزوجته تضحك.

قادرنا الجامعة ألي بيت الدكتور قاسم، وفعلا قدمت كرستين بمساعدة خادمتها الهندية مأكولات شبه سودانية. ومشروب الكركدي والعرديب والقونقليس وهي تشرح لي فوائدها الكيماوية بحكم مهنتها وأنواع الفيتامينات الموجودة فيها. حكت لي كرستين أنها أرادت أن تستقر في السودان في قرية قاسم "قوز السيمت" لكن قاسم لم يوافق. كرستين تصر بعد الوضع في السويد، الرجوع ألي السودان. بينت لي أنها بقدر ما أحبت السودانيين لكنها كانت تتضايق من نعت أقارب قاسم لها بانها غير مختونة أي غلفاء وأنها حلبيه أو غجرية. وهم يعتبرون الجعلي إذا تزوج امرأة غير مختونة لم يتزوج بعد. يحبونني كثيرا لكن يريدون من قاسم الزواج من واحدة من أهله في الديم. وإذا سمع قاسم كلامهم سأقتله وضحكت.

كنت استمع واضحك مع قاسم. بعد ثرثرة مستمرة عرفت من قاسم أن بكري الجعلي تربطه صلة قرابة مع محاسن وكانوا دفعة واحدة في جامعة الخرطوم وان زوج محاسن طلقها لأسباب مجهولة ألي الآن. لكن في تقدري انه كان يشك في تصرفاتها خاصة عندما انتقل للعمل في بيروت.

كنت في اشد الاندهاش لكل هذا الكم من الأخبار الغريبة وسألت دكتور قاسم:

- كيف عرفت كل هذا!!!؟

- قبل سنتين كنت في الخرطوم وتم لقاء دفعتنا من جامعة الخرطوم وقابلت بكري ومحاسن والكثير من الأصدقاء. أيه رأيك لو اتصلنا ببكري الآن؟

- فكرة حلوه ولي موضوع هام معه ولا اعرف ماذا تم فيه.

للمرة الثانية ردت السكرتيرة بان بكري غير موجود. ولكن هذه المرة تركت لها تلفوني في الفندق ورقم الجناح الذي اسكن فيه. وشعرت أن الدكتورة كرستين تحتاج ألي راحة ويجب على الذهاب. كان في انتظاري السائق الهندي مع العربة المخصصة لي على باب فلة قاسم.

وصلت متعبا وصرفت السائق على أن يرجع في التاسعة تحسبا لأي ارتباط متوقع مع الشيخ الشمهري والذي أتمنى إلا يتم بعد دراستي الأولية لشخصية سكرتيرته شرين الغير مريحة. وفي طريقي للجناح سلمني مكتب استقبال الضيوف رسالتين، رسالة كتب عليه "اتصل بك الأستاذ بكري من بيروت الرقم 89046" ورسالة أخرى كتب عليها " دكتور خالد الرجاء الاتصال برقم 450 ".

اتصلت أولا ببكري وكان تلفون منزله:

- الو أستاذ بكري.

- يا راجل أولا مبروك وثانيا مبروك.

- خير يا أستاذ بكري.

- باختصار أولا موضوع النيابة كسبناه 100% وثانيا موضوع العربية المرسيديس ستكون بأذن الله في انتظارك بالمطار مع السائق.

- الفضل يرجع ليك يا أستاذ بكري.

- ستعرف ما تم في القضية لاحقا والفضل يرجع للجواز الأمريكي يا دكتور. المستشار القانوني لعضو البرلمان "توني فنار" الغير محترم حضر لمكتبي للتسوية ولكن رفضت. وخاصة أن سائق سيارة "توني فنار" ادلى بشهادة صادقة قلبت الموضوع راسا على عقب.

- طيب يا أستاذ بكري ما تنسى مكافأة السائق.

- طبعا ولا تخاف عليه.

- كيف أخبار بيروت.

- تمام وعرفت من محاسن موضوع "ماجدولين" وأنها الآن تسكن في شقتك.

- نعم مسكينه "ماجدولين" الله يكون في عونها. وأشكرك على المعلومات وبأذن الله سيكون رجوعي في المواعيد.

- خد بالك من نفسك ومع السلامة.

تمعنت في المذكرة الثانية " دكتور خالد الرجاء الاتصال برقم 450 " تعجبت لان هذا الرقم هو رقم الحجرة المقابلة لجناحي بالضبط. ترددت في البداية ولكن اتصلت:

- الو

- شرين معاك ... أهلا دكتور في انتظارك منذ ساعتين. كيف كان يومك؟

- الحمد لله تمام وكيف أخبارك.

- الشيخ الشمهري سافر في مهمه عاجلة وسيرجع مساء الغد، وطلب منى اختارك.

- خير سأعرف غدا برنامجي واتصل بك.

- هل لك ارتباط مساء اليوم.

- لا اعرف حتى الآن وربما.

- أيه رأيك أنا عندي ليك برنامج. دقيقة وسأكون عندك.

وضعت السماعة وأصابني ارتبك حلزوني شل تفكيري تماما. قبل انتهاء الدقيقة استدعيت كل خبراتي الطويلة في التعامل مع اللحظة القادمة وكيف أتصدى. طرق على الباب. فتحت الباب وإذا بشرين أمامي بروب الحمام. أصبحت أمام امر واقع وعلى التعامل بمهنية مع هذا النوع من النساء تحت مسمى "امرأة لليلة واحدة" وحصل أن تعاملت في المانيا وبولندا وفي بيروت نفسها مع هذا النوع. لكن أنا على وشك ارتباط جاد مع "ليليان" ارتباط اعتقل كل مشاعري واهتمامي ومستقبلي وفكري. ماذا افعل!!!؟. أمامي الآن شابة شبقة وانا فحل عملاق ولوحدي في جناح فخم في الهلتون فقلت.

- تفضلي مدام شرين.

- شكرا دكتور متأسفه لإزعاجك واعذرني وانا بهذا اللبس. عفوا فانا في طريقي ألي حوض السباحة الخاص بالسيدات. وحبيت أن أتأكد إنك تسكن جواري.

- حسنا أقدم لك مشروبا مثلجا !!! الجو ساخن.

- شكرا سأتناول شرابا في بار المسبح ... باي.

خرجت شرين وهي تشد الروب متعمدةً على إظهار مؤخرتها التي بدت بتضاريس مثيرة وقفلت الباب. تنفست الصعداء رغم أنى اعرف القادم أكبر. وشرعت فورا في تخطيط سريع لمجابة شرين المتوحشة. إذا رجعت بنفس الروب مبتلا سأطلب منها تغييره بالروب المعلق بجانب حوض الجكوزي. إذا طلبت شرابا سأقدم لها النبيذ الفرنسي لسرعة مفعوله. تمكنت من تنظيم نفسي عقلانيا استعدادا لهذه اللبوة الضارية.

قررت الاتصال ب "ليليان" قبل بداية السناريو المجهول القادم. يرن تلفون "ليليان" ولا مجيب. اتصلت بمحاسن أيضا لا مجيب. اتصلت بشقتي فردت على "ماجدولين" وشكرتني على اهتمامي وأنها بخير وتساعدها "ليليان" في الترجمة وبدأت في كورس لغة إنجليزية وعربية مع "ليليان" وقالت تفضل يا دكتور "ليليان" معاك:

- الو دكتور خالد منتهى الشوق كيف أحوالك يا حبيبي.

- الحمد لله الأمور بخير وأول يوم كان رائع.

- حسب طلبك أنا الآن أعيش في شقتك مع "ماجدولين".

- كم أنت رائعة يا "ليليان" ولك الشكر. اكتبي عندك هذا التلفون لام محمد واطلبي منها أي خدمه تلزمكما في الشقة.

- شكرا فعلا نحتاجها لان "ماجدولين" منشغلة بكورس العربي والإنجليزي ولا أريدها الانشغال باي شيء آخر. أنام معها في حجرة الضيوف فلقد أحضرت فرشة مؤقته لكنها مريحة. أمور الجامعة تمام.

- يا "ليليان" أرجوك استعمال غرفتي.

- لا بالله، اتركني كما أنا وخاصة "ماجدولين" تحتاج إلى رعاية.

- لا أصر والقرار قرارك.

- محاسن معانا وتغريك السلام.

- سلمى عليها واشكريها نيابة عني. ومع السلامة.

- مع السلامة وخد بالك يا حبيبي من نفسك.

سردت ل "ليليان" كل الأحداث بالتفاصيل ما عدا موضوع شرين. وأثناء محادثتي مع "ليليان" طرق على الباب وتجاهلته المرة الثانية والثالثة. عرفت انها شرين ولكن لم اهتم بها بقدر اهتمامي ب "ليليان". استمريت لنصف ساعة كامله ووضعت السماعة. يرن الجرس مباشرة بعد وضعي لسماعة التلفون. كان على التلفون خدمة عملاء الفندق وأخبرني أن السائق في انتظاري. شكرته وتكلمت مع السائق وطلبت منه الانصراف على أن يحضر صباح الغد الساعة التاسعة صباحا.

يرن التلفون:

- الو

- شرين

- متأسف لم افتح الباب لانشغالي بمحادثة خارجية هامة.

- عفوا أنا لم اطرق بابك وتوي رجعت من المسبح.

- لا اعرف لكن هنالك من طرق باب جناحي ثلاثة مرات.

- لا اعرف بالضبط ... إذا حبيت فانا في حجرتي أية رأيك في كاس وسكي؟

- والله محتاج أنام لان برنامجي مزدحم يوم الغد.

- بي راحتك يا دكتور.

وضعت سماعة التلفون ودخلت الحمام واغتسلت ولبست البجامة وجلست على مكتب جناحي لترتيب بعض الأوراق المهمة لاجتماع الغد بالجامعة. اسمع طرق خافت على الباب ترددت في فتحه ولكن فتحت الباب فاذا بي أمام فتاة من الحور العين لم تكن شرين. أطبقت على الدهشة فقلت:

- أهلا.

- ممكن أن ادخل؟

- تفضلي من أنت!!!!.

- أنا "جوليا " سمعت عنك من شرين فقلت أتعرف عليك.

- مرحبا بك ... هل أنا في حلم ولا علم.

- أنت معي يا دكتور... اعرف أن الوقت غير مناسب ولكن.

أجلستها في الصالون وقدمت لها مشروبا باردا وانا في حالة استنفار ورهبة من الموقف. أضع حسابا لكل شيء كعادتي. لا اتهور في المجهول لا اضع نفسي في مطبات. لي شعور أكيد أن في الأمر شيء. ماذا تكن "جوليا " وماذا تكن شرين!!!؟. أخاف أن أكون تحت المجهر أو طعمة على يد قحاب. شيء غير عادي يدور في هذا الفندق. تفحصت أركان الجناح إذا كانت هنالك كمرات مراقبة. الحذر رغم الإغواء الفاضح الذي هيمن على من هذه الحورية التي أراها أمامي.

اتصلت بشرين:

- هلو شرين ماذا تخططين ومن هذه الفتاة التي حضرت لجناحي؟

- يا دكتور ما كنت اعتقد أنك تجبن أمام النواعم ... سمعنا أنكم تحبون الاستئناس بالنساء البيض.

- ماذا تقصدين؟

- دقيقة وسأكون عندك.

وفعلا حضرت شرين وجلست بجانب "جوليا " وشرحت لي طبيعة عملها هو، استيراد السكرتيرات لزواج المتعة برجال الأعمال. أما هي فلقد تركت المسلك منذ أن صدمت قبل سنة في زواج رجل مخنس من هنا. فقلت لها:

- ما هو المطلوب منى الآن؟

- أنا أرسلت لك "جوليا " لأنها لم تجرب رجلا اسودا في حياتها.

- إذا هي التي طرقت على بابي قبل ساعة.

- نعم هي ... والان شوبيك لبيك جاريتك بين يديك. فتصرف ... أما أنا فأنسى.

الاستغراب والتعجب والأغراء والخوف والتردد اجتمعت كلها أمامي. وفقدت المنطق فانا في شرك لا فرار منه. جمال مثل "جوليا "، أموت في الوصول لها، في الأمر شيء. ويجب قطع الشك بليغين. كانت "جوليا " بملابس النوم من فوقها الروب. "جوليا " بفستان كأنها عروس على أبواب فارس أحلامها. فتحت البار وصبت كأسا من البلاك ليبل لنفسها وصبت كاسا من الانتكوري لشرين وقالت:

- ليس في الأمر شيء كما تعتقد يا دكتور. هذه مجرد صدفه أنا وصلت اليوم واسكن مع شرين لحين. إذا تضايقت منا فسنخرج فورا. الست جميلة أنا يا دكتور!!!؟

- لا لا شيء ولكن أنا ضيف هنا وأخاف سمعتي في بلد محافظ.

- أنت لا تعرف يا دكتور، ... بربي أنت المحافظ.

هنا تدخلت شرين وهي ترشف كأسها. وقالت:

- لا تضيع هذه الفرصة يا حبيبي فليس في الأمر شيء. هذه الوردة لم تجرب السود في حياتها أما أنا فجربتهم وعندما سمعت ما قلته أرادت أن تجرب بنفسها.

- ما هذا يا شرين إلا تستحين!!!.

- الاستحوا ماتوا على قول المثل المصري. وانا أقول ليكم مع السلامة واخذوا راحتكم.

خرجت شرين وتركتني منفردا مع حورية إذا رفضتها سيظلني الله يوم لا ظل إلا ظله كما ورد في الحديث الشريف.

ولا اعتقد أنى سأكون واحدا من هؤلاء السبعة. واذكر عندما دعتني ابنة مدير جامعة كراكوف في بولندا لنفسها، لبيت النداء طيلة إقامتي. فلماذا ارفض الآن!!!؟ أنا خائف.

وضعت تخطيط مكتمل لتلبية هذا النداء فقمت باستعمال معادلات الجبرة والتي تضع الاحتمالات.

وبما أن شرين تهندس كل ما يحصل الآن لغرض ما، أو بدون غرض، فلابد التأمين من شرها. فاذا أرسلت شرين إشارة لشخص وفتح الباب ووجدني في وضع مع "جوليا "، أصبحت مفضوحا وسأرجم في نصف السوق أمام الملأ في هذه البلد. فلابد من وجود شرين معنا هنا. معادلة بسيطة من الجبر وضعتها لتأمين نفسي.

اتصلت بشرين بحجة الدردشة. فقبلت الحضور ودخلت بنفس ملابسها السابقة. وقمت فورا بأحكام قفل الباب بعد أن وضعت ورقة التنبيه "أرجو عدم الإزعاج" قدمت لها المزيد من الشراب حتى انتعشت ورمت الروب وظلت بفستان النوم. ومن خلال الدردشة استنتجت بعض أسرارها ومهنتها الحقيقية. فهي تعمل تحت مسمى سكرتيرة لكنها تعمل كقوادة تستورد الحسان بتأشيرات إقامة مؤقته حسب طلب رجال الجاه والأعمال.

أحضرت "جوليا " أمس براتب مئة إسترليني في اليوم ولم تسلمها للزبون إلا بعد استلام عمولتها وهي ألف إسترليني. سألت نفسي لماذا تتمحور هذه القوادة حولي لابد أن في الأمر شيء. أنها خبيرة وقديرة في استدراج الرجال وإسقاطهم في الشباك وانا على وشك. المنطق لا يساعد كثيرا في مثل هذه الحالات المفاجئة.

الحورية "جوليا " دخلت حوض الجكوزي وهي عارية تماما ومعها الكأس الرابع من الويسكي. شعرت باشمئزاز مما سمعته من شرين وترات لي صورة "ليليان" و "ماجدولين" ومحاسن. ما هذا !!!!؟ .... رائحة الغواية والشهوة والشبق ملأت جناحي واراني لا أقاوم هذا الأغراء الماجن. ضميري يحاول الوقوف أمامي. وشهوتي تستبد على جسمي العملاق.

بدأت في إقناع نفسي، لماذا أفوت هذه الفرصة وانا لم أضاجع امرأة منذ تاريخ مقابلتي ل "ليليان". سته أشهر مدة قياسية خرجت عن المعدل بالنسبة لي. الآن الساعة الواحدة صباحا وانا معتصر بين كواعب وكأس. شربت كأسا واحدا فقط طيلة المشهد لأظل في وعي الكامل لخطورة ما يدور حولي.

شرين استأذنت ودخلت حجرة نومي واختفت بقميص نومها تحت اللحاف. غواية متوحشة سيطرت على المشهد وأصبح لا افرق بين "جوليا " وشرين أمامي. الأشياء تتحرك بسرعة وأصبحت الشهوة صاحبة الموقف. كيف أوقف نفسي من هذا السيل العارم الذي لا يقاوم. أصبحت أقرب للتجاوب مع غريزتي الهائجة، من تفكري العقلاني المعتدى عليه. تغيرت لمحامي يدافع عن الشهوة أمام محكمة في جريمة قامت الشهوة فيها بقتل العقل. استطعت أن اكسب القضية لصالح الشهوة.

بدأت كالثور الهائج بشرين وهي تصرخ باللذة والانتشاء. دام صراعي معها ساعة كاملة وانا مغيب بدون تفكير. تركتها بعد أن قالت “لا أستطيع ابتعد عني”. قمت من فوقها وقد خارت قواي وتوجهت للحمام وتبعتني. تركتها في الحمام وتوجهت للجكوزي وقلت ليكن ختامه مسك. وحملت "جوليا " في يديا وانا عملاق هائج وهي عارية كقطعة حلوي من عرائس المولد حان أكلها. وضعتها في بشكير كبير ونشفت جسمها الطري اللدن وصدرها البلوري. حملتها ألي نفس الحجرة ونفس السرير. وهي نصف ثملة تقول "أرجوك بشويش حبيبي بهدوء. أنا لا أزال صغيرة قليلة المراس". دخلت معها في توحش مهذب دام ساعة. قالت بعدها وقد أعادت قواها العقلية:

- صدقت شرين ... فهل أنتم بشر أم وحوش!!!؟

- احكمي بنفسك.

- من المؤكد وحوش ولن ادخل في مثل هذه التجربة بعد اليوم.

- هل اكتفيت!!!؟

- نعم ... نعم. ولا أمانع في المزيد دعني اغتسل أولا.

دخلت الحمام لتغتسل. في هذا الأثناء قمت بتفقد شرين ووجدتها نائمة في أريكة الصالون. رجعت لحجرة النوم ووجدت "جوليا " قد استعدت لجولة ثانية بعد أن أخذت دوش ساخن وهي ملتفة ببشكير صغير غطى صدرها فقط أما بقية جسمها ظل مستباحا لنظري عن قصد. لم أقاوم إغواؤها ودخلت في جولة هادئة غير متوحشة لمدة نصف ساعة سبحت معها في سماء اللذة والخطيئة.

لا أقول خطيئة ما دم الأمر بالتراضي وعمر "جوليا " فوق الثمانية عشرة سنه. حسب القوانين الأوربية التي أعيش بها في عقليتي حتى هنا. يا للهول لو لما السرية التي أحطت بها نفسي، إذا كُشف امري هنا، يحكم على بالرجم أمام الملأ حتى الموت.

حكمت محكمة ضميري فاني أجرمت في حق "ليليان" بالرغم من أنها ليست زوجتي أجرمت في حقها لأني أحببتها ومن المفروض أن احترم حبي لها. ما أقوم به في هذه الليلة الحمراء هي خيانة عظمى بمصطلح الحب. تخيلت أنها قامت بعد تعرفي عليها بنفس فعلتي الآن!!! من المؤكد سيجن جنوني. فلماذا!!؟. فهل نحن البشر تتعامل معنا الكمياء بهذا الأسلوب؟

كثيرا ما حدثني صديقي "جستن" خطيب "صني" الأمهرية وهو متخصص في كمياء البشر. حدثني عن هرمون "التيستوستيرون" وقال لي في حوار بيننا عن المقدرات الجنسية والحب قال " أطلق العلماء على هرمون "التيستوستيرون" لقب "صانع الرجال" كونه مسؤولاً عن الصوت الجهوري، وزيادة حجم العضلات، ونمو العظام التي تحدد جنس الذكور. كما أنه يساهم في خلق مشاعر العدوانية، وهو حيوي للشهوة الجنسية وللانتصاب الطبيعي والأداء الجنسي، وهو مسؤول، كذلك، عن إنتاج السائل المنوي. أما الحب، كلما شعرنا بالحب زادت كمية الأندروفين في المخ.

لي شعور قوي لا يمت له الشك، أن "ليليان" شعرت في نفس هذه الليلة بما قمت به من هجوم جنسي، استعملت فيه أسلحة أصبحت ملكا لها بعد حبي بكميات من إفرازات الأندروفين. المصيبة أن العلم كشف لنا مجهولات ما كان لنا أن نكتشفها. أريد أن اعترف ل "ليليان" بما فعلته لكن السؤال، هل "ليليان" تريد أن تعرف ما فعلته اليوم!!!؟، أم تظل فعلتي في ملفات المسكوت عليه!!!؟. أنا مبعثر من فعل "التيستوستيرون" ما قمت به مع "جوليا " وشرين كان لذة فعل مؤقت، بدا في الزوال في هذا الحين وبسرعة وليس "الأندروفين" صانع الحب.

الساعة السادسة صبحا ولا بد لي من جمع شتاتي وتحضير نفسي لاجتماع اليوم في الجامعة. طلبت من "جوليا " بارتداء ملابسها وأيقظت شرين من نومتها العميقة وقدمت لكل واحدة منهن فنجانا من القهوة وجلسنا جميعنا في الصالون وتذكرت "أعطوهن أجورهن" فهمست لشرين "لابد لي من مكافأة "جوليا " فقالت مئتين إسترليني تكفي فدسست في صدرها ثلاثمائة إسترليني. وأربعمائة إسترليني في صدر شرين وودعتهما على الباب بقبلات مصطنعة.

ضميري الذي نام عنى طيلة الفترة الماضية، أراه صاحيا يحاسبني بأجندة مجدولة لا أجد الوقت للإجابة عليها وانا في انتظار السائق بعد تناول الإفطار ليأخذني للمقابلة الثانية مع أساتذة الجامعة.

تم لقاء الأساتذة بمهنية كاملة. ما قمت به في الفندق انتهى هناك. لم يتبعني فلذلك كنت يغظ لأبعد الحدود، رغم الإرهاق العضلي وضخ الدورة الدموية في جسمي لقضاء المهمة في تلك الليلة الفاجرة. عند رجوعي لمكتبي من قاعة الاجتماعات بادرني دكتور قاسم وهو رجل لماح:

- أراك مرهقا يا دكتور أنشأ لله تكون نمت كويس.

- فعلا مرهق لكن خليها مستوره.

- أوعى يكون لموا فيك جماعة الفندق. بتذكر أول ما تعينت في الجامعة سكنت في جناح الهلتون ... وياما شفته.

- لا ما فيش حاجة مجرد إرهاق مؤقت ولازم ارجع الفندق حالا.

- اهو سواقك واقف جنب الباب. نشوفك بعدين.

- طيب نشوف ... مع السلامة.

توجهت للفندق وعلى السرير مباشرة، لم أفق إلا الساعة التاسعة على جرس تلفون من "ليليان":

- الو مساء الخير حبيبي

- مرحب "ليليان" كيف حالك؟

- صوتك تعبان أنت نائم ولا أيه؟

- لا ... أخدت غفوه أنا صاحي كيف أنت وكيف "ماجدولين"؟

- كل حاجه تمام ... "ماجدولين" عملت ليها الفحوص اللازمة وتكلمت مع مايكل جيير مساء الأمس وترجمت ل "ماجدولين" وعرفت انه مدة حبسه تخفضت لأسبوعين.

- أخبار حلوه وأنت عامله أيه مع البيت.

- أم محمد الشغالة ساعدتنا في عمل الأكل والغسيل والنظافة و "ماجدولين" جيده جدا في التعلم. تصدق أمس بالليل انزعجت فجأة وصحيت من النوم مخلوعه نامن صحيت "ماجدولين" وما نمته لحدي الصباح وشعرت انه حاجه حصلت ليك ... أنشأ الله ما فيش عوجه ... صوتك غريب بالله طمني عليك يا حبيبي.

- مجرد إرهاق ما فيش حاجة. المهم عندما ارجع بحكي ليك كل تفاصيل الرحلة.

- ترجع بالسلامة خلي بالك من نفسك بالله.

- أطماني يا "ليليان" وأظن أنا سأرجع بدري قبل نهاية الأسبوع.

- نشوفك بسرعه ... أحسن تنوم عشان ترتاح ومع السلامة.

- مع السلامة خلي بالك من نفسك يا "ليليان".

وضعت السماعة وعقدة الذنب تحيط بي من كل الاتجاهات. لعنت اليوم الذي عرفني بالشيخ الشمهري وسكرتيرته الشريرة شرين. وها هي فعلتي الشنيعة، شعرت بها "ليليان". يا لله ماذا افعل.

من المؤكد بجانب حواسنا الخمسة الأساسية (الإحساس، الرؤية، الشم، السمع والتذوق)، وكما يؤكد الباحثون على وجود هذه الحاسة السادسة والتي تعمل بدون الاعتماد على الحواس الفيزيائية الأخرى، بواسطتها يمكن الاتصال بين شخصين في مكانين منفصلين عن طريق "توارد الخواطر".

وبما أن هناك شفافية في بعض الناس مثل "ليليان"، يكتشفون من خلال الحاسة السادسة حقائق كلغة العيون ولغة الجسم، هو الاستشعار عن بعد بما يحدث لمن تحب، ومبادلة نفس المشاعر والأحاسيس". فلا يراودني الشك أن "ليليان" عرفت لحد ما ليلتي الشنيعة. شخصية "ليليان" منذ أن عرفتها أكدت لي أنها تملك الحاسة السادسة. هذا الشعور راودني طيلة معرفتي لها واشعر أنها هي التي تسيطر.

لم أنم بعد محادثتي مع "ليليان"، ظللت في حالة استنفار وشعور متذبذب وإصرار من ضميري أن أخبر "ليليان" بكل ما فعلته في تلك الليلة الدنيئة والا فان لها المقدرة لمعرفة ما حولي عاجلا أو اجلأ وتكتشف أنى كذاب أشر. ومن الجانب الأخر، إذا عرفت ستكون نهاية علاقتي الحميمة معها. فلابد لي من إيجاد معادلة رياضية لهذا الموضوع وللعلم أساليبه ومقدرته في إيجاد الحلول.

فجأة تلفون من مكتب الاستقبال ... هنا من يريد التحدث معك يا دكتور خالد:

- أنا محمد خميس سائق الشيخ الشمهري. في الحقيقة أرسلني الشيخ عشان أوصلك لقصره وهو منتظرك.

- شكرا يا محمد أنا ما بقدر لأنه عندي ارتباط.

- طيب أنا بكلم الشيخ ومتأسف لإزعاجك. ومع السلامة يا دكتور.

وضعت السماعة. يراودني شعور أن الشيخ سوف لا يتركني لحالي، وفعلا يرن التلفون. الشيخ الشمهري يكلمني بنفسه، ويكرر إصراره ويلح. بعد ضغط قبلت دعوته وغيرت ملابسي ونزلت مع السائق محمد إلى قصر الشمهري الذي يبعد خمسة وأربعين دقيقة من وسط البلد.

طيلة الطريق حكى لي السائق محمد بحكم انه يعتبر نفسه سودانيا مثلي وبانه في خدمة الشيخ أكثر من ثلاثين سنه وهو ابن أحد أرقاء الشيخ قالها بوضوح توجعت كثيرا حين قال "أبي كان أحد عبيد الشيخ" الذين عملوا في اصطياد اللؤلؤ الخليجي في الأربعينات في داوات أو المراكب الشراعية التابعة لوالد الشيخ، حكى لي عن حفلات الشيخ الشبه يومية وما يدور فيها من غناء وطرب وشراب ونساء من كل الجنسيات العربية والأوربية.

كنت استمع لمحمد بتمعن لأني استشفيت من كلام شرين ما أكده لي محمد. وصلنا القصر المبني على صخرة تطل مباشرة على مياه البحر الزرقاء النقية. عند وصولنا كان في استقبالي عند باب القصر الشيخ نفسه ونفر من أصدقائه الشباب. رحبوا بي جميعهم ويرددون كلمة أتفضل يا دكتور والنعم شرفتنا يا دكتور.

سرنا في ممشى محاط بالورود والأشجار النادرة لمدة دقيقتين حتى وصلنا ألي حوض السباحة الكبير المحاط بالأنوار الخافتة التي تنعكس أشعتها على حجارة المرمر البيضاء التي تحيط به. المسبح نفسه يعج بمختلف الحسناوات بملابس البكيني التي لا تستر إلا قليلا. الشيخ وأصدقاءه على أطراف المسبح ومع كل واحد كأس من المشروب. يطوف عليهم جرسونات هنود يرتدون زيا موحدا. البار الملحق بالمسبح يكتظ بكل ما عرفت أو سمعت به من أنواع الكحوليات. وتنساب من مكبرات الصوت الموزعة حول الحوض موسيقى هادئة تمتع الأذان رغم هرج ومرج وضحك الحسناوات على أطراف المسبح.

جلست بجانب مضيفي الشيخ الشمهري على أريكة وثيرة، وهو يجلس على أريكة بالجانب الأيمن، بيننا طاولة اكتظت بالمكسرات والمشروبات والكحوليات. ووقف خلفنا باستمرار أحد الجرسونات خُصص لخدمتنا. لم اظهر اندهاشي برغم مما أراه من بزخ فاق أقاصيص ألف ليلة وليلة، ومدونات قصور شهريار. استعرض لي الشيخ تاريخ أعماله وتوكيلاته المحلية وشركاته في أمريكا ولندن واليابان وبيروت والقاهرة. كنت مستمعا جيدا كعادتي. وأمامي كاس ويسكي "بلو ليبل" ارشف منه بهدوء حتى لا أغيب في هذا المشهد الخرافي الماجن. كنت اجتر باسف ما قمت به ليلة البارحة وصورة "ليليان" تستوقفني في كل لحظة لتذكرني انها في انتظاري.

فجأة اسمع صوت نسائي ينبعث من اتجاه المسبح:

- مساء الخير يا دكتور خالد.

كانت شرين اللعينة نصفها داخل المسبح والنصف الثاني أمامي بصدرها المكبر بالهرمونات. ماذا تريد منى هذه الغاوية الشيطان الم يكفي يوم أمس. فرديت عليها:

- أهلا مدام شرين.

- اختفيت يا دكتور. آخرة مرة رايتك فيها مطعم أمواج.

قالت بصوت عالي لإسماع الشيخ الذي ابتسم كأنه يؤكد كلامها. فقلت:

- انشغلت كثيرا مع برامج الجامعة.

- أهلا بك.

- شكرا لك وللشيخ لاستضافتكم لي.

اختفت شرين ورايتها بنفس البكيني تدخل لبهو القصر. عدد من الشباب يحتضنون الفتيات وهن يخرجن "كالميرمد" من حوض السباحة. واستمر الشيخ في طرح عروض أعمال بالنسبة لي وأعرب عن رغبته في تعييني مستشارا له في كل أعماله في الخارج. لماذا أنا !!؟ ماذا يريد منى هذا الشيخ ... أنا في فخ عجزت كل معلوماتي الرياضية وافتراضاتي الجبرية وغيرها في اكتشافه.

اعرف أنى قوي عند المحك، ووقت الشده. حاضر في وقت غياب المنطق. وسط شرين الشريرة والشيخ الشمهري ومحمد السائق و "جوليا " المبتدئة في طريق العهر... تناقض كامل امتثل أمامي في هذه الشخصيات الغريبة عني. هل أنا تناولت الطعم الذي وضع لاصطيادي بين أفخاذ "جوليا ". ربما إنني أعيش في وهم صنعته بنفسي من خلال معادلات الجبرة. وربما عقدة الشعور بالذنب التي سيطرت على بعد تلك الليلة الحمراء في الفندق.

نبهنا الجرسون الهندي بان وقت العشاء قد حان. دخلت البهو المغطى بالسجاد الفارسي الفاخر، الفتيلات المخملية تتجمع في أشكال هندسية تتيح جلسات خصوصية لكل مجموعة على حدة. الجدران العالي محلى بالزخارف الفارسية واللوحات الزيتية. سالت الشيخ عن واحدة من اللوحات التي أثارت اهتمامي، لعلى اعرف عنها وعن الفنان الذي رسمها. لكنه بكل اسف قال لي أن مدير القصر اللبناني هو من وضع هذه الصور وأما هو فلا يفقه فيها أي شيء.

عرجنا يمينا لندخل السفرة التي عرضت عليها المأكولات العربية والأجنبية والتي تساوي في مجملها عشرة مرات عدد الضيوف. حول الطاولة تناثرت مجموعة من الحسناوات مع بعض الشباب يختارون ما طاب لهم من الطعام. أما أنا والشيخ فانتحينا جانبا حيث أعدت لنا سفرة عربية حول صينية ضخمة ومعنا عدد محدود من الشباب وبعض الأجانب. علينا جميعا جلوس القرفصاء. بكامل بدلتي الصيفية جمعت أرجلي الطويلة، فدفعت زراعي الشمال ليصل ألي داخل الصينية المكتنزة بالرز البسمتي والمشويات وسديس مشوي بأكمله في نصف الصينية. شهيتي كانت مقفولة تماما ولكنى نجحت في المجاملة والتظاهر بالأقبال على الأكل.

وكضيف هام، كان على عمل ما يقوم به الكل. كنت استمع فقط وأتكلم بقدر ما يكفي من إجابة أو تعليق. وأسال نفس في تعجب بين الفينة والأخرى، هل يعلم الشيخ بما فعلته شرين في الفندق. هل أحضرني هنا بعد وقوعي في الشباك!!!!؟. سأعلم في نهاية هذا اليوم الغريب.

بعد انتهاء العشاء، اختفى الضيوف مع الحسان بهدوء في الغرف الممتدة على طول الممشى الذي يؤدي ألي واجهة البحر. توقفت أمامي شرين فجأة، وفصلتني عن الشيخ الذي انشغل بضيف أجنبي حضر متأخرا وكأنها تقودني لأرى منظر البحر. فاذا بها تفتح أحد الغرف، وتقول "أتفضل يا دكتور". دخلت مترددا فاذا بي وجه لوجه مع "جوليا ". تعوذت والتفت لشرين ولكن لم تكن معنا قفلت الباب واختفت فلم أجد ما أقوله غير:

- أهلا، "جوليا " أنت هنا أيضا.

- نعم أنا هنا

وارتمت بين زراعيا وضمتني ألي صدرها بلهفة وطوقتني بيديها الناعمتين وأغمضت عيناها ووجهت وجهها نحو وجهي في انتظار قبلة عميقة كالتي نالتها وانا انتشلها من الجكوزي في ليلة الفندق الحمراء. حاولت الابتعاد وتوجهت نحو الباب، فأسرعت قبلي وأحكمت قفله. الحجرة لا تقل حجما عن الجناح الفندقي الذي اشغله بالهلتون، ستائر حمراء تتدلي من السقف المنقوش بالجس الأبيض. بار ملحق يطل على البحر بلكونه ذات خصوصية لا ترى منها إلا الماء ... ماذا افعل!!!؟ اصرخ ... لا يجوز جلست بجانبها في السرير وزراعي حولها وهي تقول:

- يخرب بيتك يا دكتور عملت فيا أيه!!!؟ واحشنى كتير الليلة أنا مستعدة أكثر من البارحة.

- بكل اسف أنا غير مستعد يا، "جوليا ".

- معقول وحش اسمر التهمني من كل الاتجاهات في ليلة البارحة ولمدة ساعتين يكون غير مستعد... لا اصدق ... شو ... تشعر أنى قبيحة اليوم!!!؟

- عفوا أنت أجمل ما رأيت يا، "جوليا "... لكن أرجو أن نأجل الموضوع ليوم آخر لو تسمحي.

- لا اسمح حبيبي ... لم أضاجع رجلا أمتعني كما أمتعتني أنت يا متوحش.

- يا "جوليا " ... أنا لا أستطيع اليوم وانا لا أزال في نفس الجناح في فندق الهلتون وأشوفك مرة ثانية.

وأخفيت في صدرها خمسمائة إسترليني، واتجهت للباب وخرجت دون دليل. في الممر الطويل الذي يقود ألي البهو، قابلت أحد الجرسونات الهنود وطلبت منه أن يدلني ألي مكان الشيخ. تبعته لعدة دقائق وأشار لي اتجاه المسبح حيث يجلس الشيخ وحوله ضيوف أجانب يتكلمون اللغة الإنجليزية. نهض الشيخ من الكرسي وقام بتقديمي لضيوفه بلغة إنجليزية مكسرة قائلا:

- أقدم لكم الدكتور خالد "دكتور في الرياضيات" يسرني أن إخطاركم بأنني قد عرضت عليه منصب مستشار شركات " الشمهري" العالمية وانا في انتظار رده.

- أهلا بكم جميعا وأتمنى بعد رجوعي لبيروت أن أخطر الشيخ بقراري الأخير.

قام الشيخ وانتحى جنبا ويسالني:

- يا دكتور ... فين لسع بدري.

- اسمح لي والله .... ورائي تحضير هام جدا جدا ولازم ارجع للفندق.

- تسيبنا بالسرعة دي ... ما عجبك الحفل؟ الراقصة الشيشانية توها واصله ومعها راقصة مصرية مشهوره.

- لا لا لا ... يا ريت ... لكن ما بالأيد حيلة.

- أو كي مادام مصر لازم نتقابل قبل سفرك يا دكتور خالد.

نده الشيخ لاحد الخدم، وأشار له بان يحضر السائق محمد بسرعة. واصل السير معي حتى بوابة القصر. ودعني بحراره وتوجهت ألي الفندق مع سائقه الخاص محمد خميس.

وأثناء الطريق ظل محمد يزودني بأسرار القصر وأسرار الشيخ. تعجبت وتقززت عندما أخبرني محمد أن معظم الضيوف في القصر مثليين ومسليات. أخبرني أن سائق هندي من ولاية "كيرلا" لونه اسود مثلنا هربت معه اختت الشيخ وهي من أم أخرى إلى بريطانيا لكنهم صادوها وقتلوها في لندن ولا يعلم بذلك أي أحد غيري. أخو الشيخ الصغير مصاب بانفصام شخصية. قبل شهر قتل ثلاثة عمال مصريين بقفلهم في حجرة بمزرعته لاتهامهم بالسرقة. ولفقت القضية بواسطة النيابة وسافرت أنا شخصيا مع الجسامين للقاهرة ودفعت لكل أسره اثنين ألف إسترليني وانتهت القصة.

يا دكتور خالد أقص عليك كل هذه الأحداث المؤلمة لأنني لا أريدك أن تحتك بهؤلاء البشر. أنا ضحية عبودية والدي رحمة الله عليه. مات حبيسا في قصور هذه العائلة وانا أتمنى أن أجد مخرجا من هذه الحياة التعيسة. وبما إنني ولدت طفلا دون رعاية لا اعرف القراءة والكتابة حتى الآن. وكلمة عبد اسمعها يوميا بمضض ولا حوله ولا قوة لي.

ماديا يعطوني ما أريده خوفا من هروبي. قد حوشت بطريقتي مبلغ يربو على المية ألف إسترليني اخفيها في حفرة من أركان حديقة القصر. لم أتزوج ألي الآن أرسلوني للسودان لأجد زوجة، هناك سكنت في فندق السودان، عرفني مدير الفندق الأرمني على شابة جميلة تعمل سكرتيرة معه. وعندما قدمني إلى عائلتها في منطقة الجريف رفض أبوها والذي يعمل أصلا طباخا بالفندق، بحجة أنى غير متعلم وأيضا عدم أصول قبيلتي. ومن وقتها أصبحت لا أبالي بعدم الزواج وأعيش على بقايا وفتات الضيوف من القحاب السكارى في ليالي القصر، مثل قوادة اسمها شرين تسكن معكم في فندق الهلتون.

الفطرة علمتني أشياء كثيرة واهمها تامين نفسي من أي خطر يهدد حياتي. احفظ الأشياء عن ظهر قلب حتى اللغة الإنجليزية أجدتها بدون كتابة لارتباطي بالخواجات الذين استقبلهم في المطار. إيماني بالله قوى ولكن بقدر ما طلبت من الله أنا يفكني من هذه الورطة فلا أراه فاعلا. ابي وامي رحلا من هذا الوجود ولا أدرى هل سيبعثون مع البشر او مع الحيوانات في يوم القيامة. كان أبي وكانت أمي ملك يمين لوالد الشيخ وملك اليمين لا يعامله المسلمون كبشر كما رأيت وكما أعيش اليوم.

في هذا المشوار القصير أخذت درسا من المسكوت عليه من تاريخ العروبة والإسلام من هذا السائق البسيط. لقد فتح لي جرحا أعمق من جرح جدتي رحمها الله. ما كنت أتوقع أن يكون في هذا الكون حدثا أقبح وأسوء مما مرت به جدتي من إهانة لإنسانيتها. فانا جاهل تماما بالمقارنة لمحمد السائق الذي تعلم من الممارسة ومما شاهد بعينه، وهذا اقوى تعليم يتلاقاه الأنسان في حياته. أنا خريج جامعات ورجل اختلط بعلية القوم طيلة حياته البرجوازية. لابد لي أن أعيد دراستي للحياة بعد القصص التي سمعتها من محمد.

أوصلني محمد للفندق وكرر على الطلب "لا تتركني يا دكتور" فانا من لحمك ودمك. بكى وهو يودعني، وقبل أن يقادر كتبت له تلفوني في الفندق وتلفوني في بيروت لكنه قال لي "قلها لي شفويا يا دكتور أنا لا اقرأ". أمليت عليه تلفوني في الفندق وفي بيروت. فردد بصوته الأرقام بدقة للتأكد وودعني بالحضن مرة أخري وقادر الفندق. نزلت من عيني دمعة وانا اتبع السيارة "الاروزرويز" التي يقودها محمد وهي تقادر. يا الله أي عالم نعيش فيه أهكذا يعيش السود في ارض نبع فيها الدين الإسلامي حسبي الله!!!؟ مسكين محمد فهو بعيد جدا عن التحرر من عبوديته في هذه البلد التي يعيش فيها منذ مولده.

عندما دخلت جناحي في الفندق كانت الساعة منتصف الليل وشعرت بالرغبة الشديدة في التحدث ل “ليليان" ولكن الوقت قد تأخر جدا فقررت أرجاء المكالمة لصباح الغد. حاولت النوم ولكن شريط الأحداث كان طويلا ومزعجا. والسؤال الملح في ذاكرتي ... ماذا يريد هذا الشيخ منى. وكان نومي متقطعا وملئ بالكوابيس.

صحوت وانا أضاجع شرين في مسبح القصر فغيرت سريري ونمت على الأريكة في الصالون. صحوت و"ليليان" تستجوبني عن، "جوليا ". صحوت مخلوعا برؤية الشيخ يدخل علي في جناحي. أعوذ بالله فإنني أعاقب نفسيا لفعلتي الحقيرة مع شرين التي أشركتني فرجها مع محمد السائق والكثير من الضيوف المثليين والمدنسين الذين جمعتني بهم حفلة القصر، مثل "جوليا " الشابة الشبقة المبتدئة في عالم العهر والخطيئة.

أمام ضميري، صحوت مبكرا، ابحث عن إجابات. عجزت أن أجدها في كل العلوم التي درستها في تاريخي الأكاديمي لم تنفعني دكتوراه الرياضيات التي الفت فيها كتابي الأول بعنوان " حساب مجاميع المتسلسلات بالرواسب والتمثيل المطابق للمضلعات في التحليل العقدي" لم تنفعني حتى مجلات العلوم ولا كتاب "راس المال لكارل ماركس". ولا آيات القران الذي حفظته في خلوة جدي الناير.

شعرت في ذلك الصباح بالرغبة للحديث مع أمي. وددت الرجوع لطفولتي الغنية بالرعاية والحب وراحة البال والحرص الأسري. هي معلمي الأول وانا أخطو أول خطوة في حياتي أمامها؟ قلت لنفسي، هذا هروب من الواقع لرجل مثلي جاب العالم وجامعاته. لم أفكر طويلا وأدرت قرص التلفون:

- الو أمي صبح الخير.

- ود بطني ... وين أنت يا خالد طولت مننا ... رجعت من سفرك؟

- لا يا أمي ... لسع لكن اشتقته ليك وقلته أسلم عليك.

- يشتاق ليك الخير يا ولدي ... انحنا بخير وأبوك أمس سافر لندن في مهمه سريعة وبرجع بعد أسبوع. عمك أبكر جاء الخرطوم لكن سكن مع أصحابه في الجامعة وأبوك قال ليه أحسن يستمر في كلية الطب لحدي ما تشوفوا ليه البعثة.

- يا امى أنا خلاص قررت العرس.

- جيد لي يا ولدي ما ريحته لي بالي ... كنت فاكرك ضعت مننا وفكرت في بنات الخارج وما داير السودانيات ... السودانيات بنات السرور يا ولدي ... يعني خلاس بقيت على بت خالك؟

- أمي اسمعي أنا كلمتك وكلمت أبوي انه أنا ما بعرس من أهلي ... والموضوع دا شرحته ليك ألف مره.

- اهلك ما أحسن ناس ... ماصلين ومفصلين يقاسوا بعيار الدهب.

- خلاص يمه خلاص ... نشوف الموضوع دا بعد ما اجيكم في العيد.

- المهم عروسك لازم تكون سودانية مؤصله.

- طبعا سودانية ما تخافي لا أمريكية ولا أوربية.

- ابوك بضرب لي بعد العشا وانا بفرحه بالكلام دا.

- أمي ... ما تكلمي أبوي أنا عايز احسم الموضوع معاك أول شيء ... ما تنسي يا أمي مدرستي الأولى في الحياة.

- جيد لي يا ولدي بعد ما بقيت دكتور كبير برضك ما نسيت أمك.

- مع السلامة وسلمى على عمي وأبوي.

- ودعتك لي الله ...

وضعت السماعة وشعرت أن نصف الحمولات والكوابيس والعقد النفسية اختفت من ذاكرتي بعد كلامي مع أمي، وفعلا كدت أن أقول لها الكثير عن "ليليان" التي أصبحت أكسير حياتي الجديد، لكن قررت التريث قليلا حتى اجمع أطرافي التي تناثرت ما بين بيروت والهلتون وقصر الشيخ ودموع محمد السائق والحقائق المرة في ليلة العهر التي احتقرت نفسي فيها قبل أن احتقر أو اللوم فيها شرين و "جوليا ". عالجت نفسي بسماع صوت أمي. يا له من سر في كنه الأم يصعب علينا تفسيره علميا. بعد المحادثة مع أمي جلست في مكتبي وقمت بتحضير تقرري النهائي للجامعة. كما قررت الرجوع ألي بيروت هربا من جحيم ما رأيت وما سمعت في الهلتون وقصر الشيخ ومما قاله لي محمد السائق. هربا من أهوال خلقت معظمها بنفسي، وخلقت الصدفة بعضا منها.

لم تغب دمعة محمد عن ذاكرتي. وبنفس الشهامة التي دفعتني لمساعدة "مايكل جيير" و "ماجدولين"، قررت أن أساعد محمد السائق وفكه من جنازير العبودية التي تكاد أن تحطمه كانسان كما حطمت والده ووالدته في ذلك القصر النجس. نفس الملابسات التي جرحت قلب جدتي رحمها الله في حوش جدي الناير. مع محمد السائق أجد نفسي مربوطا بحبل واحد. أنا دكتور رياضيات سلكت طريقي بعلمي وخبرتي واطلاعي ولكن محمد السائق البسيط يعيش بجهل القرون الوسطى. كان من الممكن أن أكون أنا في مكان محمد بالعبودية وملك اليمين ومحمد في مكاني.

عندما شارفت الساعة الثامنة صباحا شعرت بأنني على استعداد كامل للحديث مع "ليليان" وأدرت قرص التلفون:

- الو "ليليان"

- حبيبي كنت اعلم في هذه اللحظة أنك تدير قرص التلفون لتكلمني.

- كيف أنت وكيف "ماجدولين"؟

- كله تمام .... "ماجدولين" دي معجزه تتصور أنها تحفظ كل الدروس العربية والإنجليزية وترددها بحذافيرها ... الكتابة لسع لكن ذكاء غير عادي.

- دا خبر جميل ... والأجمل وصولي عندكم في بيروت مساء اليوم ... لا أستطيع إكمال الأسبوع هنا ... بأكدة ليك كل حاجه بعد التأكد من الحجز.

- يا سلام خبر جميل ... وعلى فكره عرفته موضوع عربيتك الجديدة لكن ما شفتها لسع. محاسن كلمتني بيها. اليوم ما شاء الله صوتك واضح مش ذي أمس كنته تعبان خالص.

- الجامعة كيف؟

- بالنسبة لي الدروس اكتر من سهله. بس التشريح لسع بخاف منه. شويه شويه بتعود عليه. عامله ليك دكتوره قدام "ماجدولين" وكل يوم بسجل ضغطها وحالتها الصحية. يا خالد البت دي لازم نشوف ليها طريقة عشان تشوف أمها لأنها يوميا تبكي وكت تتذكر أمها.

- كلام صاح يا "ليليان" الأم كل شيء في الحياة وهي المحبة بدون شروط لأطفالها المهم في الأسبوع القادم نشوف كيف نلمها مع أمها.

- خلاس أنا بكلم محاسن ونشوف كيف نقابلك كيف.

- بس انتظري بعد ما تأكيد الحجز.

- طيب مع السلامة واضرب لي بسرعه.

- مع السلامة حبيبتي "ليليان" والى اللقاء.

اتصلت بمكتب المسجل في الجامعة وطلبت منه تغيير حجزي لطائرة مساء اليوم وإخطاري بأسرع ما أمكن. بعد ذلك اتصلت بدكتور قاسم وأخبرته بسفري اليوم:

- الو دكتور قاسم

- صباح الخير في انتظارك وعلى فكره السودانيين عاملين ليك حفل كبير في قاعة البليارد بعد بكره فيها الفنان سيد خليفه.

- يا قاسم متأسف لازم أسافر مساء اليوم.

- يا راجل أنت ما انتهيت من مهمتك كيف تسافر.

- خلاص أنا عملت تقرري النهائي سأقدمه لكم اليوم.

- اوعى تكون وصيت عشان أكون عميد شعبة الرياضيات ذي ما قلت لي أمس.

- ما عندي خيار غيرك.

- لا لا أرجوك أنا خلاس راجع للسويد ذي ما كلمتك.

- نشوف ونتقابل قبل الاجتماع أنا نازل دي الوقت والسواق منتظر في اللوبي.

- أوكي ... في انتظارك.

جمعت التقرير وأوراقي في حقيبتي ونزلت. وانا خارج من الباب المؤدي لمواقف السيارات وبصحبتي السائق الهندي. أمام الفندق أفاجأ بالسيارة "الاوروزرويز" التي لا تغبى علي، السيارة التي يقودها محمد. تجمعت الكوابيس من حولي مرة اخري وشعرت بارتباك وربما تكون سيارة اخري. هي نفس البانتلي بدون نمر ولونها الأسود الداكن يؤكد أنها السيارة التي يقودها محمد. توقفت قليلا وتركت السائق الهندي يتقدمني لتحريك سيارة الجامعة لحين حضوري.

تعجبت عندما شاهدت محمد يخرج من الفندق ويتجه للسيارة. توقف عندما راني وقال:

- دكتور خالد، صبحك الله بالخير. اتصلت بيك قبل شوي، عشان أصبح عليك.

- أهلا محمد، أنا سعيد بمقابلتك، واطمئن. أنا اعمل المستحيل لمساعدتك.

- أنا متأكد لأنه ما في أنسان قلبي أتفتح ليه، غيرك.

- طيب ... في واحد صديقي اسمه دكتور قاسم في الجامعة هذا تلفونه. اتصل بيه لكن مش من قصر الشيخ. وخلي كل المعلومات عنده. وانا كمان ساترك تعليماتي عنده، عشان تعرفها بالضبط. وانا مسافر مساء اليوم. بس ما تكلم الشيخ ابدا.

- ليه يا دكتور تاركنا بالسرعة دي. انا أي حجه تقولها لي اعمله حتى لو قلت لي موت نفسك. الراجل اسمه دكتور قاسم، حفظته تلفونه تمام.

- شوف يا محمد، اول حاجه خلي فلوسك عنده، بدل ما تدفنه في حفره في حديقة القصر. ممكن يجدها العمال ويأخذوها .... المهم أنا الضامن ... لا أنا، ولا دكتور قاسم، محتاجين ليها. لكن أنا أريدها تكون مضمونه ليك في المستقبل. وأنت بأذن الله سوف تكون خارج هذه البلد النحس دي بأسرع فرصه.

- من فمك لله يا دكتور أنا الليلة دي سأتصل بي دكتور قاسم. .... ما أخد من وقتك ومع السلامة. أنا جيت جبته خمسه قحبات من ليلة أمس ومعهم القواده الكبيرة القتل ليك عنها "شرين". نزلتهم قبل شويه ولازم ارجع الشيخ يبقيني قبل الفطور.

ودعت محمد بالحضن وانا أتلفت يمنه ويسري خوفا من تراني شرين وتقلب يومي راسا على عقب كما فعلت سابقا. ركبت مع السائق الهندي وقابلت دكتور قاسم الذي انتظرني في مكتبي. شرحت له قصة محمد السائق باختصار وما هي خطتي لمساعدته وحتى عن الفلوس وضحك الدكتور قاسم بأعلى صوته وقال:

- دكتور خالد أرجوك ابتعد عن هؤلاء الناس وما تقول لي سوداني .... العبيد هنا كلهم من زنجبار لكن يقولوا ليك من السودان ... ديل ناس مستهبلين وما تدخلني في الموضوع دا.

- دكتور قاسم أرجوك .... أرجوك اعتبر المساعدة لمحمد مساعدة بالنسبة لي شخصيا.

- دا كلام فارغ يا خالد يا راجل ديل ما يستأهلوا. نصهم مخنثين وسكرانين وميؤوس منهم. يا أخي عايز تعمل نفسك المسيح المنقذ؟

- لا عايز أقول ليك أنا شخصيا عشت نفس الظروف التي يعيشها محمد.

- ما فاهم يا دكتور.

- بفهمك بعدين، نروح الاجتماع وبعده نتكلم.

- ما تجيب أسمي في التقرير أرجوك لا اطمع في رئاسة ولا منصب .... مرتبي في جامعة مالمو أحسن مرتين وعايش في بلد حضارة ... بلا قرف.

- خلاس ... خلاس أنا ابحث الموضوع دا مع دكتور فيروز.

قبل خروجنا من المكتب، دخل السائق الهندي وهو يحمل ورقه من مكتب الإدارة تؤكد تغيير حجزي لمساء اليوم. ويرن التلفون محول من مكتب دكتور قاسم لمكتبي وسلمت السماعة لقاسم. وبعد تبادل جمل مقتضبه أشار ألي دكتور قاسم بان المتحدث هو محمد السائق. أخذت السماعة من قاسم وأكدت لمحمد بان قاسم سيساعده وحسنا انه اتصل بهذه السرعة. انتهت المحادثة. فقال دكتور قاسم لي انه غير رأيه بعد ما سمعه من محمد، وسيعمل ما وسعه لمساعدته. اتفقنا على آليات الخطة، التي يمكننا بواسطتها أن نسفر محمد لبيروت، ومن هناك يبدأ تحريره من عبوديته من قصر الشيخ.

في اجتماع الأساتذة، قدمت عذري للجميع بأنني سأسافر مساء اليوم لظروف أجبرتني وعلى استعداد لزيارة أخرى إذا لزمت الحاجة لحضوري. ولذلك كان الاجتماع مطول، وكان على الإجابة على اسأله كثيرة بخصوص التحضير الأولي لفتح شعبة الرياضيات. تقدمت بتقريري الأخير وبه كل التوصيات اللازمة. انتهى الاجتماع بتصفيق الحاضرين.

جلست بجانب الدكتور فيروز مدير الجامعة واعتذرت له مرة أخرى. لم يكن الدكتور فيروز ملحا، إذ عرفت منه انه سيسافر مساء اليوم أيضا ألي لندن بخصوص فحوصات طبية لوالدته. ودعته وتمنيت لها الشفاء وطلبت منه أن يطمانني على صحتها وأعطيته كرتي الخاص للمرة الثانية.

ودعت الجميع. لكن الدكاترة السودانيين العاملين في الجامعة، تجمعوا حولي يطالبوني بإعادة النظر في سفر اليوم، خاصة انهم قد أعدوا القاعة وأخبروا الفنان سيد خليفه وكل السودانيين المتواجدين في البلد. لكن حاولت إقناعهم وانا متأكد ولأسباب كتمتها في سري. تعقدت من وجودي هنا ولابد من سفري. في النهاية وافقوا بتغيير العشاء لغداء وانتهت المشكلة. فبدل رجوعي للفندق توجهت معهم لصالة البليارد، وبدأت الاتصالات وتوافد السودانيون والسودانيات للصالة. لكن سيد خليفة وفرقته اعتذروا عن الحضور لانشغالهم بتلبية غداء في سفارة السودان.

انتهى اللقاء مع العدد المحدود من السودانيين الذين قبلوا تغيير المواعيد. ودعت الدكتور قاسم وزوجته الدكتورة كرستين وتوجهت للفندق. واتصلت فورا ب "ليليان":

- الو "ليليان"

- أهلا دكتور خالد أنا "ماجدولين".

- كيف حالك وصحتك.

- أنا بخير والفضل يرجع ل "ليليان" علمتني الإنجليزي والعربي وتفحص صحتي كل يوم والحمد لله. أتمنى يا دكتور لو أقدر أقابل أمي واعرف الحاصل عليها. متين راجع يا دكتور؟

- مساء اليوم أنشاء الله.

- والله فرحه كبيره ليليان كلنا.

- وين "ليليان"؟

- لسع في الجامعة.

- كلميها انو طيارتي ستصل بيروت الساعة الحادية عشر بالليل. وقولي ليها تتصل بي ومع السلامة.

وضعت السماعة. من فرط تعبي النفسي والجسدي، حاولت النوم لمده ساعة، قبل حضور السائق الهندي ليرافقني للمطار. يرن جرس التلفون وتعوذت قبل أن ارفع السماعة:

- الو

- "ليليان" معاك ... أيه الخبر السار دا .... خلاس تلقاني في المطار. الأستاذ بكري نظم كل حاجه.

- يا "ليليان" الوقت متأخر عليك.

- ما تخاف على. معي محاسن. والباقي خليه مفاجأة.

- نشوفكم بالسلامة

بدأت في جمع ملابسي وترتيب أوراقي في حقيبة اليد. السائق سيكون معي بعد ساعة ونصف. لم أجد جوازي الأمريكي، ولم أجد اثنين ألف إسترليني شيكات سياحية "توماس كوك"، لم اشك لحظة في أن الفاعل شرين. لكن ماذا افعل وانا أتكتم على علاقتي بها منذ تلك الليلة المشؤومة. ولي إيمان قاطع أن أي جرم يرتكبه الإنسان يتم عقابه في الدنيا. أنا ارتكبت ذنبا لا يغتفر في حبي ل "ليليان". لو علمت به لصفعتني وأزاحت بوجهها عني إلى الأبد. الشيكات السياحية يمكنني التبليغ عنها وينتهي الأمر. أما الجواز الأمريكي فتلك مصيبتي التي بنا عليها بكري كل قضية "توني فنار" وضمن به تعويض مالي كبير لي وله.

ماذا افعل ولم يبقى من الوقت إلا ساعة من ذهابي للمطار وانا متيقن أن الفعلة تشبه شرين. أخطرت إدارة الفندق بما حصل. حضر المتحري، وقام بتفقد جناحي واخذا البصمات من كل مكان، بما في ذلك اواني الشرب. اهم بصمة ركز عليها، كانت لخمسة أصابع حول زجاجة الويسكي بلاك ليبل النصف فارقة وجدت في المكتب. قام التحري بأخذ البصمات من أبواب الحجر التي تحيط بجناحي وبصمات خدم الفندق. سألوني عدة إسالة عن ضيوفي أثناء إقامتي في الفندق، فلم أستطع الكلام عن شرين أو "جوليا ".

اكتفيت بذكر دكتور قاسم الذي رافقني في أول يوم ودخل معي الجناح. أردت اختار دكتور قاسم ولكن عدلت عن رأي. تحليل البصمات كان سريعا وتركز الاتهام على الحجرة المقابلة لجناحي. حجرة شرين. يا للهول أنا في امر ضيق. طلبوا منى عناوين الاتصال بي في بيروت، لكنهم اكتفوا ببينات الحجز في الفندق التي تبين تلفون شقتي ببيروت ومكتبي في الجامعة الأمريكية. تم إبلاغ مكتب "تومس كوك" بأرقام الشيكات المسروقة. تم كل شيء بمهنية سكوتلاند يارد" لان إدارة الشرطة كانت بيد البريطانيين.

شكرني "الميجر جورج" ببرود إنجليزي وأشعرني بتعابير وجهه الأحمر المستهتر بان هنالك حلقة مفقودة في التحري وهي "من زارني في الجناح!!؟". السبب انه وجد شعر نسائي في ركن الحمام وفي الصوفة التي نامت عليها شرين في تلك الليلة وأخذها في كيس بلاستيكي للتحليل. حضر السائق وحمل أمتعتي ألي السيارة وفي الكاو نتر وجدت دكتور قاسم الذي حضر معه، وأصر على مرافقتي للمطار، ولاحظ التوتر الذي بدي علي وسمع مدير الفندق اللبناني يعتذر لي. وهو يودعني.

فتدخل دكتور قاسم بسؤال سريع:

- حصل أيه يا دكتور خالد

- مصيبة لكن بسيطة.

في طريقنا للمطار، اضطررت أن أقص عليه القصة الكاملة. ربما امسك خيطها عندما قابلني ثاني يوم، بعد اجتماعي مع الأساتذة وقال لي:

- " تعبان يا دكتور"

-

وكان ردي:

- " خليها مستوره".

-

لم تعد مستورة الآن. فقال لي:

- لم تفعل شيئا غريبا. فانا أثناء سكني لمده ثلاثة أشهر، وفي نفس الفندق. فعلت مالم يفعله إبليس. لكن حرصت على أوراقي وفلوسي. دا شيء عادي يا سعادتك في البلد دي، لكن نخليها مستوره ذي ما قلته. سأواصل مع الشرطة وأبلغك النتيجة. الجواز الأمريكاني دا يكون اتباع بألاف الجنيهات وأحسن تعمل بدل فاقد.

- أنا أخذت نسخة من البلاغ عشان أسلمها للسفارة الأمريكية. أما الفلوس في ستين داهية.

- لا ... لا .... الفلوس لو ما استعملتها أمس هذه القحبة، تكون قد أوقفت. الكلام هو الجواز. ولمعلوميتك الجوازات تتزور وتباع عندكم في بيروت.

حمدت الله، أنى أفضيت لدكتور قاسم بكل ما حصل بالتفاصيل المملة. وساعد ذلك في رفع اليأس والضجر عني. شعرت بأنني سأقابل "ليليان" كما يجب فرحا ومشتاقا ومحبا. ودعت دكتور قاسم قبل الدخول لبوابة المقادرين بالمطار. أتممت إجراءات الدخول وفي شباك مراجعة الجوازات أخطرت بحظري من السفر.

كانت صدمة مدوية لي. استلمت أمتعتي، واتصلت بدكتور قاسم وأخبرته بما حصل. بعد ذلك اتصلت ب "ليليان" وأخبرتها بان سفري تأخر ربما ليوم آخر. أشعرتني بان في الأمر شيء ولكنها كانت كعادتها مهذبة في تعاملها. بالنسبة لي أصبح كل شيء مفضوح وربما يدخلني السجن في بلد كهذه. استعديت لكل ما يمكن أن يحصل لي.

رجع دكتور قاسم للمطار. قرر استضافتي بمنزله لحين أنهاء هذه المصيبة. وقبل أن نقادر المطار راجعنا مكتب الشرطة، لنعرف أسباب حظري من السفر. لم نعرف منهم شيء. لكن وجهونا لمركز الشرطة في داخل البلد. لمعرفة أسباب المنع. توجهنا إلى هناك. وكان وقتها الضابط المناوب في المركز، فاروق الحبر من السودان. استقبلنا بكل أدب. طلب لنا شاي وماء بارد وقال أنشأ الله خير. شرحت له حالتى. وفتح محضر. وبدأ بسؤالي:

- هل لك جواز سفر آخر يا دكتور. فقدته ولم تبلغ عنه؟

- نعم. بلغت عنه قبل خمسة ساعات.

- لا نعرف عن أي بلاغ هنا باسمك.

فتح خزانة كانت من خلفه. اخرج ملف كان بداخله جواز، وقال:

- هل هذا هو الجواز؟

- نعم. صورتي وأسمى عليه.

- وجد هذا الجواز في منزل مشبوه كانت فيه شابه ليلة أمس. اسمها، "جوليا ". فما علاقتك بها؟

- جمعت كل شجاعتي. أوضحت للضابط ما دار بيني وبين "جوليا ". حتى سهرة القصر.

- هل فقدت شيكات سياحية؟

- نعم. اثنين ألف إسترليني.

- كل أقوالك حقيقية. المتهمة اعترفت بكل ما قلته بالضبط. عليك الحذر يا دكتور هنا. أطلقنا صراح الشابة بأمر أحد كبار الشيوخ صباح اليوم. أما جوازك فلابد من مثولك أمام المحكمة لاستلامه غدا.

تكاد الأرض أن تخسف بي. وضع لا فكاك منه. ماذا افعل!!!؟ كلام الضابط السوداني مأمون الحبر لا لقط ولا محاباة فيه. يؤدي عمله بمهنية والتزام. لم ينحاز لي لأني من السودان. أحيي موقفه الشجاع والواضح. أنا الآن، أتجرع السم الذي صنعته لنفسي. فهنا لا تنفعني دكتوراه ولا منصب. بجانبي دكتور قاسم مسمر في الكرسي وكلانا فقد المنطق تماما.

هنا تدخل دكتور قاسم بطريقته المرحة وقال:

- سعادتك بلاش فضائح. الدكتور موقفه حساس، ونحنا أستاذه جامعات الموضوع دا سيخرب بيوتنا. وأنت عارف إذا مشينا المحكمة!!!. شوف لينا طريقة نتخارج.

- ياريت يا دكتور. أنا اعمل حسب التعليمات. بكل اسف الجواز جديد ولا توجد فيه أي تأشيره فهو يعتبر مزور ويجب أن يرسل للسفارة الأمريكية للتحقق. ودي كلها حاجات برا أيدي.

خرجنا من عند الضابط. جلسنا للتشاور في الموضوع. يا للهول أنا فعلا استحق ما حصل. فجأة سألني قاسم:

- عندك تلفون الشيخ؟

- نعم. دعني ابحث عنه بين أوراقي. ها هو. رجعنا مرة أخرى للضابط السوداني وطلبنا أن يساعدنا في الاتصال بهذا الرقم.

بعد عدة محاولات، سلمني الضابط السماعة، وكان المجيب الشيخ الشمهري شخصيا. شرحت له موضوع الجواز. فطلب التحدث للضابط. وبعد تبادل جمل قصيرة أخبرني الضابط:

- أن مندوب الشيخ سيحضر وسنسلمه الجواز حسب تعليماته.

فيبدو أن الأزمة في طريقها للانفراج. لكنها تجر ازمه أخري، تهربت منها. وهي الشيخ الشمهري نفسه. ماذا يريد مني هذا الرجل!!؟ ها أنا في يده لقمة سائقة.

انتظرنا في مكتب الضابط السوداني. الذي أشعرنا بفرحه لتدخل الشيخ. وبدون ذلك كما قال:

- الأمر في منتهى التعقيد.

كانت المفاجأة، دخول السائق محمد خميس لمكتب الضابط. لم يكن يعرف بوجودي ولا وجود دكتور قاسم في المخفر. سلم على بالحضن وعلي دكتور قاسم وعلي الضابط بالحضن وقال:

- هو دا جوازك أنت يا دكتور خالد!!؟ والله أنا افتكرتك سافرت؟

- نعم.

- الحمد لله الموضوع منتهي.

قام محمد خميس بتسليم الضابط السوداني فاروق الحبر ورقة مختومة من الشيخ الشمري وبموجبها استلم جوازي. في نفس اللحظة، أصدر فاروق التعليمات تلفونيا لأمن المطار، بإلغاء مذكرة حظر السفر بالنسبة لي. وخرجنا ثلاثتنا من مكتب الضابط الذي ودعنا بأدب واحترام. وكانت العربة الاروزورويز بنتلي بدون أرقام تقف أمام المخفر. طلبت من محمد أن يجلس معنا في عربة دكتور قاسم الفولفو المتواضعة. قمت بتقديم محمد لقاسم ولأول مرة يتقابلا وجها لوجه.

شكر دكتور قاسم محمد علي مجهوده في هذه الساعة المتأخرة من الليل. وقال،

- ربا ضارة نافعة

لقد كان اللقاء الثلاثي وبوجود دكتور قاسم فرصة لشرح مخططي لتحرير محمد، وكيفية تهريبه من البلد. كان محمد مستمعا جيدا وعرف ما يجب عليه من أدوار في خطتي، وما على دكتور قاسم من أدوار في إنجاح الخطة. في موضوع فلوسه المدفونة في حديقة القصر، قلت له: لك الخيار في تسليمها لدكتور قاسم أو دونه. أجاب محمد:

- سأسلمها غدا الصبح بعد توصيل واحدة من القحاب للمطار. امر الشيخ بطردها بعد القبض عليها في بيت مشبوه مساء أمس.

بعد شرح كامل دام نصف ساعة، ولا يزال جوازي في يده محمد السائق قال:

- هيا بنا. الشيخ في انتظارك يا دكتور.

- الوقت متأخر وانا لي ارتباط بدكتور قاسم.

- لا يا دكتور ... الشيخ ترى بزعل عليك.

تدخل قاسم وقال لمحمد ما دم الشيخ بزعل، ... نروح معاك. أتركنا في عربيتنا ونحنا نتبعك. فلم يتردد محمد ابدأ لثقته العمياء بي. بل سلمني الجواز في يدي وبدأنا المشوار. بدانا أنا ودكتور قاسم نستعرض ما حدث فقال قاسم:

- يا راجل دخلتنا في مشاكل لا يعلم بها إلا الله.

- متأسف وبين وبينك أنا استحق. لأني ما مفروض اعرض نفسي لمثل هذه المهازل.

- طيب إذا أنت هنا عملت كدا عامل في بيروت أيه يا دكتور.

- في بيروت تبت توبة نصوحة بعد ما عرفت "ليليان".

- "ليليان" دي تطلع مين.

- مش مهم ... لكن أحببتها وأحبتني بصدق. وكل ما حصل لي هنا، هو انتقام لحبها وصدقها ... ما كان المفروض اعمل العملة دي.

- يا راجل ... نمته معها ولا مجرد حب نظري.

- مجرد تنظير لكن بأمانه لم أقابل مثلها في حياتي.

- نحي ونشوف ... ذكرتني قول الشاعر "يموت الهوى مني إذا لاقيتها ويحيا إذا فارقتها ويزيدُ"

- الشيء المحزن أنى قررت أن أكلمها بكل شيء عملته وبالتفاصيل. ومتأكد ستتركني إلى الأبد.

- يعني اعتراف مسيحي .... دا لو أنا عملته مع دكتوره كرستين السويدية كلامك دا حتى قبل زواجنا كانت رمتني بالرصاص وسلمت نفسها للبوليس. يا دكتور اترك التنظير ... وصدقوا أهلنا في السوان في المثل البقول "القلم ما بزيل بلم" يا أخي ابلع القصة واسكت مادام لميت ليك في بت حلال.

- ضميري يا دكتور.

- طيب ضميرك كان وين وأنت قاعد وسط قحبتين من الوزن الثقيل؟

- تقول أيه؟

صف محمد سيارته أمامنا في باب القصر وصف قاسم سيارته المتواضعة بين جمع من المرسيدس والفراري واستن مارتن. نزلنا وأخذنا محمد هذه المرة إلى فلا جانبية داخل القصر مطلة علي البحر. انتظرنا نصف ساعة في الصالون الزجاجي بإطلالته الخرافية على مياه البحر ولم يظهر الشيخ. قام محمد بجولة ورجع ليخبرنا أن مهمة مستعجلة اضطرت الشيخ للذهاب ألي قصر أخية الأصغر.

كان غياب الشيخ خبرا مريحا لنا. وأقنعت محمد بان يخلي سبيلنا فقال:

- مادام الشيخ ما فيش، اتركوني احضر لكم العشاء.

- لا يا محمد انحنا لازم نروح لأنه دكتور قاسم ساكن بعيد.

- ما فيش مانع بس انتظروني دقيقه.

خرج محمد لمدة عشرة دقائق وانا وقاسم نجلس على جمر خوفا من ظهور الشيخ. رجع وهو يحمل كيسا كبيرا وقال:

- هيا بنا. وحسب تعليمتك يا دكتور، فلوسي أسلمها لدكتور قاسم. وها هي الفلوس، حت لا نضيع الوقت.

- خطوة صاح منك والباقي علينا ... فلوسك في امأن بأكملها.

وصل محمد معنا ألي سيارة قاسم. فتح ظهرية السيارة ووضع الكيس الكبير، وأوضح بانه لا يعرف كمية الفلوس بالضبط، أو المصوغات الذهبية وخواتم الماس. كلها كما قال كانت في شكل عطايا وهدايا، واقسم انه لم يسرق شيئا في حياته.

ودعنا محمد وروحه المعنوية كانت في قمتها. وبعد مشوار ساعة كاملة، دخلنا فيلة قاسم وكانت كرستين في انتظارنا. وبعد أن تناولنا أكله خفيفة، استأذنت كرستين وذهبت لتنام. أحضرنا الكيس وبدأنا في العد لحصر الذهب والمجوهرات والكاش. بالتقدير لا تقل عن ربع مليون جنيه إسترليني.

دكتور قاسم رفض أن يظل المبلغ معه وقال: لم أضع يدي في حياتي على هذا الكم من المال. وقال: أن كرستين لو رات هذا لا تصدقني وتعتبرني سارق سطوت على بنك. الحل بان اخذ كل الأموال معي لبيروت ولا توجد موانع لأخذها من هنا أو دخولها لبيروت.

اتصل قاسم بخطوط الشرق الأوسط وحاول الحجز لي بطائرة المساء تفاديا للسفر مع، "جوليا " في طائرة الصباح لكن لم يجد لي مقعدا حتى في الدرجة السياحية، فالخيار هو طائرة الصبح. فمقابلة "جوليا " في الطائرة لا مفر منها. في الصباح الباكر وصلنا أنا وبكري لتفادي أي عقبات تقف في طريق سفري.

وصلنا المطار، وبيدي احمل وفي حقيبتي الشخصية كيس أموال محمد الخرافية. في المطار قمت بالاتصال ب "ليليان" وأخبرتها بوصولي الساعة الحادية عشر والنصف صباحا وفرحت كثيرا وستكون في انتظاري بالمطار. عندما انتهيت من المكالمة رأيت محمد السائق وعلى يمينه، "جوليا " يساعدها في إجراءات السفر. أومأت له ودون أن تراني "جوليا "، انتحيت به جانبا وأخبرته أن أمواله معي وفي مجملها تساوي كذا وعلية أن يطمأن. وقال: ما شاء الله والله ما كنت عارفها كثيره كدا. وقال مادامت فلوسي عندك يا دكتور فانا مطمأن وأوضح أن الشيخ وصل بعدنا بعشرة دقائق.

تنفست الصعداء عندما أقلعت الطائرة. بقامتي الفارعة دون كل ركاب الطائرة متأكد أن "جوليا " رأتني وتفادتني كما تفاديتها أنا أيضا. نمت بعمق لم أذقه طيلة رحلتي وأيقظتني المضيفة وطلبت منى ربط الحزام. نزلت الطائرة وبدأ الركاب في حمل حقائبهم المصاحبة. وانا بجانب السير لأخذ حقيبتي وقفت أمامي "جوليا "، يبدو عليها الإرهاق والحزن ومع ذلك ظلت جميلة بشبابها الأخاذ وقالت:

- سلام ... أكيد لا تصدق إذا قلت ليك يا دكتور أن ما حصل كان مدبرا من شرين ... أرجوك تقبل اسفي.

- أصدقك يا "جوليا " والحمد لله أنها جات سليمه.

- بالنسبة لي ليست سليمه وليس معي في حقيبتي حتى أجرة التاكسي. أخذت منى حتى الفلوس التي دفعتها لي. وكل ما حصل هو خلاف بيني وبينها لأنها اوعدتني بعمل سكرتارية ولكن زجت بي في عالم انت تعرفه. واشكر الله أنى أنا الآن في بيروت. لكن أيضا لا ابرء نفسي مما قمت به فكما أخطأت أنا في جسدي فانا ضحية أخطائي.

- جات سليمه ... على أي حال خذي منى هذا المبلغ وانا متأسف لما حصل لك.

- مأتيين إسترليني مبلغ كبير يا دكتور ولك ألف شكر مني وأتمنى أن أشوفك في بيروت وهذا تلفوني.

- أكون صريح معاك يا "جوليا " أنا مقدر لشعورك نحوي لكن أنا ملتزم وعلى أبواب زواج. إذا سمحت لي الظروف في مساعدتك بإيجاد عمل شريف سوف لا أقصر وسوف اتصل بك.

- تكفيني يا دكتور هذه الكلمات الجميلة الطيبة منك وتأكد إنني ضحية شرين ولا حوله ولا قوة لي. هي التي وضعت جوازك والشيكات السياحية في حقيبتي هي التي أوصلتني للشقة المشبوهة وتركتني هناك. ولعل الله أراد بك وارد بي خيرا.

انهمرت دموع "جوليا " بتنهدات متقطعة مثيرة وهي تتكلم معي. انفطر قلبي لضياع شبابها وجمالها الأخاذ وجسمها المغري لكل من رغب في شبابها. اغتسل قلبي بدمعها الحزين وشعرت إنني كنت بتهوري ضحية شرين كما كانت هي وشعرت بإصرار على مساعدتها في يوم ما، لان الصدق كان يبرق من عينيها التائهتين في عالم الظلم والخطيئة.

ساعدتها في انتشال حقيبتها من السير وقلت لها أنا متأسف يا "جوليا " مما فعلته معك ووصيتي لك أن تصوني نفسك وفرجك من لهو الرجال. شيعتها بعيوني وهي تخرج من الباب. رجعت وجمعت أغراضي بينما ظلت شنطة اليد التي احمل فيها أموال محمد الطائلة بكتفي وحقيبتي المشحونة خلت من أي هدايا ولكن عرجت على السوقة الحرة واشتريت ما لزم للجميع.

في باب الوصول أول من ارتمى على بفرحة الاستقبال بدون تحفظ كانت "ليليان". ضممتها ألي صدري وقبلتها أمام الجميع على جبينها وشعرت براحة كأني أولد من جديد. سلمت على محاسن. الأستاذ بكري الجعلي بنفسه كان من ضمن المستقبلين. ما هي المفاجآت التي ذكرتها "ليليان" في آخر محادثة بيننا!!! لا استحمل أي مفاجئات أكثر مما قابلتني في رحلتي الأخيرة.

قدم لي بكري مفتاح سيارتي الجديدة، وقدم لي السائق. لم انس وجهه في يوم حادث سيارتي، فهو سائق النائب البرلماني "توني فنار" ماذا يفعل هنا!!!؟. أوضح لي بكري أن "ابو اياد"، هو الذي سيقود سيارتي. لم ارتاح لهذا الاجراء، ولكن اعرف ان بكري لا يخطئ التصرف. سلمت على "أبو أياد"، وركبت مع "ليليان" في المقعد الخلفي المفصول تماما عن مقعد السائق. فخامة السيارة وزجاجها المخفي لم يشغلني عن حضن "ليليان" بزراعي الأيمن طيلة الرحلة. توقف تخوفي من "ليليان" وشكوكها حول أسباب تأخير سفري.

قام "أبو أياد" بكل مهنية في وضع السيارة الضخمة في الجراج وحمل الحقائب ألي الشقة وقال لي انه متواجد في ظل العمارة وينتظر أي تعليمات. فتحت الباب "ماجدولين" وشبت تعانقني من فرط فرحتها كطفلة رأت أباها وهو عائد من السفر. ضممتها لصدري كاب حنون وهي تبتسم وعلى عيونها دموع الشوق والفرح. خاطبتني باللغة الإنجليزية لتستعرض مدى تقدمها في الدروس مع "ليليان". دخل بكري ومحاسن جلسنا في الصالون وقدمت "ليليان" و "ماجدولين" الشاي والقهوة وسندوتشات خفيفة. انشغل النواعم بأنفسهن بينما جلس بكري معي في البار وقال:

تابع  اى


  • 3

  • عبدالله الأسد
    من دولة السودان. حاصل علي ماجستير هندسة سباكة المعادن من جامعة وارسو بولندا عام 1967. عمل مستشار سابقا بهيئة اليونيدو التابعة للامم المتحدة. انشأ اول موقع الكتروني في الانترنت عام 1994. بعنوان al-nafitha.com/vb
   نشر في 21 فبراير 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا