عندنا وعندهم... كيدٌ أم قيد؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عندنا وعندهم... كيدٌ أم قيد؟

بنت مخاض الحدث...خاطرة!!

  نشر في 28 ديسمبر 2018 .

عندنا وعندهم.... كيدٌ أم قيد؟

لأسبوعين مضيَا قُمتُ بدورةٍ مكثَّفةٍ في إحدَى الجامعاتِ الأمريكيَّةِ عبرَ الإنترنت:

(Write Professional Emails in English by Georgia Institute of Technology)

«كتابةُ الإيميل بشكلٍ احترافي باللُّغة الإنكليزيةِ»

وكان منَ المفتَرَضِ أنَّ الدَّورةَ مقسَّمةٌ إلى أربعةَ عشرَ ساعة على خمسةِ أسابيع، شعَرتُ أنَّ الأمرَ بسيطٌ بالنسبةِ إليَّ، فاستَسَغتُ أن أجمعَها جميعًا في أسبوعٍ واحدٍ لضيق الوقتِ، حضَرتُ المحاضرَاتِ وقرأتُ الموَادَ واجتَزْتُ الاختباراتِ الخمسَ عندَ تمامِ الأسبوعِ الأوَّلِ؛ والبَسمَةُ تملئُ خاطري.

البارحةَ ليلًا أفاجئُ ببريدٍ منهُم أنَّ الأمورَ لم تسِر على مايرام، وخيَّروني بين إعادَةِ الدَّورَة كاملةً أو استِكمَالها وأنَّ الوقتَ المتاحَ لذلك هو ولادةُ السنةِ الجديدةِ وحسْب.

دارَتْ عجلةُ الذاكرَةِ إلى الوراءِ بسرعةٍ أتصفَّحُ باحثًا!! ما ثمَّ مشكلةٌ!! وبسَطتُ شطرنجَ المرَاحلِ سابقًا بخُطوَةٍ، لأكتَشفَ خيَانةَ بيدقٍ غَمْرٍ قتَلَ الوزيرَ - والسببُ أنَّ الدورَةَ مترجمةٌ لأكثرَ من أحدَ عشرَ لسانًا ليس العربيُّ من بَينِهم- ففَاتَني اشتراطُهم شرطَ أساسٍ؛ وهو أنْ أعرِضَ مشروعًا لكُلِّ أسبوعٍ من الأسابيعِ الخَمسَةِ على ثلاثةٍ من الطُّلابِ في نَفسِ الجامعَةِ مختَلِفِي المشاربِ مُتَنَوِعِي الثقافةِ متفَاوِتي الدرجةِ العلميةِ ليقيِّمُوا عملي (Review)، وكذا وَاجبي أن أبحثَ عن ثلاثَةٍ منَ الزملاء أمثَالُهم لأُقيِّم أعمالَهم بنفس الطريقةِ التي اتبعوها أولئكَ معي.

 ثمَّ تَخرُجُ درجَتي النهائيةُ - بعد الامتحاناتِ الخَمسِ التي اجتَزْتُها في أسبوعِيَ الأول- حسْبَ تَقييم الطلابِ لما قدَّمتهُ وتَعليقَاتهِم عليه، وحَسْبَ فهميَ الصحيحَ لمادَّةِ الدَّورةِ من خلالِ تقييمِي لعملِهِم وتعليقَاتِي على ماقدَّموهُ. 

ثم يُرفع كلُّ ذلكَ للجنَةٍ مختصَّةٍ فإن تحقَّقَ ما أرَادُوه، نِلتُ ما أردْتُ وهو الشهادة الموثَّقةُ من قِبَلهم.

كلُّ تلكَ الأمورِ والتفاصيلِ العمليةِ المهمَّةِ كانت في دورَةٍ صغيرةٍ بسيطةٍ لاتتجاوَزُ أربعةَ عشرَ ساعةً، في رُكنٍ صغيرٍ من إحدَى زوايا العِلم، لاتَزيدُكَ في العلمِ شيئًا بقَدْرِ ماتَزينُكَ في نَاظِرَي من يَقرأ رسالتكَ عبرَ البريدِ الإلكتروني بمُختَلفِ أنواعِ المتَلَقِّينَ لخِطابِكَ سواءٌ كانوا جهةً أكاديميةً أو مهنيةً أو حكوميةً أو أشخاصًا مهمينَ أو غير مهمينَ. والسببُ أن هذه الدورة تَخرجُ من جامعةٍ عريقةٍ تحترِمُ اسمَها المرقومَ على الشهادةِ المعطاةِ لروَّادها قبلَ أن تلتفتَ لأيِّ شيءٍ آخرَ؛ بل وتَسعى إليكَ قبلَ أنْ تسعَى إليها لتَسبِرَ خِبرَتكَ وتَستخرجَ خفيَّاتِ مَعرفَتِكَ حتى إذا صِرتَ إلى ماصرتَ إليهِ انتسَبَت إليك وانتَسَبْتَ إليها.

جلستُ منذُ البارحةِ ليلًا إلى اليومِ ظهرًا أُرقِّع عملي حتى اكتَملَ، وفي كلِّ خطوةٍ أخطوها كانت تَستحضِرني صورُ أخيلَةٍ لبعضِ الأشخاصِ الذينَ أعرِفهم همُ اليومَ في بعضِ المؤسساتِ المرمُوقةِ، أو مِمَّن لايَسمحُ لأحدٍ بمخاطبَتِهِ إلا بعدَ وضعِ علامةِ (د.) قبلَ اسمِهِ، ولرُبَّما لو سألْتهُ مسألةً لن يستطيعَ تحريرَهَا.

كانت مُهمَّتُهُ في يومٍ ما أن يَحرِمَ -مشكورًا- قاعاتِ الكليَّةِ ومقاعدَ الدَّرسِ كَذِبَ ناصيتِهِ وسوءَ طالعِهِ، ثمَّ في آخر كلِّ فصلٍ يَرمي بثِقل الأجوِبَةِ المشترَاةِ على وَرَقَةِ الامتحانِ كمَن يَحملُ الأسفارَ...

ولعلِّي أرجع البصرَ كرَّة تلوَ الكرَّةِ فلا أجِدُني ألومُهُ أو لا أحمِّله هموم منظومة تشتق اسمها زورًا من العِلمِ «منظومةُ التَّعليمِ»، فماهوَ إلا لبنةً من صَرحٍ كبيرٍ أنتَجَ أضغاثًا وحقائقَ، بَعضُهم يمكثُ في الأرضِ وكثيرُهُم يَذهبُ جُفاءً، لاينفَعُ نفسَهُ ولاغيرَهُ لا بمخبَرِهِ ولابمحبرِهِ.

ولستُ هَهنَا أكيل المدحَ لمعهَدِ جورجيا للتكنولوجيا -صاحبِ الدَّورةِ- وأمثالهِ فعُملَةُ الطَّبلِ والزَّمرِ عندَهُم سهمُهَا أحمرٌ دائمًا غَير رائجةٍ إلا بينَ البلادِ العربيةِ، ولستُ أيضًا كالمستَلَبينَ، منسلِخِي الهويَّةِ، النَّاقمين على أبناءِ جلدَتهِم أكثرَ من نَقمِهِم على جلَّادِهِم،  يَفقِدُونَ ثقتهم ببوصلَةٍ لطالمَا هدَتْهم سواءَ السبيلِ عندَ الاشتبَاهِ بأوَّلِ سرابٍ.

وإنَّما يَطرقُ سَمعِيَ همهَمَاتُ أنفَاسِ الطَّامحينَ فأُحدِّثُ صرُوفَ الدَّهر عن صُورِ تصرُفاتِهَا.

لأسمَع جوابًا من هنا يدعُوني جهلًا للتَّمسكِ بنظريةِ المؤامرةِ، وآخَرُ من هناكَ يُطرِيني سرًّا على قرَارِ المغامَرَةِ!!

وهذا هو الفرقُ بينَنَا وبينَهُم.. بينَ كَيدٍ مأثورٍ وقَيدٍ مكسُورٍ.


  • 4

   نشر في 28 ديسمبر 2018 .

التعليقات

محمود بشارة منذ 3 أسبوع
لاتَزيدُكَ في العلمِ شيئًا بقَدْرِ ماتَزينُكَ في نَاظِرَي من يَقرأ رسالتكَ عبرَ البريدِ الإلكتروني بمُختَلفِ أنواعِ المتَلَقِّينَ لخِطابِكَ سواءٌ كانوا جهةً أكاديميةً أو مهنيةً أو حكوميةً أو أشخاصًا مهمينَ أو غير مهمينَ.
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا