حُلْم (ليستر سيتي) الذي أصبح حقيقةً .. عندما يُولَدُ النجاح من رَحِمِ الفشل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حُلْم (ليستر سيتي) الذي أصبح حقيقةً .. عندما يُولَدُ النجاح من رَحِمِ الفشل

الأسباب والدروس المستفادة

  نشر في 07 ماي 2016 .

"نحن نعيش قصةً رائعةً وسنواصل الحلم حتى النهاية .. ضغوط؟! .. نحن لا نضع أنفسنا تحت أي ضغوط .. فقط دعونا نحلم، فنحن لا نريد سوى الاستمتاع بما نعمل".

هكذا كان تصريح المدرب الإيطالي (كلاوديو رانييري) مدرب الفريق الأول لكرة القدم بنادي (ليستر سيتي) الإنجليزي بعد انتصاف مسابقة الدوري الإنجليزي الممتاز (البريميرليج) لهذا العام – في ديسمبر 2015 - وهو في صدارة الترتيب العام للمسابقة الأعرق على ظهر البسيطة .. اجتذبتني كلماته القليلة المليئة بالأمل والتي عبَّر بها عن حلمه وحلم الفريق المغمور الذي يدربه .. لم أكن أتابع مباريات هذا الفريق حتى لحظة هذا التصريح، فقد كنت من المؤيدين لفكرة أن صدارتهم لجدول المسابقة لن تكون إلا صحوةً طارئةً سرعان ما ستخبو مع الوقت ليُفسِحوا المجال لأباطرة الفرق الإنجليزية صاحبة الأمجاد والبطولات والصيت والغِنَى؛ مثل (مانشستر يونايتد) و(مانشستر سيتي) و(أرسنال) و(تشيلسي)، خاصةً وأن (ليستر) ليس من الفرق صاحبة البطولات رغم مشاركاته التي بلغت 48 مشاركةً خلال 132 عامًا، لم يفز فيها بالبطولة على الإطلاق .. كنتُ أتابع منذ بداية الموسم مباريات الفرق الكبيرة فقط حتى بَدَأْتُ في الانتباه إلى هذا الفريق الصغير الذي يعمل دون ضجةٍ ودون صخبٍ إعلاميّ .. بدأتُ أتابع مبارياته وتصريحات مدربه ولاعبيه .. بدأتُ في التعرف تدريجيًا على أسماء لاعبي الفريق وحِفظها .. تعاطفتُ مع مغامرتهم الجريئة غير التقليدية وشجَّعتهم بحماسٍ وتمنيتُ فوزهم باللقب .. قررتُ أن أقوم بدراسة هذا الفريق ومتابعته وتحليل تجربته المثيرة .. ليس تحليلاً من المنظور الكرويّ، فما أكثر استوديوهات التحليل الكروية التي أَسْهَبَتْ واستفاضت في دراسة النواحي الخططية والتكتيكية لطريقة اللعب، ولكنه تحليلٌ من منظور كونها تجربةٌ إنسانيةٌ ناجحةٌ ومُلهِمةٌ تستحق التأمل، وكونها نموذجٌ يُحْتَذَى به في العمل الجماعي المتكامل؛ وذلك لاستخلاص الدروس المستفادة من أجل محاولة التعلم منها وتنمية الخبرات على المستوى الشخصي وعلى مستوى العمل الجماعي.

قبل بداية الموسم .. كل الطرق تؤدي إلى الفشل

تجمَّعتْ كل العوامل السلبية قبل بداية الموسم لتصنع هالةً من الإحباط وعدم الثقة حول الأداء المتوقع لفريق (ليستر سيتي) .. لم يتوقع خبراءُ كرة القدم بشأنهم أبعد من الصمود والبقاء – بكثيرٍ من العناء – ضمن أندية الدوري الممتاز وعدم الهبوط للدرجة الأولى مثلما حدث في الموسم المنصرم 2014/2015 عندما عانوا للنجاة من الهبوط بأعجوبةٍ .. حتى عندما تعاقد المالك التايلاندي للنادي مع المدرب الإيطالي (كلاوديو رانييري) – صاحب الخمسة والستين عامًا - قبل بداية الموسم، كان أقصى طموحه ألا يهبط الفريق في نهاية الموسم لدوري الدرجة الأولى، حتى أنه كتب شرطًا للتحفيز في عقد المدرب ينص على أنه في حالة نجاحه في الحصول على المركز السابع عشر - وهو آخر مركزٍ في جدول المسابقة يتيح لصاحبه البقاء ضمن أندية الدوري في الموسم الذي يليه – فإنه سيمنح المدرب مكافأةً قدرها 100 ألف جنيهًا إسترلينيًا، ومثلها لكل مركزٍ أعلى من المركز السابع عشر .. لم يكن مالك النادي يتخيل أن مدربه الجديد سيحصل لناديه على المركز الأول ويفوز بالبطولة وأن مكافأة المدرب ستتضاعف سبعة عشر ضعفًا لتكون مليونًا وسبعمائة ألف جنيهًا إسترلينيًا بخلاف مكافأة الفوز بالبطولة والتي تُقَدَّر بثمانية ملايين جنيهًا إسترلينيًا.

حتى المراهنون لم يضعوا ثقتهم في الفريق للدرجة التي جعلت احتمال تتويجه باللقب في مكاتب المراهنات الرسمية لا يتعدى واحد من خمسة آلاف !.

وعلى صعيد صفقات اللاعبين دعَّم مالك النادي الفريق بعشرة لاعبين كلفوا خزينة النادي 22 مليون جنيهًا إسترلينيًا فقط، وهو رقمٌ ضئيلٌ للغاية إذا ما قارناه بصفقات باقي أندية الدوري .. ولتقريب الصورة يكفي أن نعلم أن نادي (مانشستر يونايتد) قد دعَّم صفوفه قبل بداية الموسم باللاعب الفرنسي (أنتونيو مارسيال) منتقلاً من نادي موناكو الفرنسي في صفقة بلغت قيمتها ما يعادل 65 مليون جنيهًا إسترلينيًا (أي ثلاثة أضعاف ما دفعه نادي ليستر سيتي لشراء عشرة لاعبين دفعة واحدة) !.

وقد تم تقدير القيمة التسويقية لجميع لاعبي (ليستر) قبل بداية الموسم الحالي بنحو 70 مليون جنيهًا إسترلينيًا فقط، وهو ما جعله يحتل المركز السادس عشر من أصل عشرين ناديًا هي عدد أندية الدوري الإنجليزي الممتاز (تبلغ القيمة التسويقية للاعبي نادي تشيلسي حامل لقب بطولة دوري 2014/2015 نحو 380 مليون جنيهًا إسترلينيًا).

كيف يمكن أن يُولَد النجاح من رحم كل هذا الفشل ؟!

هذا هو السؤال الذي ظل يشغل ذهني منذ أن بدأت أتابع فريق (ليستر سيتي)، وظللت أبحث كثيرًا من أجل الحصول على إجاباتٍ شافيةٍ له طيلة الشهور الأربعة الماضية وحتى اكتمال "معجزة ليستر" – كما أطلقت عليها الصحافة الإنجليزية – بتتويجهم رسميًا يوم الإثنين الماضي الموافق للثاني من شهر مايو بلقب "البريميرليج" أقوى دوري لكرة القدم في العالم، وذلك إِثْرَ تعادل منافسه الوحيد (توتنهام هوتسبير) مع حامل اللقب (تشيلسي) بنتيجة (2-2) واتساع فارق النقاط بينهما لسبع نقاطٍ قبل جولتين من انتهاء المسابقة.

وقد حاولتُ وضع يدي على عوامل تحقيق هذا النجاح الباهر لفريق العمل لـ(ليستر سيتي) من خلال الأسباب التالية:

1- عدم الاستسلام لليأس في أحلك الظروف، وبذل العرق حتى آخر نَفَسٍ:

يقول الكاتب البرازيلي (باولو كويليو) في رائعته (الخيميائي): "إن أحلك اللحظات هي تلك التي تسبق بالضبط شروق الشمس" .. وهو ما ينطبق تمامًا على رحلة فريق (ليستر سيتي) من الفشل إلى النجاح .. ففي عام 2012 كان (ليستر سيتي) فريقًا مغمورًا لا يلتفت إليه أحدٌ، يلعب في دوري الدرجة الثانية الإنجليزي .. في عام 2013 صعد ليلعب في دوري الدرجة الأولى وأبلى بلاءً حسنًا ليصعد في نهاية الموسم إلى الدوري الإنجليزي الممتاز .. في الموسم الماضي 2014/2015 وقبل نهاية المسابقة بتسعة أسابيع، كان فريق (ليستر) يقبع في قاع جدول المسابقة .. ظن الجميع أن (ليستر) قد ودَّع الدوري وأن مبارياته التسع الباقية قد أصبحت مجرد تحصيل حاصلٍ، فماذا حدث؟ .. تعاهدوا على بذل أقصى جهدهم ولعبوا المباريات التسع بروحٍ وإصرارٍ وعزيمةٍ كأنهم يلعبون من أجل الحصول على اللقب .. بعد انتهاء المباريات التسع كان الفريق قد تمكَّن من حصد اثنتين وعشرين نقطةٍ نتاج الفوز في سبع مباريات والتعادل في مباراةٍ والهزيمة في مثلها، ليصعد الفريق ستة مراكز في جدول ترتيب الفِرَق ويُنهِي المسابقة وهو في المركز الرابع عشر !.. لقد فعلوها ونجحوا في البقاء وسط الكبار، ليستكملوا المسيرة في الموسم الحالي ويتوِّجوا جهودهم بنيل اللقب لأول مرةٍ في تاريخهم.

2- معرفة القائد لإمكانات أفراد فريق العمل وتوظيفها التوظيف الأمثل:

استطاع (رانييري) مدرب فريق (ليستر) التعرف على إمكانات كل لاعبٍ من لاعبي فريقه معرفةً تامةً في وقتٍ قصيرٍ، مما ساعده في توظيف هذه الإمكانات التوظيف الأمثل .. فعلى الرغم من أن لاعبي الفريق ليسوا من الأسماء المشهورة التي تعرفها جماهير كرة القدم، وعلى الرغم من أنهم ليسوا الأفضل بين أقرانهم في الفِرق الأخرى، إلا أن (رانييري) نجح أن يجعل كل لاعبٍ يُخْرِج أفضل ما لديه من طاقاتٍ إبداعيةٍ داخل البساط الأخضر.

يقول (رانييري): "ما يهمني كمدرب هو أن أستطيع أن أُخرِج الأفضل من فريقي .. وقد قلت للاعبين منذ اليوم الأول أنني سأتحدث عن كرة القدم بين الحين والآخر، وليس دائمًا، طالما أعطيتموني كل ذرة أداءٍ تملكونها".

3- غَرْسُ القائد للثقةِ في نفوس أفراد فريق العمل:

بعد فوز (ليستر سيتي) في إحدى مباريات دوري هذا الموسم، سُئِل (رانييري) في المؤتمر الصحفي الذي يعقب اللقاء عن سر الأداء الرائع والمستوى المتميز لفريقه، فأجاب: "أعتقد أن لديَّ 24 نجمًا .. بل إن لديَّ 24 قيصرًا، وهذا هو مصدر قوَّتنا" .. وقال في مناسبةٍ أخرى: "في رأيي أن الشيء الأهم الذي يجب أن يتوفر في المدرب الجيد هو أن يستطيع أن يبني فريقًا حول شخصيات لاعبيه، لذا قلت للاعبين إنني أثق فيهم إلى أبعد الحدود ولن أتحدث معهم كثيرًا عن التكتيك، فكل ما أريده منهم أن يثقوا في أنفسهم وبعد ذلك فليركضوا" .. هكذا يمكننا أن ندرك أن القائد الذي يغرس الثقة والحماس في نفوس مرؤوسيه سيجد منهم إبداعًا وإخلاصًا في عملهم؛ ليحصد في نهاية الأمر النجاح والتميز.

4- العمل من أجل الوصول إلى هدفٍ مُحَدَّدٍ، وتقسيمه إلى أهدافٍ صغيرةٍ:

كان (رانييري) مُدْرِكًا منذ اللحظة الأولى لتدريبه فريق (ليستر) أن لاعبيه يفتقدون إلى الخبرة اللازمة لتحقيق هدفٍ عظيمٍ مثل الحصول على لقب الدوري الإنجليزي من بين أنياب عمالقة الدوري المعروفين .. لم يكن من الممكن أن يقول لهم في أول تدريبٍ لهم: يا شباب .. إن هدفنا هو الحصول على بطولة الدوري ! .. كان سيخسرهم بكل تأكيدٍ قبل أن يبدأ معهم المشوار الطويل لأنه كان سيجعلهم يلعبون تحت ضغطٍ عصبي لن يتحملوه .. لذا فقد كان يملك من الذكاء الكافي لكي يُقَسِّم هذا الهدف البعيد المنال إلى مجموعة من الأهداف الصغيرة التي يمكن أن يستوعب هؤلاء اللاعبون إمكانية تحقيقها الواحد تلو الآخر .. لذا سنجد أن تصريحاته في بداية البطولة كانت تتسم بالعقلانية .. "أأمل فقط في البقاء بفريقي في الدوري الممتاز .. سأكون سعيدًا إذا وصلنا إلى النقطة رقم 40" .. قبل انتهاء عام 2015 بيومين وبعد المباراة التاسعة عشرة، كان (ليستر) قد حقق 39 نقطةً ضَمِنَ بها البقاء في الدوري، بالإضافة إلى تصدُّره لجدول المسابقة .. "عندما أتيت إلى هنا طَلَبَ مني مالك النادي الحصول على 24 نقطةً بحلول عيد الميلاد .. حصلنا على 37 أو 39 نقطة .. لا أستطيع حتى أن أتذكر على كم نقطةٍ حصلنا .. حتى الآن نحن في الصدارة وهذا شيءٌ جيدٌ".

تحقق الهدف الأول وجاء الوقت للتخطيط للهدف الذي يليه .. لم يطلب (رانييري) في هذا التوقيت من لاعبيه أن يَسْعَوْا إلى تحقيق لقب البطولة .. "أنا لست المرشح للقب .. عامةً دعونا نحلم ونستمتع بما نعمل .. هدفي الآن هو أن نُنْهِي الموسم ونحن ضِمْنَ المراكز الخمسة الأولى حتى نضمن المشاركة في بطولة الدوري الأوروبي على الأقل" .. حينما سُئِلَ هدَّاف الفريق (جيمي فاردي) عن شعوره وفريقه متصدِّرٌ، قال: "نحن نستمتع بالرحلة".

قبل خمس جولاتٍ من انتهاء المسابقة، ظل (ليستر) محافظًا على صدارته يلاحقه المنافس المجتهد الآخر (توتنهام هوتسبير) بفارق سبع نقاطٍ .. حقق ثاني الأهداف بعدما ضَمِنَ التواجد ضِمْنَ المراكز الخمسة الأولى .. "نحن لم نُحقق شيئًا حتى الآن .. ما زلنا بعيدين عن اللقب وعلينا أن نُرَكِّزَ في المباريات الخمسة المتبقية من أجل الفوز بلقب البريميرليج" .. كانت هذه هي اللحظة المناسبة للعمل من أجل الهدف الأكبر وإيصال الرسالة إلى لاعبيه بطريقةٍ مباشرةٍ .. "استنفروا كل الحماس الذي بداخلكم .. ففرصةٌ كهذه لن تتاح لنا مجددًا".

بعدها فاز الفريق في مباراةٍ وتعادل في اثنتين وحافَظَ – قبل جولتين من نهاية المسابقة - على فارق النقاط السبع بينه وبين منافسه (توتنهام هوتسبير) .. كان هذا يعني بلغة الحساب والأرقام أن الهدف الأكبر قد تحقق وأن (ليستر سيتي) قد أصبح رسميًا بطلاً للدوري الإنجليزي.

5- العلاقة الإنسانية بين القائد وأفراد فريقه خارج إطار العمل:

لم تكن العلاقة بين (رانييري) ولاعبي فريقه علاقة مدربٍ بلاعبيه داخل الملعب، بل كان (رانييري) أخًا أكبر لهم خارج الملعب وكان حريصًا على التواصل مع لاعبيه خارج العمل ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم وحل مشكلاتهم.

في المباريات التسع الأولى بالبطولة، تلقت شِباك الفريق أهدافًا في كل المباريات .. فكَّر (رانييري) في خَلْق حافزٍ غير تقليدي للاعبيه كي يكونوا حريصين على حماية مرماهم من تَلَقِّي المزيد من الأهداف .. قال لهم في المران الأخير قبل المباراة العاشرة: "عِدوني أنكم ستحرصون على عدم دخول أي هدفٍ في مرمانا أمام (كريستال بالاس) .. لو استطعنا تحقيق ذلك سنخرج جميعًا بعد المباراة لنأكل البيتزا سويًّا على حسابي" .. فاز (ليستر) بالمباراة بنتيجة (1-0) .. كان (رانييري) سعيدًا وهو يجلس مع لاعبيه بعد المباراة في أحد مطاعم البيتزا بمدينة (ليستر) بعدما أوفوا بوعدهم له بعدم دخول أي هدفٍ في مرماهم.

6- الشعور بالمسئولية والعمل من أجل مصلحة الفريق:

من المهم أن يعمل جميع أفراد الفريق الواحد من أجل مصلحة الفريق ككل وتنحية المصلحة الشخصية جانبًا .. وقد أكَّد (رانييري) على هذا المعنى في إحدى تصريحاته التي قال فيها: "هنا في (ليستر) الكل يشعر أنه مشاركٌ، لذلك إن لَعِبَ أحدهم بطريقةٍ سيئةٍ فهذا يعني أنه يَخُونُ زملاءه .. بالتأكيد لديهم كامل الحرية، لكنهم يدركون أن لديهم عملاً ومسئوليةً، وهم يستمتعون بذلك".

7- الحب والاحترام بين أفراد فريق العمل:

عندما يُسَجِّلُ أي لاعبٍ بفريق (ليستر) هدفًا، يمكن للمشاهد أن يلاحظ تلك الروح الجميلة التي تحيط باللاعبين وجهازهم التدريبي بقيادة (رانييري) أثناء التعبير عن فرحتهم .. وهذا يعكس الحب والاحترام المتبادل بين الجميع، ويعكس كذلك حبهم للعمل الذي يقومون به .. يقول (رانييري): "(ليستر) هو ما كنت أبحث عنه دائمًا .. بعضٌ من كرة القدم ممزوجةٌ بالانتباه لهدفٍ مُعَيَّنٍ .. لا أحد منا يظن أنه يعمل فقط من أجل كسب لقمة العيش وإلا كنا سنستيقظ كل يومٍ مُتْعَبِين .. إن عَكَسْنا الأمور وعِشنا لنعمل، فعلينا أن نعطي معنىً لما نفعل".

بعدما تأكد فوز (ليستر) بالبطولة، صرَّح (رانييري) قائلاً: "أنا فخورٌ للغاية وسعيدٌ من أجل لاعبيَّ ورئيس النادي والطاقم التدريبي في (ليستر سيتي) وللجماهير ومجتمعنا بالكامل .. إنه شعورٌ رائعٌ وأنا سعيدٌ للجميع .. اللاعبون كانوا رائعين للغاية .. تركيزهم وتحديد المهام وروحهم جعلت المستحيل ممكنًا .. كل مباراةٍ كانوا يقاتلون، وأنا أحب أن أرى ذلك في لاعبي فريقي .. لقد استحقوا اللقب عن جدارةٍ".

بعد حصول (رياض مِحرز) على جائزة أحسن لاعبٍ في الدوري الإنجليزي – كأول لاعبٍ أفريقي وعربي وثاني لاعبٍ من خارج أوروبا بعد (سواريز) - لم ينسب الفضل لنفسه عندما قال:  "بدون زملائي لما حَصَدتُ هذه الجائزة .. ولهذا فإنهم يستحقون أن أقول لهم: شكرًا".

8- تجاهُل مُصَدِّرِي الإحباط:

ما أكثر الأشخاص الذين يثبطون العزائم ويُصَدِّرون روح اليأس والإحباط لمن حولهم ويقللون من شأن ما يفعله الآخرون .. هؤلاء لا بد من تجاهلهم تمامًا ومواصلة العمل دون الالتفات إليهم .. فلو ركَّزنا مع كل كلمةٍ تصدر منهم، فلن يستمر العمل بنجاحٍ .. بالنسبة لفريق (ليستر سيتي) كانت الصحافة الإنجليزية هي مُصَدِّر الإحباط الأول لهم مع كل كبوةٍ عابرةٍ .. فبعد تَلَقِّي الفريق أول الهزائم في سابع مبارياته (5-2) أمام (أرسنال)، قالت الصحف الإنجليزية أن (ليستر) سيبدأ في العودة للخلف وأن مغامرة (رانييري) ستنتهي بأسرع مما كان يتصوَّر الجميع .. لم يلتفت الفريق لهذا الكلام المُحْبِط ولم يخسروا على مدار عشرة مبارياتٍ تاليةٍ .. ثم جاءت الهزيمة الثانية (1-0) أمام (ليفربول)، فعادت الصحف الإنجليزية لتشغيل أسطوانة الإحباط وراحت تؤكد أن (ليستر سيتي) لن يتمكن من حسم لقب الدوري وسيكتفي فقط بالتأهل إلى الدوري الأوروبي .. استمر الفريق في العمل الجاد ولم يخسر في سبع مباريات متتالية إلى أن تَلَقَّى الهزيمة الثالثة (2-1) أمام (أرسنال) مجددًا، فراحت الصحف الإنجليزية تتحدث بأن (ليستر) سيتعثر ولن يكون طويل النَفَس وربما يفقد صدارته قبل انتهاء البطولة .. واصل الفريق عدم الخسارة لعشرة مبارياتٍ تاليةٍ .. وفي النهاية .. (ليستر سيتي) هو البطل.

منذ أعوامٍ قال أحد المدربين عن (رياض مِحرز) أنه لاعبٌ ضعيف البنية وبطيء جدًا لكي يصبح لاعب كرةٍ محترفٍ .. لو كان (مِحرز) قد التفت إلى هذا الكلام لما كان اليوم أفضل لاعبٍ محترفٍ في الدوري الإنجليزي.

بعد التأكد من فوز الفريق باللقب، أعاد (رانييري) الاعتبار للاعبيه عندما قال عنهم: "ما تحقق هو انتصارٌ للاعبين اعتبرتهم الأندية الكبيرة صغار القامة أو بطيئين ولم تتعاقد معهم .. ما حصل مع لاعبي (ليستر) يمنح الأمل لكل لاعبٍ يُقال له بأنه لا يملك المستوى الكافي لكي يبدع في مجاله".

حتى على مستوى محللي وخبراء كرة القدم، ظل أغلبهم يُقَلِّلون من شأن الفريق ويتوقعون أن سقوطه ما هو إلا مسألة وقتٍ لا أكثر .. فها هو (أحمد حسام ميدو) – مُحلل كروي في أكبر شبكةٍ رياضيةٍ عربيةٍ – يراهن بأن (ليستر) سيسقط عاجلاً أم آجلاً ولن يفوز بالبطولة، ولو حدث ذلك سيحلق شَعْرَ رأسه (على الزيرو) في الاستوديو على الهواء أمام المشاهدين .. فاز (ليستر) باللقب يوم الإثنين الماضي، وسنستمعُ بحَلْقِ (ميدو) لشَعْرِ رأسه على الهواء - اليوم السبت - بينما (ليستر) يحتفل باللقب في مباراته أمام (إيفرتون).

في الختام .. هي تجربةٌ مُلْهِمةٌ تستحق الاحترام .. تجربةٌ تعطي الأمل لكل من يظن نفسه ضعيفًا فاشلاً لا يملك المؤهلات والإمكانات لمنافسة الأقوياء .. قصةُ نجاحٍ لقائدٍ عظيمٍ صَنَعَ من فريقه أسطورةً وأيقونةً للإخلاص في العمل سيُخلِّدها التاريخ .. قصةُ كفاحٍ وعَرَقٍ وجَهْدٍ تستحق التأمل واستخلاص الدروس المستفادة منها .. مغامرةٌ جريئةٌ تؤكد مقولة الكاتب البرازيلي (باولو كويليو): "عندما تريد شيئًا بإخلاصٍ فإن العالم كله سيتكاتف لتحقيق رغبتك".

حدِّدْ هدفك في هذه الحياة وَاعملْ مُخْلِصًا لكي تحققه .. واتَّخِذْ من (معجزة ليستر) والدروس المُستَخلَصة منها دليلاً لك خلال رحلتك في سبيل تحقيق هذا الهدف.



  • 3

   نشر في 07 ماي 2016 .

التعليقات

مقال رائع رائع، وإسقاطات جميلة، خروجًا من الحالة الخاصّة المُهِمَّة إلى الأهمّ وهو محاولة تعميمها وبثّها في نفوس الناس.

تحيّاتي على المقالة الرائعة!
0
Amin Almitwaliy منذ 7 شهر
مقال فى غاية الروعة والجمال وجهد أكثر من رائع بالتوفيق يا رائع
0
Islam Elbakry
شكرا على قراءتك وتعليقك المهذب على المقال

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا