رمضان والبرامج التلفزيونية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رمضان والبرامج التلفزيونية

رمضان والبرامج التلفزيونية

  نشر في 29 ماي 2018  وآخر تعديل بتاريخ 07 يونيو 2018 .

رمضان والبرامج التلفزيونية

في كلّ عام لا يطلّ علينا رمضان إلّا ورافقته رغماً عنه وظلماً له ولأهله عشرات الأعمال الهزيلة البغيضة الّتي تسمّى بـ "الفنيّة" زيفاً وادّعاءاً، الّتي تتسابق القنوات التلفزيونيّة في انتاجها لتثبت بها وجودها وحضورها، والّتي يحشدها منتجوها، ويحشون بها جعبتهم حتى تصبح كالحقيبة المملوءة الّتي تكاد تضيق بما حُشر فيها، فتنبجس ملقية أثقالها ابتداءً من مطلع الشهر الفضيل. أعمال لا يبعث كثير منها إلّا على الغثيان والمقت، تمتلئ بها القنوات التلفزية التي لا تملك في رصيدها أفكارا لها قيمة فنيّة تبثّها لمشاهديها، فتعتاض عن خوائها وفراغها السحيق بتهريج، وأعمال تخرج بها عن إطار الاتّزان واللياقة والتحضَر وتملأها بالهمجية وتنحدر منحطّة بها أيّما انحطاط. لم تكتف هذه الوسائل الإعلامية باستئجار المهرّجين والراقصين الساعين إلى المال بأي ثمن- وإن كان ذلك الثمن كرامتهم وقيمتهم الشخصية واحترام ذواتهم- بل وأوغلت في اللغو المفرغ من كل منفعة وملأت به الآفاق. الإعلام بجميع أنواعه بما في ذلك برامج التلفاز غذاء للفكر، ولك أن تتخيّل أي غذاء فاسد ذلك الّذي يقدمه لك برنامج يملأه اللغو، والهذر والحشو الكلاميّ المتشتّت الّذي لا ربط بين أجزائه ولا تناسق. فهذا لا يرتقي بالنفس، بل يهبط بها. ومن المعروف أن كثرة الهزل والمزاح تجنح بالعقل نحو السفاهة والخفّة. لا غرو أنك اختبرت يوماً تجربة تأثير الإعلام وكيف يترك ما تشاهده على نفسك من أثر، فإنك حين تشاهد برنامجا مملوءاً بالفقرات العلمية، تلاحظ أنّه قد فُتح في عقلك مساراً فكريا يحثك على أن تنظر إلى الأمور نظرة علمية منطقيّة متزنة. وأنك حين تقضي فترة تشاهد فيها برنامجا معدّا للضحك والهزل، فأنك تصبح ميّالاً لأن تعثر على جانب مضحك في كلّ شيء تراه حتّى وإن لم يكن فيه باعث على الضحك. وحين يتراكم ذلك بمرور الزمن يترك أثره الدائم على عقلك ويشكّل في طبيعتك مثل ما أنفقت ساعات لمشاهدته. فالبرامج الّتي تشيع فيها روح المنطق تخلق عندك نظرة منطقية متّزنة للأمور. وعكسها البرامج الّتي تتّسم بالهزل والبعد عن الجدّية، فإنّها تهبط بالعقل إلى مستوى التفاهة. ولست أعني أن ينصرف الإنسان كليّاً عن الضحك وابتغاء الطرف، ولكن أن لا ينغمس فيها إلى الحدّ الّذي يتشبّع فيه بها ويغلّبها على فكرهِ، فتطفئ عنده نور المنطق والفكر المتّزن.

وفي رمضان، تفوّت ساعات هذا الشهر الثمينة التي لا تعوّض في متابعة مهازل تحطّ بالعقل وتنحدر بمستوى التفكير، بدلاً من قضائها في ما ينفع الإنسان من تحصيل أكبر قدر ممكن من ثواب الآخرة.

وإن كانت الشياطين في هذا الشهر الكريم مغلولة، إلّا أنّ القنوات التلفزيونيّة باسطة يديها بجزالة، تبثّ من البرامج ما يعوّض غلّ الشياطين.

وأمجّ نوع من أنواع البرامج التي تعدّ لهذا الشهر، (وهو النوع الّذي دفعني إلى كتابة هذه الكلمات) وهو نوع برامج المقالب، الّذي يجعل الضحيّة الذّي يُعدّ ضيفاً في البرنامج، تحت وطأة ثقل شديد يكون أحياناً مشابها لوطأة مواجهة وحش الموت، وفي أهون الأحيان يجعل الضحيّة في مشهد مهين ضارباً بكرامته عرض الجدار. لك أن تتخيل فتاة في منتهى الرقّة تقع تحت وطأة مجنون يتهدّدها بسكين! ثمّ بعد أن تفقد رباطة جأشها ويصيبها الانهيار وتسقط مغشيّاً عليها، يصفّق الجميع معلنين لها أنّ هذا لم يكن سوى مقلباً! ويخلع الممثل قناع المجنون ليظهر لنا وجهه الّذي هو الآخر ما هو إلّا وجه مجنون، ثمّ يتقمّص شخصيّة الحنون المحدب عليها..

لعلّ قناع المجنون أليق بك أيّها الرجل! لقد كدت تقتلها هلعاً قبل لحظات، والآن أتيت تحنو عليها! فارحمونا يا يا أيّها العاملون في إعداد برامج التلفاز يرحمكم الله، واكفونا تجشّم مئونة مشاهدة برامج المقالب الّتي لا فيها نفع ولا ترتقي بفكر. وأقترح عليكم إن لم يكن عندكم جديد، أن تكتفوا ببرامج تعرض الأدب والشعر والعلوم وألوان الفنون وهي في ضروبها وصنوفها لا تعدّ ولا تحصى ولا تعدم من فائدة، ولا تخلو من سلوى، ولا تحاولوا كسب إعجاب المشاهدين ببرامج الرقص السامج والمقالب البغيضة المهينة للضيف وللمشاهدين، والبرامج الهزليّة المتمادية في الهزل والسخافة، الّتي وإن تضمّنها شيء من الضحك فإن ضرّها أكبر من نفعها كما أسلفنا.

وأخيراً أقول، للّذين يسمَّون ظلماً وغروراً بالفنّانين، إذا كان يقتصر فنّك على ترويع ضيف برنامجك وممارسة -الإرهاب الفنّي- معه باسم الفنّ، أو على إهانته والحط من قدره فاعلم أنك أبعد ما تكون من الفنّ. ولو سُمّيت – مشهوراً فقط- لكان أجدر بك وأليق، فما كلّ مشهور فنّان، ولا كلّ فنّان مشهور. ولعمري إنّه لخير لك أن تظلّ مغموراً على أن تتسلّق سلّم شهرتك المصنوع من إدخال الرعب على قلوب الناس وترويعهم، فلبئس السلّم سلمك، ولسرعان ما سيهوي بك فتنقلب الأمور عليك ويعافك الناس وتُمحى من ذاكرة الزمن. وتحيّة كبيرة أبعث بها إلى الفنّانين الحقيقيّين من الشعراء المجيدين والرسّامين والمعماريّين وغيرهم من أرباب الفنون الحقيقيّة الّذين وهبهم الله قدرات ما إن يبدوها حتى يأخذوا بلبّ سامعها أو رائيها إلى عالم من الراحة والسموّ والجلال والّلذة الفكريّة والفنيّة. وشتّان بينهم وبين مدّعي الفنّ ممّن سمّيناهم ظلماً وعدواناً فنّانين.


  • 4

   نشر في 29 ماي 2018  وآخر تعديل بتاريخ 07 يونيو 2018 .

التعليقات

creator writer منذ 2 أسبوع
رائع ما كتبته اخ علي ،لكن يا ليتهم يفهمون أو يعون بسذاجة ما يقدمون وبخطورة برامجهم ومسلسلاتهم ، فهم ويا للأسف يزدادون حماقة في كل عام ,,
0
علي العربي
المشكلة أن الكثير من الناس يصفّقون مؤيّدين لهذا النوع من البرامج، والمشكلة الأكبر تكمن في أن ضحايا هذه البرامج يوافقون على بثّ الحلقات لقاء مبلغ زهيد من المال، ولو أنهم رفضوا بثّها لفشلت واضطر أصحابها إلى التوقف عن انتاجها. شكراً لتعليقكم. دمتم في أمان الله.
فوزية لهلال منذ 3 أسبوع
أحسنت سيدي..أجدت العزف على الوتر الحساس..أشفيت غليلي بتطرقك لبرامج المقالب،وقد أبدعت في ذلك فعلا فشكرا لك
4
علي العربي
شكراً لك أخت فوزية، أسعدتني كلماتك. دمت بخير.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا