الشبح - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الشبح

قصة قصيرة

  نشر في 21 يوليوز 2016 .

الشبح

*********

منذ اللحظة الأولى التي خطوت فيها عتبة ذلك المنزل , لم أشعر بالراحة , حاولت إقامة علاقة ودية معه , لكني لم أنجح في ذلك يوما , مرت الشهور وحالة النفور منه لم تغادرني .

ربما السبب يعود لكونه غير مكتمل البناء , كان شبيها ببيوت الرعب التي تصفها القصص , والتي لم أجرأ يوما على مشاهدتها عبر شاشة التلفاز .

لا أعلم لم يهوى البعض مشاهدة تلك الأفلام , وفي حياتنا الكثير منها , ربما أصبح لدى البعض منا مرض رؤية سفك الدماء بأبشع صورها ليخفف عن نفسه من وطأة بشاعة الواقع الذي نعيشه , لكني أحمد الله بأني لم أكن منهم , بل كنت ممن يحبون الهدوء والرومانسية , فهي مريحة للأعصاب أكثر من زخم القتل والتنكيل .

مع مرور الأيام بدأ شعور غريب يراودني في ليالي ذلك المنزل الموحش , كنت أسمع أصواتا لا أعرف كنهها , والحقيقة أنها كانت تخيفني , لكني لم أجرأ على البوح لأحد عنها , حاولت أن أصرف تفكيري بعيدا عنها , لكنها ظلت تلازمني كل ليلة , حتى قررت الشكوى لزوجي , ولم أنل سوى الإستهزاء الذي جعلني أصمت لأيام أخرى . حتى أصبت ذات ليلة بحالة من الرعب الشديد .

لقد رأيته , كان هناك فعلا !مصدرا للصوت , لم أتبن ملامحه فقد عدا سريعا,

ثم اختفى في العتمة , أيقظت زوجي أخبره بما رأيت , فطلب مني أن أزيل هذه الأوهام من رأسي قبل أن تصيبني بالجنون . وهذا ما فعلت , لكن المشهد تكرر بعد أيام قليلة , كنت موقنة بأني أراه , يمر كما لمح البصر ,فلا أستطيع تحديد ملامحه , وصار الأمر يتكرر في أغلب الليالي بعد أن يغفو الجميع , حتى أني قررت أن أتخلى عن عادة السهر وأحاول النوم في وقت مبكر , لكني ما نجحت في ذلك , فقررت ألا أعير للأمر انتباها .

صرت أراه كل ليلة , ولم يره غيري ,فلم يلاحقني أنا بالذات , لم ينتظر خلودهم للنوم ويظهر لي أنا بالذات؟

أصبح الأمر مزعجا جدا , خاصة أني كنت أشكو لمن حولي فلا يصدقني أحد . بدأت أفكر في مصادقته , فربما أقلب حالة الرعب لحالة من الود بيني وبينه . لكن ما حدث تلك الليلة فاق احتمالي .

كانت الساعة قد تعدت الواحدة صباحا , وأنا أجلس بالقرب من المدفأة أقرأ كتابا كما اعتدت . فجأة انتفضت من مكاني , لقد شعرت به يلمس أصابع قدمي , بل لقد رأيته قريبا جدا مني , صرخت , رغم أني ومنذ صغري كنت أصاب بالخرس والشلل إن أصبت بحالة من الرعب .

أما هذه المرة فقد كنت مصابة بالهلع .

استيقظ أفراد الأسرة على صوت صراخي , أخبرتهم من بين دموعي ما حدث , كنت أتحدث وجسدي يرتجف كما عصفور صغير وقع في بركة ماء , أحضر لي زوجي كوبا من الماء , وأخبرني بأنه سيبحث عنه , وهذا ما فعل , بحث عنه طويلا لكنه لم يجد شيئا , فأصابه الغضب , ونعتني بالجنون , وقرر أن يترك المنزل تلك الليلة بعد أن أثرت أعصابه .

بقيت وحيدة وأطفالي , وذلك الشبح اللعين , ماذا سأفعل إن ظهر ثانية , ماذا سأفعل إن قرر مهاجمتي , وقد تركني زوجي وحيدة معه ؟!

استجمعت قواي الخائرة , وقررت النوم وصغاري الذين أصيبوا بالذعر , لكن ككل مرة , لم أستطع أن أغفو لحظة .

شعرت بالعطش الشديد , فذهبت مرغمة لاحتساء كوب من الماء , وليتني ما ذهبت , كان هناك وكأنه يتربص بي ويتحداني .

للحظة شعرت أن المنزل يحمل لي كرها كما بادلته كرهي فقرر الإنتقام مني بارسال أحد الأشباح لي لأغادره دون عودة .

للحظة شعرت أني أصبت بالجنون حقا , فكيف لمنزل من حجارة وإسمنت أن يفكر ويشعر , وهل حقيقة هي الأشباح؟ وانا التي لم تؤمن بها يوما ,

وكان لابد لي من التصرف حيال هذا الأمر ,فإما أثبت للجميع صدق رؤياي ,وإما أقتنع أخيرا بأني مصابة بالجنون حقا .

كان ابني الكبير مستيقظا , وقد شاهد حالة الهلع التي كنت بها , فاغرورقت عيناي بالدموع , وأنا أحاول اقناعه بأني لست مجنونة وأن ما أراه حقيقة . لكنه ربت على كتفي , مطمئنا أياي بأنه يصدقني , وأنه سيظل ساهرا معي حتى نجده سويا , قلت له : وإن شعر بوجودك ولم يظهر؟

ابتسم قائلا : لا عليك أمي , سننتظره غدا , سأسهر معك كل ليلة فأنا أحب الجلوس إليك .

جاءت كلماته كما البلسم على قلبي , صحيح أنه ربما أراد التسرية عني , وربما أنه لم يصدق بوجوده لحظة , لكنه جعلني أشعر بالأمان , وبأني الآن أستطيع هزيمة ذلك الدخيل .

بقينا ساهرين حتى وقت متأخر , كنت منهمكة بالقراءة بينما هو يشاهد التلفاز , وإذ به يقفز من مكانه : أمي !! لقد رأيته , نعم ,, رأيته ,, لقد اختبأ في المطبخ حين رآني !!

شعرت بالذعر يتسلل إلى أطرافي حتى كاد أن يصيبها بالشلل . لكني في هذه المرة استجمعت كل ما أوتيت من قوة وقررت هزيمته , فقد بات حقيقة الآن لا محض خيال نسجته أفكاري , هناك من رآه غيري , فلا بد أن نمسكه ونثبت للجميع صدق أقوالي .

دخلنا إلى المطبخ متسلحين بعصا وفردة حذاء , ولم نكن نعلم ماالذي سنفعله , أو إذا كان بالإمكان التغلب عليه .

الآن صار في قبضتنا , لا نحن من في قبضته .

كنا نراه يعدو بسرعة مختبئا خلف الموقد حينا , وخلف خزائن المطبخ حينا آخر , الآن حان دوره هو ليعيش الرعب الذي أذاقني إياه على مدى أسابيع طويلة حاصرناه في إحدى الزوايا بعد مطاردة حامية , كنا نضرب دون أن نعلم إن كنا أصبناه أم لا .

فجأة توقف عن الحركة , فصرخت فرحا كمن انتصر في معركة حامية الوطيس , نعم , أصبناه في مقتل , هو الآن جثة هامدة لا تتحرك , جسد لا شبح .

تبادلنا النظرات أنا وابني , وأصبنا بالضحك الهستيري , فقد كان الشبح فأرا , حجمه بحجم كف اليد .

شعرت بالراحة تغمرني , لا لأنه لم يكن شبحا , ولا لإني قتلته , بل لأني استطعت إثبات أني ما كنت مجنونة , وربما في داخلي شعرت بالانتصار على ذلك المنزل الذي تحداني لكرهي له بارسال شبح يطردني منه ...



  • 2

   نشر في 21 يوليوز 2016 .

التعليقات

عمرو يسري منذ 4 شهر
القصة على بساطتها إلا أنها تحوي درساً هاماً , و هو عندما يشكي إليك أحد الناس أمراً قد يبدو غريباً لا تتهمه بالتفاهه أو الجنون بل إستمع إليه بإنصات و حاول أن تسايره فيما يقول و تتفاعل معه حتى لا يشعر أنه منبوذ من الجميع و بذلك تكون قد ساعدته في التعامل مع هذا الأمر الذي يريبه .
قصة جميلة بالتوفيق .
1
قمر بدران
نعم صحيح، فمثل هذا الأمر قد يصيبه بالاحباط ويدفعه للعزلة، والخطورة الأكبر تكمن لو استمرينا بتجاهل طفل صغير، فإن ذلك قد يدمره ويقضي على شخصيته في المستقبل.
أسعدني جدا مرورك ورأيك صديقي.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا