يوسف العزري - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يوسف العزري

  نشر في 13 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 14 يناير 2018 .

مهداة إلى مجانين قريتي وما أكثرهم...


 ككلّ غريب في تلك الديار، ومن منّا لم يكن فيها من الغرباء، لم نكن نعرف عنه الشيء الكثير. كنّا قد أقمنا هناك قبله بسنوات، بالضبط سنة بعد خروج فرانصا من تراب تونس. كان الناس يتقاطرون في السنين الأولى للاستقلال على القرى المنجمية بحثا عن الشغل القار. نأتي من بين فقراء الجريد والفراشيش وماجر والزغالمة وأولاد عيّار فنسكن القرابى (les gourbis) المحيطة بالفيلاج من ناحيتي الشرق والغرب. وسرعان ما يقبل بعضنا ببعض فنتعارف ونتزاور ونتصادق ونتعاشر.
في المينة، يزول الحذر من الآخر بمجرّد أن تزول الكلفة. وتزول الكلفة أوّلا بين الرّجال تحت الدّاموس في سياق العمل. يحتاج العمّال إلى المزاح والتشاكس والتآزر ليتغلّبوا على الخوف وعلى قساوة العمل عشرات الأمتار تحت الأرض. يذهبون إلى الدّاموس مع بعض فيالقَ مترجّلة ويؤوبون منه كذلك. يمرّون وراء بيتنا وأسمع وقع خطاهم وصدى أحاديثهم فأتطلّع من وراء النافذة المطلّة على سكّة القطار لأراهم يمشون في أزيائهم الزرقاء الموحّدة وخوذاتهم على رؤوسهم وهم يتحادثون رافعين أدوات عملهم فوق أكتافهم فيبدون لي كجنود عائدين أو ذاهبين إلى الجبهة حاملين بنادقهم. يتحلّقون داخل الدّاموس حول الطعام ليتقاسموا ما جلبوه من ديارهم. زوجة فلان أمهر النساء في الطبيخ، وزوجة علاّن تخبط خبط عشواء. لا ينتظر الأطفال وأمّهاتهم أن تنتقل إليهم عدوى الألفة التي تنشأ بين الرجال في المنجم. فغالبا ما يكون الأطفال قد تعارفوا أثناء اللعب في بطحاء الحي، والنساء قد تبادلن الزيارات.
ولأنّه كان أعزب، فقد أقام يوسف العزري عند حلوله بالمينة في تلك البيوت القصديرية التي أقامتها شركة الفسفاط في سفح الهضبة الفاصلة بين الحي العمّالي والمنجم، وخصّصتها لإسكان العمّال العزّاب الذين كانت تستقدمهم من شمال البلاد الغربي. كانت هناك سكّة حديد هرمة تفصل بين بيوت العزّاب القصديرية ومنازل أسر العمّال. وعلى تلك السكّة كان يعبر القطار بطيئا محمّلا بالتراب الأسود الناعم الذي يتساقط على جنبات العربات المتهادية كطابور من فرسان البحر. كان القطار يطلق صفّارته المبحوحة لتنبيهنا نحن الأطفال فيبدو كتمساح عجوز يتثاءب. تتزلزل لمروره جدران البيوت وأرضياتها. ولكنّنا كنّا نواصل اللعب حذو سكتّه غير مبالين بالخطر الدّاهم. كان بعضنا يضع تحت عجلات القطار ملاعق صغيرة ليحوّلها بعد مروره فوقها إلى ما يشبه آلات البناء اليدوية، وكان الأشقياء منّا يضعون في طريق القطار مكعبات حديدية أو حجارة صوّانية لمحاولة قلبه أو إخراجه عن السكّة، ويختفون وراء كثبان الفسفاط كالفلاّقة يراقبون ما سيحصل. وقد نجحوا في قلب القطار أكثر من مرّة، فتمايلت عرباته قبل أن تتهاوى كفيل هرم أصابه رصاص قنّاص وهم يتصايحون هاربين كالهنود الحمر.

كنا ونحن نلعب بجانب سكة الحديد، نرى العزارى يغسلون ثيابهم وينشرونها على صفائح الزنك التي تشكّل جدران بيوتهم القصديرية. ولم تكن تفوتنا تلك الإشارات والتحيات التي يتبادلونها مع بعض صبايا الحي العمّالي. 
لم يكن يحرّكنا في التصدّي لتلك العلاقات الناشئة بين صبايانا والعزارى الحرص على شرف بناتنا. كنّا نريدهم أن يدركوا فقط أنّنا فطنون ولا يمكن استغفالنا... يوسف هو الوحيد الذي نجح في اختراقنا لأنّه كان يعيد لنا الكرة لمّا تتخطّـــى حاجز السكّة باتجاه البيوت القصديرية بمهارة لافتــة. ولست أدري كيف استقرّت لدينا فكرة أنّه كان لاعبا مشهورا بنادي الدّهماني قريته  في الشمال الغربي. كان يوسف يقترب من حاجز السكّة كلّ يوم خطوة إضافية، حتّى دعوناه إلى تحكيم مقابلاتنا، ثمّ صار يأخذ مكانه للّعب معنا كلّما كان عددنا عند القسمة فرديا فنضطر إلى إلحاقه بالفريق الناقص.
"يوسف العزري جن، يوسف العزري جن" هذا ما تبيّناه من الجلبة الواصلة إلينا أصداؤها من وراء نافذة القاعة المشرعة بمدرسة الحي العمّالي. لزمت مكاني وظللت أمدّ عنقي القصيرة متطلّعا من وراء النافذة. لكن فتحي وعامر هرولا خارج القاعة غير عابئين بصراخ سي الطرابلسي الذي كان يدعوهما إلى ملازمة القاعة. وقد شجّع ذلك البقية كي تلتحق بالجموع الماشية وراء يوسف وهو يتقدّمها بمترين وسط الشارع  شاقّا ثيابه على مستوى الصدر، نافشا شعره، مردّدا كلاما غير مفهوم والزبد يتطاير من شفتيه وفي عينيه الحمراوين استقرّ شرر منذر بارتكاب أبشع الأعمال...   
كان يمشي باتجاه ثمّ يعود القهقرى، ونحن وراءه نفرّ ثمّ نعيد التجمهر في موكب ضاج، بعضنا يرميه بالحجارة أحيانا أو يجذب سترته الزرقاء حينا آخر... كان الكبار يحاولون صرفنا عنه وثنيه باحتشام وحذر عن الاستمرار في تمزيق ثيابه مخافة أن ينتهي به الأمر إلى خلع كامل ملابسه، وكان بعضهم يطالب بإخطار مركز الحرس الوطني...
ظللنا على تلك الحال ساعة أو يزيد، حتّى رأينا أحد زملائه من العزارى يرمي عليه حبلا ويلفه حوله حتى أوقعه أرضا وهو يحرّك ساقيه مثيرا الغبار كالثور المذبوح.
ماذا حصل ليوسف العزري الوسيم الوديع حتى يحصل له فجأة ما حصل؟ روايات كثيرة ومتضاربة شاعت بين الناس حول أسباب جنونه حتّى تاهوا بينها واحتاروا أيّها يصدّقون...
بعد ثلاثين سنة، أجدني جالسا إلى طاولة في بهو مقهى بديع يطلّ على ساحة فسيحة بسوق قرية الدهماني بعدما قدّمت محاضرة عن الترغيب في المطالعة بالمكتبة العمومية... يقف أمامي رجل حافي القدمين، يرتدي قشّابية بالية، أشعث الشعر، كثيف اللحية، متّسخ الأظافر ويتمتم طالبا سيغارو.... أنتفض في مكاني مذعورا كمن أفاق من كابوس مزعج. ذات الكلام غير المفهوم، ذات الزبد المتطاير من شفتي يوسف العزري يوم جنّ، ذات الشرر في العينين الحمراوين المنذر بارتكاب أبشع الأعمال... إنّه يوسف العزري. يثبّت علي نظراته وأبادله نفس النظرة... أنا متأكّد أنّه تعرّف علي. ولكنّه لا يرغب في الحديث إليّ....


  • 1

   نشر في 13 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 14 يناير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا