ووجهاً بسيطاً - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ووجهاً بسيطاً

من وحيٍ نزاري

  نشر في 29 فبراير 2016 .

فتَحَ نزار قباني البابَ واسعاً أمام التّخمين في ضِدَّ البساطة عندَما بنى هذا الشّطر من البيت الشَّعري وقال “ووَجْهاً بَسيطاً كانَ وجْهيَ المُفَضَّلا” وللشّعراءِ فيما يعشقونَ مذاهبُ ولهم في تعبيراتهم ومقاصدهم سبُلٌ وطُرقٌ رأيتُ من أبدَعها حريّةً طريقةُ القبّاني هذه التي يرفعُ فيها الوصايةَ عن التفكير والتخيّلُ ويترُكُ الساحة بأكملها للقارئ يجولُ حيثُ يشاءُ فمردُّهُ بِذرةٌ زرِعها العملاق نزار في البيْت ..

وعليكَ أن تُحْصيَ كم من الوجوه تلقاها في اليوم وفي الشهر وفي العام بل في العُمر كلّه إنْ أرَدْتَ الوصولَ لحقيقةِ ما تدلُّ عليه “فرَضيّةُ الوجْهِ البسيط” ولكن حسبي أنا أن أُحاول الخوض في بعض المُمكناتِ لعلّي أن أحدّدَ الوجهَ الذي آملُ أن يكون قاسماً مشتركاً بين كلّ من ألقاهم ويلقونَني ..

لأنّ الأشياء منها ما هو بسيطٌ وما هو مُركّبٌ فقد يكون من ملامح الوجوه المركّبَة أنّها تأخذُ من كلّ مُحسّنات النّفاق شيئاً،فهي وإن كانتْ لا تُحسِنُ الضّحِكَ والابتسام إلا أنّ لها إسفارٌ عن أسنانِ زورٍ وأفواهِ كذبٍ واستدراجِ مخادعين،وقد يكونُ تركيبُها من مجموعِ هذه المقادير الغريبة دافعاً لها لأن تستبدِلَ بعضَ الأجزاءِ بأخرى عندَ الحاجةِ لذلك،فلا مانعَ لديها من استبدال الكذبِ بالتورية واستبدال النفاق بالمجاملة واستبدال الخديعة بضروريّات الحياة ..

ولأنّ من الأعمالِ ما هوَ بسيطٌ وما هوَ صعْبٌ فقد تكون الوجوه الصّعبة تنحو منحى العُسرِ في فهمِ ما ينظرُ إليه أصحابُها ومنحى الإشكالِ في تحديدِ الهويّة العاطفيّة التي يحملُها صاحبُ الوجْهِ الصّعب،ولا يمكنُ أن تسيرَ اللحظاتُ التي يُقابلُكَ فيها ذو وجهٍ صعْبٍ بسلام ما لم تكُن من الذين فقدوا شهيّةَ التركيز على قراءةِ المُحيّا واستكشافِ العيون،وأصعبُ وجهٍ يمكنُ أن يُبتلى به آخرون هوَ ذلك الوجه الذي تتساوى مقاييسُه معَ كلّ الأحداث وكلّ الانطباعات ..

ولأنّ من العلوم ما هو بسيطٌ وما هوَ مُعقّد فقد تكونُ الوجوه المعقّدة متميّزةً في طرحِها لانطباعِ غيرها عنها وذلك باختلاف التكهّنات من شخصٍ لآخر واختلاف الآراء من مُشاهدٍ لآخر وأيضاً اختلاف المراوغات لقسِماتِ الوجوه المعقّدة من وقتٍ لآخر ومن موقفٍ لآخر،ومصدرُ تعقيدِ الوجه هو اشتمالُه على خلَطاتٍ لا تجتمع ومكوّنات لا علاقةَ لبعضها بالبعض الآخر،فوَجْهٌ يعرِفُ معنى الحُزن كيفَ تظهَرُ عليه ملامحُ القسوة،ووَجْهٌ مرّ بلحظاتِ احتباسٍ حراريّ كيفَ يهوى صقيعَ البرد في الحبّ،ووَجْهٌ ألِفَ القُرْبَ من الناس كيفَ يضربُ صفحاً عن أهوالِ ما يقعُ لهم ..

عندَما يُعبّر الرّسامُ عن اللوحةِ التي تُعجبُه بأنّ ألوانها بسيطة وخطوطها بسيطة ومكوِّناتها بسيطة ينظُرُ من ناحيةٍ خاصّة ويتكلّمُ من زاويةٍ معيّنة هيَ إتقانُه لما يصنَع وغرامُه بما يهوى وانقيادِ موهبتِه لهُ،ولكنّي لو تحدّثتُ عن أية لوحةٍ زيتيّة كانت أم رمليّة فلنْ أستخدِمَ لفظ البَساطة للتعبير عمّا في نفسِ الفنّان التّشكيلي بل لأعبّرَ عن بساطةِ فهمي لها وبساطةِ ما أوحَتْ إليّ به ..

وهكذا هيَ الوجوه،لنْ نشترِكَ أبداً في تقييمها ومعرفة مضامين ما يستقرّ في نفوسنا عنها ما لمْ تكُنْ بسيطةً بكلّ المعاني التي نفرَ من ضدّها “نزار قبّاني” واكتفى بأنْ قال “وجهاً بسيطاً” في نظرتِه وطلَّتِه وصفحتيه ووَجْنتَيه وابتسامتِه الصادقة ..

لعلّ الوجه البسيط هو ذلك العفويُّ في طرحِهِ لنفسه على ملأ من النّاظرين،وهو ذلك الواضحُ في تغيُّرات سِحنتِه باختلاف مواقف الحياة اليوميّة،ولعلّهُ هو ذلك الوجه الذي يستجيبُ للمأساةِ فيحزَن وينساقُ وراءَ المشكلات فيُقطِّب ويعرفُ معنى الحُبّ فتتكلَّمُ عيناه ويُظهِرُ الغضَبَ فينتَبِهُ مُحِبُّوه ويُبدي السُّرورَ فيَسعَدُ مُلاقوه،ومِنْ أبسَطِ الحقوق التي للنّاس أن يكونَ وجُهُ الحياةِ بسيطاً ..

أمّا المعنى الأخير الذي لهُ خاصّيةٌ عن المعاني السّابقة فو “بَسْطُ” الوجْهِ كنايةً عن قَصْدِ الإنسان اكتسابَ مهارة ترويضِ عضلاتِ وجهه لتكونَ أقدرَ على احتمالِ الابتسام وتحمّل السّعادة،والوجْهُ البسيطُ على هذا المعنى هو الذي يُشبِهُ “البسيطَةَ” في رحابتها ويشبُه الأرضَ في إنباتِها حينَ يزورَها غيثُ السّماء ويُشبِهُ الكرة الأرضيّة في احتوائها واحتضانها لعالمٍ أحوجُ ما يكونُ إليها ..

ولو اخترتُ وجهاً “بسيطاً” أحتفظُ بحقّ النظر إليه لنفسي فقط لشكّلتُ من جبينِ أمي وابتسامة أبي وخدود أخواتي وحواجبِ إخوتي وعيون بناتي وأجفانِ ابني وملامح قرابتي وقسماتِ أصدقائي ونظرةٍ حانيةٍ من زوجتي وعفويّة الأطفال ودموعِ الأيتام وشرود العجزة ونضارَة المسلمين وجهاً ألقاهُ صباحَ مساء ..

إنّ الوجهَ البسيط هو “الوجهُ الطَّلْق” ولذلك وردَ عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه قال فيما معناه “لا تحقِرَنّ من المعروفِ شيئاً ولو أنْ تَلقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ” وكثيرٌ من الناس هم من يبخلونَ على إخوانهم في الدين بقليلٍ من طلاقةِ الوجه وبَساطةِ النّظر وابتسامةٍ لا تُنقِصُهم مالاً ولا تُكلّفُهم جُهداً،ولكنّهُ الطبعُ وهو أغلًبُ ما لم يستكينَ لأخلاقيّات من دِين ..



   نشر في 29 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا