الفن الأسطوري المباغت - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الفن الأسطوري المباغت

خلود يستعصى علي النسيان في قصة] حارس البحر [ للأديب / محمد الراوي

  نشر في 07 مارس 2015 .

دراسة نقدية

الفن الأسطوري المباغت

خلود يستعصى علي النسيان

في

قصة] حارس البحر [

للأديب / محمد الراوي

بقلم / حسن غريب أحمد

عضو اتحاد كتاب مصر

الكاتب / محمد الراوي صوت أدبي كبير قادم من السويس يفجر إبداعات روائية وقصصية جديدة ومذهلة ، فإلى جانب ما في هذه التكوينات القصصية من دقة السرد القصصي الذي يقودك إلى عضوية الحكواتى ، والراوي في الميثولوجيا الأسطورية والشعبية ، إلا أنك تشعر معها أنها تلقائية ماكرة تستوعب في خبرتها صنعة الفنون وحرفيتها00

أقول ذلك بعد ما سبق أن شرفت بعمل دراسة أدبية متواضعة عن روايته الرائعة " تل القلزم" ثم أجزم مؤكداً قولي بعد ما تصفحت مجلة " الحياة الثقافية " التونيسية العدد 99 نوفمبر 1998م

ووجدت بها قصة طويلة ((حارس البحر )) وشعرت من خلالها أننى أمام كاتب قدير ومتميز من خلال هذا النص (( حارس البحر )) المتفرد في متخيله وأشكاله وصوغه 00 نص أسطوري يعرف كيف يجذب القارئ له ويخفى ملامح سلالته الروائية البعيدة ، حتى ليغمرنا شعور ، بأننا أمام بداية لا سالفا لها أو أمام نهاية تعرف دائماً كيف تبدأ ، من ليل سحري غير مدلل إلا بقوة التجربة في الحياة والكتابة معا ، الأثر الأسطوري قوى غير أننا عندما نريد البحث عن مصادره لا نكاد نعثر على علامة في البحر ، إن ما كان شبه مستحيل من وجهة نظر نظريات النص الحديثة يبدو أقرب إلى الإنجاز السحري في هذه القصة 00 نقصد هذه البداية الشعرية التي تكاد تكون مطلقة والتي دشنها الكاتب/ محمد الراوي في قصته الأسطورية (( حارس البحر )) 0

ثم بعد مضى سنتان من نشر القصة في مجلة الحياة الثقافية التونيسية 00 ففوجئت في العدد 100 لسنة 2000 بمجلة القصة المصرية تزدان بذات القصة (( حارس البحر )) 0

لقد ترك(( محمد الراوي )) في هذه القصة (( حارس البحر )) الحرية والخيال لذاكرته فبدأت من البداية حينما كان الكون كتلة واحدة تمتزج وتتداخل فيه كل الأشياء والأحياء00 يومها كانت الفنون جميعاً فناً واحداً فيه الشعر والرقص والغناء والفنون التشكيلية والمسرح في إطار من الحكى أو القص0 يومها كان الفن والدين واللغة والسمر الأسطورة والإنسان كوناً واحداً0

ومن هذا الكون الواحد المتحد استخرج (( محمد الراوي )) أمام مخلوقاته وكائناته وتكويناته القصصية 0

مخلوقات (( محمد الراوي )) في قصته (( حارس البحر )) وفي غيرها مخلوقات أسطورية واقعية عملاقة تمتلك الزمان والمكان لأنها ببساطة شديدة تجاوزت الزمن والمكان ، وأصبحت ذاكرة حرة تستدعى متى شاءت كل الأصوات وكل العصور في تداخل يتحدى كل المقدرات المنطقية 0

إنها مخلوقات أسطورية قفزت من عصور ما قبل التاريخ عندما كان الوعي واللاوعى شيئاً واحداً ، وكان الواقع والخيال امتداداً في حركة دائرية ومن ثم تحرك في واقعنا اليومي فبدت نماذج لشخصيته الوجودية التي نراها في أعمال أمثال فرجينا وولف وفرا نز كفكا وأرنست همنجواى 00نماذج لشخصيات تحيا الوجود بعبثية ماكرة وساخرة في آن معا ، شعارها مقولة (( سارتر )) 0

" إذا كانت كل الطرق تقود إلى الموت ، فلايهم أي الطرق نختار لنلقى فيها بنشاطنا وفعاليتنا"… لكنى أرى أن هذه الوجودية التي تبدو ملامحها في قصة (( حارس البحر )) 0 لمحمد الراوي ، هي الأخرى وجودية تلقائية فطرية ، فهي تتحرك بمنطلق عضوي لا تحدده معالم فلسفات وجودية أو غيرها 0

ومن الطبيعي ـ لهذه المخلوقات ـ وعلى النحو الذي قدمناه ـ أن تكون تمثلا للاوعى المجموع ، ولذلك فهي لا تقدم واقعها الداخل فحسب على نحو ما تفعل شخصيات القصص الوجودي ، وإنما تقدم الوجدان الجماعي لرحلة الحياة البحرية الأسطورية من خلال خيال مدرك وصوري وخصب يرتكز على ذاكرة وحشيته ومأساوية في بعض الأحيان داخل النص وكذلك على خبرة حيايتة واسعة جداً 0

** هــذا هـو جســدي الذي لا أملك غيره**

خــذه وأطــوه فــي أعمــاقــك00

خذني عارياً بلا كفن

واهباً لك كل ما أمـلكه في هذا العالم جســدى00

ما دمت ترضى 00 لكنك لن ترضى0

]حارس البحر [

(( لم أبرح حجرتي ، ولم أفتح نافذتي 0 نظرت إليه خلال الزجاج ، كان هناك دائماً يصلني صوته عبر الجدران ، يضرب الأرض بقوة لينسحب فوقها بكامل عنفوانه وهو يزمجر ، ثم يعاود هجومه واعتلاءه الأرض ليجرف معه في كل مرة ما يستطيع أن يحصل عليه ليطويه في أعماقه 0))

من خلال هذه المخلوقات يقدم (( محمد الراوي)) عالما يقوم على فانتازيا الواقع العبثى ، وهو عالم يقوم على التقابل الضدى غير التوقع حيث يتحول الهام إلى عرضي والمأ سوى إلى كوميدي ساخر والانتظام إلى فوضى , هكذا يبدأ عالمه القصصي في التحرك ، فيبدو وكأنه عالم واقعي محدود محصور منتظم ، فإذا تحرك قليلاً هالك مكوناته التحولية ( تونة ـ الجسد ـ البحر ـ الحصان ) التي تتحرك نحو فانتازيا عبثية ترقص فيها الكلمات والصور على إيقاعات وحشية 0

وتلعب اللغة الشعرية دوراً رئيسياً في هذه القصة (( حارس البحر )) فالكاتب يعتمد على الطاقة السحرية للكلمة واللغة الشعرية فيحشد عدداً من هذه الصور السحرية ويقذف بها بجسده في تعويذة لطقوس مقدسه للبحر ، فهي طقوس الوجود الإنساني على نحو ما رأينا في المقطع السابق وما سنراه في المقطع التالي :

(( كنت حافياً ـ أدوس بقدمي على الرمال الرطبة ، متلقياً في صدري هواءه الرطب ذا الرائحة النفاذة ، كانت الأضواء الخافية والأنفاس الساخنة تتسلل من النوافذ المغلقة المنتشرة حول الشاطئ 00 نوافذ مستديرة أو هي صغيرة بشكل ما ، غاصت في الرمال المدكوكة هناك على مقربة من حافة البحر المترجرجة ، بينها وبين البحر قوارب صغيرة مقيدة إلى الأرض بأوتاد من الحبال وسلاسل الحديد وأخشاب مطلية بالقار وأكوام هائلة من النفايات وبقايا الأشياء المستعملة التي تخلص منها البحر فحملتها أمواجه إلى الشاطئ 00 بعضها ما زال ملقى فوق الرمال والبعض الأخر مطموراً فيها لا يظهر منه إلا القليل كأنها جزء من نتوءات الشاطئ وصخوره)) وتحرك هذه المخلوقات داخل نص (( حارس البحر )) مع عالمها في تكوينات رائعة الأداء تعود بالقصة إلى أوج عصورها الأولى ، يوم أن اجتمعت كل الفنون في شكل واحد 0 فمع أن السرد القصصي ببنائه المألوف وحرفياته الأساسية هو أساس هذه التكوينات إلا أننا نرى فنون الشعر والسحرية والموسيقى تتحرك داخل هذه البنية السردية إلى جانب الفنون المستحدثة الأخيرة وهى فن الصورة السينمائية التسجيلية والتليفزيونية ليقدم لنا ( محمد الراوي ) بناء سردياً ممتعا له خصوصيته مع أنه يجمع كل الفنون0

لقد رأينا في الجزء الذي ذكرناه من قصة (( حارس البحر )) كيف يحرك (( محمد الراوي )) لغته في شاعرية إيحائية مركزة ومكثفة ، ترتكز على الخاصية الصورية التي تستدعى وتثير أكثر من أن تكون مجرد علاقة مادية بين دال ومدلول 0 ويعتمد البناء السردي في تكوينات (( محمد الراوي )) على حرفية تشكيلية في تقديم تكوينات وبورتريهات مصورة بأساليب متنوعة ، فهي تارة تكوينات أسطورية سريالية ، وتارة تكوينات تأثيرية وتارة تكوينات تكعيبية وتشكل التكوينات السريالية أغلب صور تكوينات (( محمد الراوي )) داخل النص (( حارس البحر )) وغالباً ما تجمع بين وحشية فان جوخ وطبيعية سلفادور دالي وكابوسية بيكاسو0

وفى المقطع التالي نرى أن للارتفاع والألحان دورها في التكوينات داخل النص 0 ((حاولت أن أنفذ ببصري خلال الضباب ، ولكني لم أسمع سوى صوت العدو السريع نحوى ، فيما صار الضباب أكثر بياضاً ثم أكثر قتامة ، ثم أنشق عن هيكل الحصان الانسيابي العظيم كمخلوق خرافي ، هابطاً إلى الحياة دفعة واحدة ومكتملاً بخطمه وفتحتي أنفه المرتعدتين وهما تزفران هواء أبيض …عبر من أمامي كما الطيف مخلفاً في وجهي دفقة من الهواء الرطب وهزة الأرض و ذرات من الرمال المبللة بماء البحر 00 كان حصاناً أسود ، ومن خلال الضباب وقرب المسافة رأيتها فوق ظهره بلا ملابس عارية الجسد إلا من وشاح صغير يلتف حول عنقها الطويل وشعرها محلول يتطاير من خلفها كشعلة متقدة يدفعها الهواء عكس اتجاه الحصان الذي يعدو بها على الشاطئ 00 لا تكاد سيقانه تلامس الرمال))0

كما ذكرت أن الإيقاع واللحن في هذه القصة دور في تكويناتها التي قدمها (( محمد الراوي )) فالقصة عبارة عن بناء شعري لحنى متواز أحيانا ومتداخل أحيانا ومتصادم في بناء آخر 00 وتتعدد الأصوات داخل هذا البناء الإيقاعي اللحني 00 نستطيع أن نميز بينها بالأذن المدربة على الرغم من اتساقها الهارموني 00 ويوظف الكاتب حرفيات فنون عرض الصورة المرئية المسموعة بتقنياتها المتعددة في بنائه السردي معتمداً على حركة الكادر و الزوم والمشهد المتسع ولغة السيناريو الذي يسمح بعرض أكثر من لقطة داخل مشهد واحد كما يسمح بالتحكم في المشهد بالتغير والتضخيم وبتراكيب المشاهد المتراكمة في إطار واحد 0

سيظل (( محمد الراوي )) قيمة مضيئة وعلامة بارزة على طريق القصة المصرية العربية تلهم وتومئ إلى دروب لم تبلها الأقدام بعد 00 ويحسب له هنا هو الشكل المبتكر الأسطوري لقصته(( حارس البحر )) وتعدد أساليب السرد في منظومة تمثل مرحلة أخرى جديدة في حياته الإبداعية تضاف إلى قصصه ورواياته الأخرى0

]الهوامش[

1 ـ روبرت همفرى (( تيار الوعي الرواية الحديثة ))

ترجمة محمود الربيعي ط 2 القاهرة دار المعارف 1975 م ص 5

2 ـ أحمد على مرسى (( الزمان والإنسان في الأدب الشعبي المصري )) مجلة الفنون الشعبية ـ القاهرة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ع 28 يناير ـ مارس 1987 ص 68 ـ 69

3 ـ دكتور مصطفى الضبع (( استراتيجية المكان )) القاهرة ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة أكتوبر 1998 م ص 121

4 ـ بدوى عثمان (( بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ ط بيروت ـ دار الحداثة لطباعة والنشر والتوزيع 1986 م ص 155              



   نشر في 07 مارس 2015 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا