ظلمة العمى تخنقني يا أمي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ظلمة العمى تخنقني يا أمي

لسان حال الكفيف...

  نشر في 21 فبراير 2015 .

أي أمي ما الحياة؟ وما هو شكل الحياة؟ هل ترون ما أرى؟ أم تشعرون بما قال لي الورى؟ قالوا عني ضرير مسكين حزين أسير. ما الذي فعلته حتى استصغروني؟ وما الذي جنيته حتى همشوني؟

نعم أنا لا أبصر، ولا أفرق بين الكتاب والدفتر. ولا أستطيع أن ألعب كالأطفال، ولا أن أبصر صولة الخيّال. لكن لا زال عندي خَيال، بل أفضل من الخَيال، عندي بصيرة راسية مثل الجبال. تسموا بي فوق الأحلام والآمال، فلا أحتاج حينها لسماع ما يقال: ضرير مسكين حزين أسير.

ما الفائدة من وجودك بيننا؟ هذه الكلمات أقرأها في عيونهم التي لا أراها، كأنني أحسها في نبرات أصواتهم التي أسمعها. وأحسها أيضاً في عاطفتهم الزائفة ومعوناتهم الجارحة. كثيرٌ منهم يُدير وجهه حين يحدثني، ويعطيني ظهره حين يلقاني. كأني لا أُميز أصواتهم ولا أقرأ لسان حالهم: ضرير مسكين حزين أسير.

ظلمة العمى تخنقني يا أمي، حينما أردت خطبة ابنة قريبنا العفيفة، ردني أبوها بأدب بارد كأنما كان يرسل لي خطابًا من فوق برجه العاجي: نحن لا نستقبل أصحاب الأحوال الضعيفة. وحينما أردت أن أكمل تعليمي في الجامعة، وحينما تمنيت واهماً أن لي مكاناً في هذه الأراضي الشاسعة، فقال لي الموظف حينها بعذر واهي: لا نستطيع أن نلبي "احتياجاتك الخاصة". فلكأنما سمعت صوت الجدران من حولي: ضرير مسكين حزين أسير.

أنا حقاً إنسان، له خواطر ومشاعر وكيان، وله قلب خافق وأحلام وأحزان. أنا لم أُخلق لكي أعيش على الهامش، ولم أكن عبداً لأحدٍ في يوم من الأيام. لكن مع مرور اللحظات والأيام والأعوام. أحسست بأنني سجين الظلمة، وقتيل الوحدة، أتعطش للأنس وأتوق لكي تتم ملاحظتي. لكن ماذا يفعل من قيدته قلوب البشر، مع أنه لم يكيد لأي مخلوق بِشر، أستعطف الإنسان فما نَفَرَ ولا بَشَرَ. وإنما صرخ بوجهي: ضرير مسكين حزين أسير.

حينما تصلك رسالتي، ستكونين قد عَلمتي حينئذ أنني قد فارقت حياتي. أنا لم أكن يوماً بامتناني لكِ ناكراً أو بحبي لك بخيلاً. فلا تسمحي لهم أن يقولوا عني إنني قد غدوت قتيلاً، أو إنني قد استعجلت الموت فانتحرت مجهولاً. نعم، لقد حاولوا أن يتحكموا بحياتي حتى نجحوا، لكنهم سوف لن يتحكموا بمماتي ولو فعلوا، لأن قلبي قد تحول كالصخرة الوحيدة التي على جرف الجبل التي أكتب رسالتي لكِ من على ظهرها.

إذا سمعتِ أن أحدهم قال عني: ضرير مسكين حزين أسير، فقولي له: بل مبصراً غنياً سعيداً حراً.

- محمد السعدون.


  • 7

   نشر في 21 فبراير 2015 .

التعليقات

Boxehamza Boxe منذ 11 شهر
قال تعالى إنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمى الغلوب التى في الصدور
0
billy the kid منذ 11 شهر
هناك من لديه عينان ولكنه اعمى وهناك من هو اعمى ولكنه بصير .. البصر بصيرة الروح .
0
Heba Hamdy منذ 11 شهر
رائعة..وموجعة في ان واحد
0
Ahmad Morad منذ 1 سنة
رائع . و العمى الحقيقي عمى القلب و ليس البصر .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا