"دائرة التحريم" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

"دائرة التحريم"

عودة

  نشر في 15 يونيو 2016 .

"بأية قدمٍ أخرج ؟" وضج الضحك.. أربعة أعوامٍ كاملة في عالمٍ بأقلّ المقومات, لا الأحلام أحلام, ولا الأفكار في مسارٍ عقلاني, ولا الحياة تشبه الحياة. هذه الخطوة الأولى خارج الخط الأسود القاتم, خارج الحدود, خارج الحرمان والشبهة.

تنطلق بهم السيارة نحو دمشق العاصمة, للمرة الأولى منذ أربع سنوات, يصبح العساكر, القتلة حيث كانوا, أكثر إنسانيةً ولطفاً ورهافةً هنا, عند السوق الأكثر ازدحاماً تتركهم سيارتهم لينطلقوا في شرايين دمشق القديمة.. تبدأ العين استيعاب أن التحريم ينتهي هنا, ثم تتبعها الحواس, خطوة خطوتان, العالم ملك اليد, لا شيء ممنوع, لا شيء مفقود, ما تشتهيه تجده, وما تحلم به تركض نحوه, ليس ثمة لا هنا.. شابان وثلاثة فتيات, إخوةٌ وصديقهم الذي حرم من رؤية ما خارج الخط الفاحم لسنوات, وهم الذين يخشون الرواح إليها كثيراً لاسم المدينة التي يحملونها في ثناياهم..

"هكذا تبدو دمشق للبعيد, الحلم الذي نُحسد عليه بلا سبب" قالها لهم بعد أن امتهن مهنة اصطحابهم لكل الزوايا التي أرادوها.. اصطحبوه لكي يجدوا إذا ما جُنّ عقلهم من كثرة المسموح بعد كل هذا الحرمان من يعيدهم.. اليوم الأول أحلام معاشة, وحب لكل الحياة, واستسلام للجمال, الثاني قل فيه الحب عندما مر مفتول العضلات المموه من قرب المحروم فأوقظ فيه كل الخوف, وأثار وجوه السجانين من الذاكرة, الثالث انتهى به الحب ولم ينهض فيه الكره, لما مر من قرب المحروم الثاني جار ,كان معهم في المدينة قبل أن ينتحي نحو العاصمة لكي يحمي ماله ورغبته في إلقاء التهم, همس بأذنه "دمشق ليست مكان الإرهابيين أمثالك", لم يبقى سوى الأحلام تموت رويدا مع كل عقبة تنهض.. العاشر مات فيه آخر حلم لما التفتت الوجوه قبل دوران الحافلة بقليل لتجد الوجوه المتجمدة تتلحف عشباً يابساً في زاوية الدوار المهملة وتغطي نفسها كرهاً لنظرات الشفقة والشماتة..

- لن أعمل هنا بعد الآن.. هذا المكان يقتلني. يصرخ الصديق بالأخوة..

- كفى جنوناً ! أتريد العودة لحياتك السابقة محشوراً في مدينة بحجم الكف ومحاصراً بلا حياة ؟!

- على الأقل أعرف نفسي, أعرف صواب ما أفعله وما أشعره من الخطأ, أرفض ظلم الجميع دون خوف, على الأقل لا يعود الخوف فيستعبدني.. هذا المكان غبي جدا ولا يستحق حتى الوقت الذي نستنزفه لأجل أن نصل له !

- أنت أحمق.. لا زلت على حماقتك الأولى.. تريد العودة لما كنت عليه ؟! عد لوحدك, لكن تذكر.. أنت تبيع عمرك لأجل مبادئ لا تهم أحداً.. من قال لك أننا رفضنا الثورة أو أنكرناها ؟! الحياة يجب أن تمضي فالوقت مستنزف منا بلا رجعة.. نحن هنا نبني لنفنا لكي لا نضيع غداً مع المستقبل الأسود ..

- المستقبل الأسود أن نستمر في ما نفعله صدقوني.. ليست فقط الثورة تموت فينا, الخوف يكبر رويداً رويداً, وسنصبح أضعف من أي مواجهةٍ غداً.. نتبلد ببطء, نعتاد رؤية المذلة اليومية ببطء, ننسى ما نما فينا من شعور بأننا قادرون ببطء, نكره ما جرى ويجري ببطء, نصبح حياديين ببطء, ثم نروض ونصبح في زاوية الحياد ببطء.. هذا البطء أقتل من الرصاص ويدمنه المرء حتى لا يستطيع مقاومته.. يغريكم كم المسموح هنا وتنسون كم الممنوع لكونه معنوياً.. رويداً رويداً سيصبح كل قادرٍ على القدوم إلى هنا يكره المكان الذي جاء منه, وينسى المحرومين هناك.. وسيبقى من في داخل "دائرة التحريم" يعاني, وسيبقى من في خارجها, في أقصى إنسانيته, يرسل مالاً لتتحول المصيبة لمصيبة جوعى أكثر فأكثر.. إن لم نتوقف لن يتوقف أحدٌ صدقوني..

- أخفض صوتك ! عد لحيث تريد ودعنا حيث نريد.. هذا يكفي.

يستدير دون أن يعيد النظر, يخاف أن يرجعه إدمانه للأماكن أو رؤيته للوجوه خلفه.. يركض نحو السيارة المتوقفة, يركبها مسرعاً نحو التحريم الكريم ! في باله تضج الكلمات "كم مصيبة أخرى ستقف في وجهنا ؟! كم امتحاناً معقداً سنخوض بعد ؟!" . بالقدم اليمنى يعود, وباليد اليمنى بعد أيام حمل عدسته, وعليها أيضاً علق سلاحه...



  • وئام الشاهر
    من ريف دمشق, مدوّنة وصحفية سورية الثورة نَفَسي وروحي.
   نشر في 15 يونيو 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا