رامي زوده- في مئوية الثورة العربية ، قراءة جديدة لتاريخ يعيد نفسه. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رامي زوده- في مئوية الثورة العربية ، قراءة جديدة لتاريخ يعيد نفسه.

  نشر في 21 يونيو 2018 .

في نهاية شهر أيلول 1918، انسحبت اخر الجيوش العثمانية من مدينة دمشق، وحلّت محلها الجيوش العربية بقيادة فيصل أمير الحجاز.اذ وقّع العثمانيون اتفاقية الاستسلام مع الحلفاء في منطقة مرج دابق غرب حلب، و لصدفة التاريخ، فهي المنطقة نفسها التي كانت منطلقاً لفتحهم هذه البلاد منذ 400 سنة مضت، فقد دخلوا اليها باسم الاسلام، وخرجوا منها مستسلمين تحت راية الخلافة، وذلك أن أغلب المقاتلين المسلمين الذين قاتلوا مع العثمانيين في الحرب العالمية هم ذاتهم الذين طردوهم من المنطقة. فهل رسمت هذا الأحداث مساراً سياسياً محدداً في المنطقة العربية؟ وكيف نقرأ تبعات الثورة العربية الكبرى بعد مئة سنة من وقوعها؟

مما لا شك فيه أن فكرة القوميات و كانت شيئاً من الخيال في زمن العثمانيين الذين حكموا أعراقاً واثنيات متفرقة في قرون أربعة خلت، فقد كان الاسلام هو الجامع و الرافعة لعصب هذه الامبراطورية، بل والضمان لاستمرارية كيان كان منتشرا في 3 قارات. وقد آثر السلطان عبد الحميد الثاني في نهاية عهده الى اعلان نفسه خليفة للمسلمين، بحيث كان عدد الرعايا العرب في السلطنة 14،5 مليون عربي مقابل 7،5 مليون تركي ما يوحي أن العرب شكلت الأكثرية في امبراطورية شعارها الاسلام.

ولكن في بداية القرن العشرين، فقد جرت أحداث مفصلية غيّرت كل المعادلة الثابتة في الشرق الأوسط، فبعد أن دخلت السلطنة العثمانية الحرب العالمية الأولى الى جانب الألمان، مقابل دعم الانكليز والحلفاء للشريف حسين وابنه فيصل في الحجاز. فقد اشتد العصب المناطقي والعرقي لدى الشعوب العربية خاصة، وشعروا بالانفصال الوجداني عن السلطنة نتيجة سياساتها الداخلية في المناطق والأقاليم العربية المحيطة، ومع ذلك فقد ظل مفهوم الخلافة الاسلامية ثابتاً ، اذ كان القادة العثمانيين يشددون في حروبهم على أن العرب هم أخوة في الدين وفي المذهب، وذلك بايعاز من الحلفاء الألمان الذين أسسوا أول صحيفة اسلامية في برلين بعنوان صحيفة الجهاد!

لقد شعر العرب ولأول مرة منذ قرون مضت بأهمية الروح القومية وبالتعاضد العرقي فيما بينهم أكثر من شعور الانتماء الديني والالتفاف المذهبي وذلك نتيجة ظلم القادة العثمانيين وسياساتهم المتشددة خلال الحرب(وخاصة جمال باشا قائد الفرقة الرابعة في الشام)، فقد ثار العرب المسلمين على الخلافة الاسلامية وطردوهم من الأقطار العربية، حتى أن فيصلاً عندما دخل دمشق بعد تسريح العثمانيين منها، بدأ بتشييد خطاب قومي بقوله أن أجداده عرباً قبل أن يكونوا مسلمين وأن الحكم للديمقراطية والحكومات الفدرالية، ومع ذلك فقد بايعه أهل الشام بصفته من سلالة الرسول (ص). لم يعد للشعارات الاسلامية رصيدها في الأقطار العربية بعد طرد العثمانيين منها بل حلّت الشعارات القومية محلّها.

لقد خاطب فيصل الحلفاء (الانكليز والفرنسيين) بصفته عربياً نال استقلاله من الخلافة العثمانية، وقد وعدوه بالاعتراف بهذا الاستقلال، لكنهم ما لبثوا أن نقدوا العهد وعاملوه على أنه مسلم وأنه جزء من "أراضي العدو" المقسّمة باتفاقية عرفت ب"سايكس-بيكو" ما زالت قائمة حتى اليوم قلباً وقالباً، فقد ظل الهاجس الاسلامي يراود الحلفاء المنتصرين وذلك رغم خلع فيصل كل عباءة توحي بالاسلام خصوصاً اذا راجعنا مراسلاته ومحاضر جلساته في باريس ولندن، بحيث لم يذكر اي صيغة اسلامية على هويته أو مرجعيته وهو ما كان أكثر ذكراً لهويته الاسلامية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى (مراجعة كتاب الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان،زين نور الدين زين)

ختاماً، وها قد تخطينا أحداثاً متراكمة تثبت التناقض الجلي بين التوجه الاسلامي والتوجه القومي، فيبدو أن أغلب الصراعات العربية تقوم اما على الجانب الديني واما على الجانب القومي، ولا تخلو ثورة في المئة سنة الأخيرة الا وركبت على احدى ظهور الدين أو الوطنية. والأحداث الحالية تثبت هذه الجدلية مع تخلي عدة دول مؤثرة عن عباءتها الدينية واستبدالها بعباءة وطنية-قومية برعاية دولية. فالسعودية ومصر والامارات تراهنان على اقصاء الاسلام السياسي كمنطلق لأي خطوة نحو الازدهار والانفتاح، وهم اكثر الدول الذين تأثروا بالاسلام السياسي في السنوات الماضية، وها هم اليوم يثورون على الماضي الحديث ويشيّدون كل جسر ومنطلق وطني يعزز أساسات حكمهم وحكومتهم. انها الجدلية التي لم تنتهي بعد: الدين والقومية في ثنائية لا حتمية في التقائهما!



   نشر في 21 يونيو 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا