ذكريات كاتب في بلاد الأهرام - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات كاتب في بلاد الأهرام

الطريق إلى سيناء .. ألم و ذكريات و طور مقدس

  نشر في 05 شتنبر 2018 .

كانت الطريق المؤدية إلى طريق سيناء مليئة بالهوامش على أعتاب قاهرة المعز ، كان من الهين عليه ، أن يلحظ الفقر البين الذي يرفل فيه الكثير ممن يقطنون القاهرة و أسوارها ، و كانت الشمس قد بدأت في بعث حرارتها التي لا تطاق ، و كان ذلك بينا على وجوه المارة ممن تضطرهم ظروفهم كل يوم إلى الخروج في كل الأحوال ، فينالون بعضا من قيظ أغسطس الذي لا يرحم .. كانت السيارة التي يستقلها هو و أسرته ، مكيفة الهواء ، مريحة ، سنحت له بمراقبة الخارج ، كمتفرج على فلم وراء شاشة .. كان يدقق في تقاسيم الناس و وجوههم ، فالحكم على أي بلد لا يكون بالضرورة من منشآتها ، و لا باقتصادها - إن كان ثمة اقتصاد - و إنما تختبئ في قسمات مواطنيها ، فحينما كان يقطن في ألمانيا مثلا ، كانت السمة الغالبة بين مواطنيها الإبتسام حتى و إن كان يبطن أذى ، و لكنك حينما كنت تخرج إلى الشارع أو تركب الميترو ، ترى وجوها بشوشة ، و أطفالا تضحك تملأ الدنيا بهجة و سرورا .. و كما كان ينتظر كانت قسمات الكثيرين ممن يتمشون على الرصيف أو من يعبرون الطريق أو حتى من سائقي السيارات تنم عن إحباط عميق ، و كدر و غم ، خمن سببه ، و عزم على التحدث بشأنه مع سائقه فيما بعد .. 

سلك السيد يحيى طريقا فرعيا يوصله بعد قليل إلى طريق رئيسي يسلكه في اتجاه مدينة شرم الشيخ .. بادره السيد يحيى قائلا : 

- يا مراحب بيكم في مصر 

كان السيد يحيى في الثلاثينات من عمره ، بشوش الوجه مليح القسمات ، كان لطيف المقال ، متأدبا في حضرته أمين النظرات ، لا يتحدث إلا بذوق رفيع ، أو حين توجه إليه أسئلة 

- منورة بناسها و الله يا سيد يحيى ، معلش تعبناك النهاردة 

- تعبكم راحة و الله ، إحنا الزبون عندنا ملك 

- ربنا يكرمك .. شيء جميل إنه يكون عندك شركة و تشتغل لحسابك ، ما فيش أحسن من التجارة .

- أيوة و الله ، و حضرتك بتشتغل إي ؟

- أنا باشتغل في مجال نظم المعلومات ، IT باللغة الألمانية 

- إي دا ما شاء الله زي تخصصي ! 

- و الله ؟ فرصة سعيدة و الله ، و تخصصك إي ؟ 

- أنا كمان Analyst 

-جميل ، و ليه ما اشتغلتش بتخصصك ؟ 

- و الله يا أستاذ مهدي ، اشتغلت بيه ، و اشتغلت برة مصر ، بس بص ، ما فيش أحسن من التجارة زي ما حضرتك قولت ، شركة صغيرة تخاف عليها و تديها وقتك ، و ربنا يبارك لك فيها .. و ما شاء الله بتتكلم ألماني ؟

- آه أنا عشت في ألمانيا تقريبا عشر سنين .. و درست صحافة و إعلام .. و رجعت المغرب ، و اشتغلت في الشركة اللي أنا فيها الوقتي دي ، شركة متعددة الجنسيات .

- جميل و الله ، كل ما الواحد اتعلم لغة جديدة ، كانت فرصه في الشغل أقوى 

- بالظبط كدا..

أخرج يعقوب قمرته و مقربه ال telephoto من حقيبته و سأل السيد يحيى :

-هو التصوير هنا مش ممنوع في مصر صح ؟

- لا صور براحتك ، انتا مصور ؟ 

- من احتراف .. هواية .. باصور لنفسي و باصور الناس اللي باحبها ..

- جميل ، لا مش ممنوع ، صور براحتك ، بس ما تصورش المنشئات العامة للدولة و لا المؤسسات العسكرية ، لو شافوك بتصورها هايكون فيها سين و جيم .

- لا حد الله يا عم ، و ضحكا من الأعماق ..

ساد صمت قليل ، التقط خلاله يعقوب بعض الصور للطريق التي كانت تغرق شيئا فشيئا في منظر صحراوي قائظ قاتل ، و كان السيد يحيى يتقيد بقانون الرعة المحدد حرفيا من أجل تفادي الغرامات المترتبة عن الزيادة في السرعة ، فكانت أقصى سرعة سلكها تسعون كيلومترا في الساعة مما نتج عنه رحلة طويلة مجهدة ، و لكنها كانت محتملة لحداثة السيارة و الراحة التي توفرها من جهة ، و لأنه في مصر لأول مرة من جهة أخرى ، فكان عليه أن يستغل كل دقيقة فيها من أجل ارتشافها لآخر قطرة ممكنة .

بعد غفوة استفاق يعقوب على صوت السيد خليل و هو يحاور مجندا عسكريا في كمين على مشارف نفق الشهيد أحمد حمدي الذي تعبر فوقه مياه قناة السويس مباشرة ، ألقى المجند نظرة خاطفة على يعقوب و أسرته ، ثم طلب رخص السيارة و رخصة قيادة السيد يحيى ، فناولهما إياه بابتسامة ، و قال ليعقوب : 

- دا النفق اللي بتمر فيوقه قناة السويس ، اسمه نفق الشهيد أحمد حمدي و طوله 6 كيلومتر ، و هو يربط قارة إفريقيا بقارة أسيا ، و احنا لما نعبره هانكون حرفيا في بداية شبه جزيرة سيناء 

- جميل ! معلومات جديدة علي 

جاء العسكري بالرخص ، و شكره السيد يحيى ، ثم استأنف السير ، فبادره يعقوب 

- أنا عارف إنه عادي إنه في إجراءات أمنية مشددة في مدخل شبه جزيرة سينا ، بس النظام اللي حاكم مصر الوقتي إي رأيك فيه ؟ و إيه رأيك في اللي قبله و اللي حصل في رابعة ؟ و الأهم من دا كله ، عاوز أعرف إنتا ندمان على نظام مبارك و لا لا ؟

ابتسم السيد يحيى ، كأنما لامس يعقوب جرحا غائرا حاول إخفاءه ، تنفس شهيقا طويلا أتبعه زفيرا متنهدا ثم قال :

- و الله يا أستاذ مهدي ، أنا ما باحبش أتكلم قوي في السياسة ، مش خوف بس ، أنا لما باركز مع اللي بيحصل في البلد باعيى  بس شوف ، حكم العسكر ، حكم قاسي ، قاسي جدا ، تصور إننا نمنا فيوم ، فوقنا على أسعارنا اتزادت بالضعف ؟ و الجنيه زي ما انتا شايف ، بقى ولا حاجة قدام الدولار ، يعني الحال ضنك بالنسبة لشريحة كبيرة من الشعب المصري ، إحنا الحمد لله كطبقة متوسطة أو شبه متوسطة بنعافر ، و مستورة الحمد لله ، بس فيه ناس بتعيش الفقر المدقع .

-يعني الناس مش بتساند السيسي كرئيس مثلا ؟ 

- يا عم السيسي ما لهوش كاريزمة رئيس أصلا ، زي وي اللي انقلب عليه !

- انقلب عليه ؟ يعني انتا بتعتبر اللي عمله السيسي دا انقلاب ؟ 

- كامل الأركان ! هو كان في إيده إنه يدعو لانتخابات مبكرة ، و يشيله بالصندوق زي ما جه بالصندوق ، و علشان نكون واضحين يا أستاذ مهدي ، مرسي ما كانش صالح لحكم بلد زي مصر ، هو مش قد الشيلة لا مؤاخذة . بس اللي عملوا السيسي و العسكر ، شيء رهيب ، الإخوان آه لهم مسؤولية كبيرة في اللي حصل علشان هما ضحوا بشباب زي الورد كذروع بشرية ، و كانوا عارفين إن السيسي هايفض الإعتصام بالقوة و بالسلاح ! بس اللي عملوا السيسي ما يتعملش ، عملهم زي كماشة ، و ضربهم بالرصاص الحي و كان في إمكانه يفرقهم بالمية و بالقنابل المسيلة للدموع حتى ، بس هو فضل يقتل أكبر عدد منهم ، ممكن علشان يرسل رسالة لبقية الشعب لو فكروا يعملوا كدا ! 

- أنا كان ليا زميلة الله يرحمها ، اتقتلت هناك اسمها حبيبة أحمد عبد العزيز 

- لا إله إلا الله .. ربنا يرحمها ، زي ما قولتلك ، شباب زي الورد اتقتلوا في اليوم الأسود دا .

- و رأيك إيه في نظام مبارك ؟

تنهد من أعماقه ثم قال 

- هاقولك إيه يا أستاذ مهدي ، كانت الناس عايشة و الله ! كان هو حرامي و ابن تيت بس الناس كانت عايشة ، كان البنزين رخيص قوي عن أسعاره النهاردة ، كان فيه فقر ، آه كان ممشي البلد كعزبة ليه و لولاده و صحاب ولاده بس الناس كانت عايشة ، و الجنيه كانت له هيبته ، عارف يا أستاذ مهدي ، مبارك مان عنده كاريزمة رئاسة ، يؤسفني و الله إن فيه كثير من الشعب الوقتي بيقوله : و لا يوم من أيامك يا مبارك .. علشان الثورة أصلا قمت علشان ما نقولش في يوم الجملة دي ، بس نعمل إي و نقول إي .. ربك كبير ! 

- عارف يا أستاذ يحيى ، الشعب المغربي ، شعب عاطفي .. بيحب مصر جدا ، و بعد اللي حصل من السيسي في رابعة ، أغلبية الشعب المغربي ، بقى ضده ، ما بيطيقش اسمه حتى ، و حتى لما راج في الإعلام عندنا إن السيسي على وشك زيارة المغربي ، أغلب الشعب ما رحبش بالفكرة .

- و احنا كمان بنحبكم و الله يا أستاذ مهدي ، و هما المسلمين إي غير جسد واحد ، ربنا ينتقم من اللي فرقنا بحدود ! 

كانت السيارة تقترب شيئا فشيئا من مدينة شرم الشيخ ، حتى ظهرت ليعقوب لافتة مكتوب عليها : طور سيناء 100 كيلو فسأل السيد يحيى  ..

- طور سينا  ؟ هنا كلم ربنا موسى عليه السلام ؟

- تمام يا أستاذ مهدي 

انتابت يعقوب قشعريرة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه ، يا إلهي ، ها هو يقترب شيئا فشيئا من الأرض المقدسة ! في هذه الطريق كان يقترب الكليم هو و أسرته من مكان الأرض المقدسة التي كلمه ربه فيها ، أي كرامة من الله بها عليه ، أن جعله يزور أرضه المباركة ؟ أي جمال هذا ، هنا كان موسى يخاطب أهله ، أن امكثوا إني آنست نارا ، لعلي آتيكم منها بقبس شهاب لعلكم تصطلون ! هنا كان يستعد موسى لتلقي الوحي مباشرة من ربه ، و يتوجه إلى فرعون الذي تقبع جثته في متحف القاهرة . يا لها من كرامة و الله ، أن يأتي بك ربك من أقصى المغرب ، إلى أرض سيناء ، لترى أرضى تحمل آثار خطوات النبي موسى و أخيه هارون ...

على بعد دقائق من طور سيناء ، استوقف سيارتهم كمين ثان ، كان يحتوى على دبابة حربية ، و قرابة الخمس مجندين في القوات المسلحة المصرية ، و بعض من بوليس الداخلية ، اقترب مجند من السيارة ، و جول عينيه في يعقوب و أسرته ، ثم خاطب السيد يحيى :

- الرخص لو سمحت 

- اتفضل يا باشا 

- مين اللي معاك ؟

- ناس صحابي هاوصلهم لشرم الشيخ ..

- ممكن لو سمحت بطائقهم |؟

- معاهم جوازاتهم ، دول مش مصريين حضرتك 

- منين طيب ؟ 

رد عليه يعقوب : 

- مغاربة يا باشا ..

- طيب ممكن الجوازات لو سمحت و لو أمكن حجز الأوتيل ؟ 

- آه طبعا اتفضل 

أخذ المجند الرخص و الجوازات و ذهب بها إلى قيادته العليا المباشرة التي تقبع تحت مظلة كبيرة ، و كان أول ما شد انتباه يعقوب ، أن المجندين الشباب كانوا تحت أشعة الشمس المباشرة الحارقة ، أما قيادتهم ، و قيادة الشرطة فكانوا يتمتعون بالظليل تحت مظلة كبيرة و تكييف . مرت دقائق ، فذهب السيد يحيى متسائلا عن الرخص و الجوازات ، فأشار إليه المجند أنه سيأتي بها إليه حينما ينتهي التحقق من الهويات .. و كان كشك صغير يقبع إلى جانب الكمين ، فاستغل يعقوب الفرصة ، و ذهب ليشتري ماء باردا من هناك ، فكان أن تبعه المجند الذي أخذ منه الجوازات ، فبادر يعقوب البائع بقوله : 

هي قزازة الموية بكام يا ريس .. ؟

- خمسة جنيه يا بيه 

- اتفضل هاخد اتنين .. 

فخاطبه المجند قائلا : 

- انتا بتتكلم مصري كإنك مصري بالظبط ، انتا عشت هنا قبل كدا ؟

- لا ، بس ليا صوحاب كثير هنا فمصر ، و باكلمهم كثير فعلشان كدا ..

- جميل ربنا يحفظك ، يا عم مغاربة مصريين جزايريين كلنا اخوات و الله .

لمس يعقوب صدقا كبيرا في قول المجند يدل على طيبة جامحة ، و حب جارف لهذه الأرض ، حب صاف لا يكذب .. ذكره بأجداده الذين قتلا على يد الصهاينة في هذه الأرض و الذين لا تزال عظامهم تشهد على وحشية كيان لا يبعد إلا كيلومترات قليلة عن أرض سيناء المباركة ، فشعر بمقت و حب شديدين في نفس الوقت ، مقت لجيران السوء ، و حب لهذه الأرض ، و بسطائها و مجنديها الشبان الذين يحملون بين أضلهم قلوبا صافية نقية كما اللبن الصافي .

- مش هاتأخر عليك ، شوية و هاجيب الرخص و الجوازات ، أتمنى لك عطلة سعيدة في مصر يا خوي .

- تمام يا ... اسم حضرتك إي ؟

- محمد 

تمام يا أخ محمد ، ربنا يكرمك و يسلمك .

أتى بالرخص و ناوله الجوازات ، و سلم عليه .. ترك هذا اللقاء مع المجند محمد في نفسه أثرا طيبا ، فقد كان يعلم سلفا ، أن المجندين الشباب ، لا علاقة لهم لقيادتهم العليا ، و أنهم يكونون أول ضحايا العمليات الإرهابية ، و أنهم أبعد عن الكبر ، و لكنه تأكد من هذا في ذلك اليوم ..

استمرت الرحلة إلى شرم الشيخ ، و مرت الأميال تترى ، و توقفت بهم السيارة في ثلاثة كمائن للشرطة روتينية ، خمن فيها يعقوب أهمية هذه المدينة بالنسبة للإقتصاد المصري ، و سيعلم فيما بعد السبب الحقيقي وراء هذه الإجراءات المشددة ، كون هذه المدينة مقاما هنيئا للصهاينة و عرب إسرائيل ، و مقام الرئيس السابق محمد حسني مبارك ..

مدينة شرم الشيخ ، التي يطلق عليه اسم : مدينة السلام ، سيكون على موعد فيها مع أول لقاء مباشر بالصهاينة ، و عرب إسرائيل ، الذين يغدق عليهم الكيان بشتى أنواع المكافآت و التحفيزات ، من أجل كسب ولائهم لهذا الكيان اللقيط .


في غد .. مدينة السلام شرم الشيخ 



  • 2

  • يعقوب مهدي
    اشتغل في مجال نُظم المعلومات .. و اعشق التصوير و الكتابة
   نشر في 05 شتنبر 2018 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 2 شهر
مصر أم الدنيا نرجو لها الخير ولكل البلدان المسلمة، عندما تحتك بأي شعب عربي تجد أن اليوميات تتشابه جدا ، طريقة كتابتك تشد القارئ لمتابعة القراءة ، خاطرتك "ما بين السياحة والسياسة " رائعة كمقالاتك السابقة ، بالتوفيق سيدي الكريم .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا