الحاجة بيليساريوس! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحاجة بيليساريوس!

نص أدبي فني

  نشر في 13 فبراير 2019 .

أيتها الشمطاء الشاعث، لا تتدني إلى أبنية الحكومةِ تتلمسي صدقةَ قُصَّادِها على عتباتِها .. أتطمعينَ بأحدِ مرتاديها وقد التفّت عليه أشتاتُ الضجرِ والجزع في الداخل عطفاً يجودُ به عليكِ في الخارج؟!

أيتها الغبية بيضاء الرأسِ، إنِّي أكادُ أتفلُ ؛فأحرِقُ من فرطِ جموح غيظي! وإنِّي لو قصدتُ ما بين عيني؛ فلن أقصده إلا بما استملكني من زِفاف اللعنِ والطعنِ رجماً بالحنق!

أيتُها التي لا تفهم، كيف تقصدين الحاقدين في فُسحةِ رحماتِهم إليكِ وقد ضاقت عليهم صدورهم بهم؟!

إنِّي أكادُ أخرج من حوانيت الحكومة سكراناً بالغضب، وإذا كانت خمرُ الحوانيت العادية تُفيقُ في المرء بدائع عوالم متعةٍ لاحسية، فإنَّ روتين حوانيت الحكومة يجعلُ مجرتعه يرى كل العوالم كشواظ نارِ جحيمٍ متَّقِد هو مُسعِّرُه!

اللوحة للرسام الفرنسي جاك لوي دافيد - رائد الكلاسيكية الجديدة - بعنوان ( بيليساريوس يطلب الصدقة)

BELISARIUS BEGGING FOR ALMS

بيليساريوس كان جنرال عسكري مرموق في الدولة الرومانية الشرقية ( القرن السادس ) وكان له إسهامات كثيرة لصالح البيزنطية .. إلا أن النهاية كانت فاجعة له عندما تم اتهامه بالمؤامرة فجُرِّد من كل التشاريف وأُفتلِعت عيناه ، وجُعل في مصاف الشحاذين وقد صوره كثير من الرسامين وأحد أشهر هؤلاء جاك دافيد.

اللوحة ملأى بالتفاصيل والإسقاطات، حيث جاك لوي دافيد كان رجل دقة من الطراز الأول، يعني مثلاً انظر لمنتصف اللوحة، تجده يتشكل من ثلاثة أيادٍ ، يدٌ تتوسل، ويدٌ تمنح، ويدٌ تستقبل .. وثلاثتُها في مستوى أفقى يدلُّ على الضعف والهشاشة والشفقة (شعورٌ فاتر، أي ليس ذو حرارة )، في حين أنَّ الجندي في الخلف ( كأنه أحد جنوده وتفاجأ به وبما آل إليه حاله ) ينصبُ ذراعيه عمودياً دهشةً وإذا أخذت في الاعتبار جنديته فهذه العمودية أليقُ به ( العمودي حاد قوي قائم غير منكسر).

وفي الخلف، أبعد من الجندي على الأسوار تجد بعض المشرأبيين يتطلعون بعناء إلى داخل هذا الحرم المنحوت بأُبهة فاخرة ( كأنهم يريدون أن يشاهدوا بيليساريوس الشحاذ الذي كان أحد مشاهير الدولة)

الصندوق بجانب بيليساريوس مكتوبٌ عليه: "أعطِ بيليساريوس صدقة"

"Date obolum Belisario", which means "Give alms to Belisarius"

وهذا تعبيراً عن انعدام حيلة الرجل وأن قوته في طلب الرزق ذهبت لما ذهبت عنه عيناه!

والأبيض الذي يزدان به الصغير، لون ملائكي يعبِّر عن طهارة الأطفال من الخطايا.

وبنية بيليساريوس الضخمة وهو جالس توضح منزلته بين الناس إذا وقف ( لأنه سيكون أطول الشخصيات المصورة في الصورة).

والعصا بجواره ( رغم وجود الطفل في رفقته ) تدلُّ على أنَّ الطفل غير كافٍ للدلالة لحداثة السنِّ وقلة العيش.

والجندي تبتعد يداه عن موضع السلاح كأنه نسيَ أنه جندي - أو كأنه في وضع المستسلم!

جائت اللوحة في الطراز المعماري القديم ( اليوناني ) بألوان وأسلوب الكلاسيكية الجديدة (القرن الثامن عشر) هذه عبقرية جاك لوي دافيد



  • طارق عوف
    مدون حر مستقل .. من مواليد 1994م تخرج في كلية إدارة الأعمال - قسم انجليزي - بجامعة القاهرة .. محب للأدب والفلسفة واللغات والفنون. "لم يكنْ ليُعرف الأدب لولا قلةُ الأدب"
   نشر في 13 فبراير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا