زينب بروحو تكتب: قد لا أكون شيطانا...لكنّي لست بملاك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

زينب بروحو تكتب: قد لا أكون شيطانا...لكنّي لست بملاك

  نشر في 09 شتنبر 2020 .

غالبا ما ينتابنا شعور بالحيرة أمام نظرات يرمقنا بها الآخرون. هي نظرات غريبة و عجيبة، و الأكثر عجبا فيها أنها متناقضة.

أحيانا تحملنا هذه النظرات إلى أعلى ثم إلى أعلى لنجد أنفسنا متربعين على عرش المثالية... نبدو حينها ملائكة، كل أفعالنا و أقوالنا و آرائنا صحيحة و مثالية بالإجماع... و قد نصدق في لحظة غفلة...أو لنقل في لحظة "انتشاء" بما أوصلتنا إليه نظرات الغير، أننا حقا صرنا ملائكة... و يالخطورة الأمر حينها.

لكن، أحيانا أخرى ترمقنا نظرة من تلك النظرات الغريبة، العجيبة المتناقضة... لكنها نظرة تحقيرية، تهوي بنا إلى أسفل سافلين، لتضعنا في خانة الشر و القبح و الرذيلة ... نكون حينها شيطانا ماردا بحكم تلك النظرات... نتقاتل لوقت طويل من أجل اقتلاع هذه البطاقة التي ألصقها الآخر على جبيننا... و يا للأسف أحيانا، فقد نستسلم لها و نصدّق حقا أننا شيطان في صورة إنسان.

كنتُ جالسة يومها في المحطة أنتظر وصول الحافلة، حين لفت انتباهي نقاش سيدتين يبدو أنهن في عقدهن الرابع...

حقيقة، هي لم تكن أول مرة أستمع فيها لهذا النوع من الكلام و لكن...طول انتظار الحافلة كان كفيلا بفتح باب للتأمل...

" يا أختي... ما لا أستوعبه، إنسان يقول ما لا يفعل... تعرفين فلانة؟... حجاب طويل و صلاة و صيام و كلام فقط في الدين... و يوم احتجتها و اتصلت بها تعتذر بكونها ليست في البيت... و تأكد لي مرارا أنها في البيت... إن كانت غير قادرة على تطبيق الدين فلا تتكلم عنه أصلا..."

تجيبها صديقتها "هوني عليك يا عزيزتي فكل البشرمتشابهون، منافقون... ألا ترين عدد المصلين في المسجد؟ لو اتبعنا خطواتهم لاكتشفنا أن منهم الغشاش و شارب الخمر و فلان يصاحب البنات و الآخر يسرق من أموال الناس..." و جعلت تذكر جميع الذنوب صغيرها و كبيرها.

لست أدري حينها لم انتابني شعور مؤلم، ربما هو شعور بالأسى و الحزن على حالنا نحن البشر... فقد رفعت هذه السيدة إلى درجة الملائكة من خلال مظهرها و كلامها و ربما مما سمع عنها من الخير، و تم تقليدها وسام العصمة من الخطأ... ألصقوا شعار الملاك على جبينها دون إذن منها... و صدقوا حينها أنها ملاك ... ثم لم يعد لها الحق في الخطأ... و ياويله خطأ الملاك.

مشكلتنا أننا لا نعترف بإنسانيتنا و لا نتقبل خصائصها. فمنذ بدأت عقولنا بالوعي و قراءة القصص و مشاهدة الرسوم المتحركة كنا لا نركز إلا على شخصيتين لا ثالثة لهما، البطل و هو ذلك الصديق المخلص، الانسان المهذب، لا يكذب و يضحي من أجل الخير، الجميع يحبه و يتبعه، فهو نموذج مثالي كامل.

ثم شخصية الشرير، و هو الظالم المخطئ و العدو اللدود الذي يكرهه و يحاربه الجميع

و نكبر لننقل هذه الرؤية إلى واقعنا، و نرى الناس بنظرة من اثنتين، و نطلق حكما من حكمين... و يلصق بعضنا على البعض متى شاء بطاقة من بطاقتين ...حسب مزاجه و قناعاته لينتزعها متى شاء... "هذا ملاك"... و "هذا شيطان".

أليس هذا ظلما؟... قد تجيبني بنعم... ظلم أن أصف أحدهم بشيطان... و أقول، أكبر الظلم أن تصفه بملاك... لأنك بذلك تحمله ما لا يطيق... تنتزع منه خصائصه و فطرته لتحاسبه عن خصائص الملائكة...فبأي حق؟

بداخلنا نواة تنادينا لكل جميل هي تلك الفطرة التي أودعها الله سبحانه فينا...لكن على عكس الملائكة جعل لنا شهوات و غرائز و نقائص، فالانسان هلوع جزوع عجول و ضعيف، يؤثر و يتأثر بمحيطه، يفكر و يقلد و يختار... و على عكس الشياطين هو يتقلب بين الخير و الشر يحاول إثبات ذاته و يحاول ترويضها كل حسب ظروفه، علمه، إيمانه،و تربيته ... و غيرها من المتغيرات.

إننا ننسى أنفسنا، و نعطيها الحق لنجعل فلانا أفضل من فلان. و ندخل فلانا للجنة، و ندخل فلانا للنار. نعطي فلانا درجة المؤمن التقي و نحكم على الآخر بالمنافق.

لقد سئمت سماع أحكام نطلقها على الناس بسبب خطإ.. طبع سيء.. كلمة.. أو بسبب الشكل، أو المحيط أو الأسرة... الجميع يحكم على الجميع ... و الجميع له الحق و الجميع مخطئ...

كفى حقا من هذه الأحكام الظالمة، فأنا إنسان...

أنا إنسان لا أبرر أخطائي و لكن... قد أبدو أحسن من غيري في ناظرك...ولكن، لدي نقاط ضعفي و زلاتي ..ربما لا تراها اليوم و أكون في عينيك جميلا مثاليا... فإن علمتها غدا فلا تحتقرني... فأنا لست ملاكا.

أنا إنسان قد أبدو غافلا... بعيدا عن الدين ...قد أكون غارقا في المعصية...لكن صدقني قد لا تعلم ما بداخلي... نار تكويني؟ أو رياح تعصف بي؟... ربما سأتغير بل و أرجو أن أتغير قبل أن يحين موعد رحيلي... لذلك لا تلعني و لا تشتمني فأنا لست بشيطان.

هو عبد الله، رجل آمن بالله، صلى مع رسول الله، و عاش مع الصحابة...

لم يكن عبد الله إنسانا مستقيما في ناظر كثير من الناس... فقد كان مدمن خمر... عوقب بالجلد مرارا و مع ذلك كان يعود إليه... و في إحدى المرات قال رجل من القوم" اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به" فأجابه معلم البشرية و خاتم الرسل محمد عليه أفضل الصلاة و السلام" لا تلعنوه، فوالله ما علمت، إنه يحب الله و رسوله".

هكذا يعلمنا القدوة..."فوالله ما علمت" إشارة أنه علم ما خفي عن العامة من الناس... و أنت؟... يا من تحكم عن الناس، ماذا علمت عما تخفي الصدور؟

صدقوني... لو كنا لنعلم كما علم النبي، لأشفق بعضنا على بعض و لحزن بعضنا لحال بعض، لحرصنا على مساعدة بعضنا البعض، إذا لم يكن بالنصح فبالدعاء و ذلك أضعف الايمان.

سيظل الانسان في قصة حياته يضطرب بين تمرد و خضوع في صراع أبدي بين الحق و الباطل. ستمضي به الأيام ليكون أحيانا ذلك الطيب الصالح و ربما تخذله شهواته و عيوبه فيبدو ذلك الغافل المذنب... فيه من الخير ما فيه... و فيه من الشر ما فيه... منها ما ظهر و منها ما بطن...

أخي الانسان، دعنا من الأحكام... فالدنيا دار من الأوهام... و احذر فكم من غافل تاب و لم تعلم به... و كم من مستقيم خاب و لم تدري به...

هي ليست دعوة لاستباحة الخطأ، إنما هي دعوة للعودة للذات و العمل على إصلاحها و عدم تتبع أخطاء الناس و إشهارها... دعوة لعدم الشعور بالصدمة إذا تغير أو أخطأ الناس.. دعوة للتعاون، و ليرحم بعضنا الآخر و لينصح بعضنا بعضا... و كفانا أكلا في لحوم بعضنا البعض...



  • 8

   نشر في 09 شتنبر 2020 .

التعليقات

سريت بحملي على عُتبى
منه اوزارى يضعها فابتهج
وجعلت بيننا فى الرجاء مكرمة
انت الكريم ونحن العوَّد البشر
لله الامر
2
Dallash منذ 2 أسبوع
احسنت
3

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا