الحاكِم بأمر الله, أو الإله! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحاكِم بأمر الله, أو الإله!

الحاكم بأمر الله هل حقًا تأله؟ هل كان مسيحيًا؟ يهوديًا؟ أم مُسلمًا مُتشددًا؟ أين جثمانه؟

  نشر في 04 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 26 فبراير 2016 .

الحاكم وكيف وصل لسُلطته

هو المنصور أبو عليّ الحاكم بأمر الله، بَلغ الحاكم ( 386 - 411 هـ / 996 - 1021 م ) -الإبن الوحيد لأبوه العزيز بالله وأُم النصرانية- من العمر أحد عشر عامًا حين سقط العزيز ميتًا في حمامه في بِلبَيس، حيث أحضره الأمير بَرْجَوان من أعلي شجره جميز، ومن ثم وضع علي رأسه العمامة المحلاة بالجواهر، وبعدها بيومين تُوِّجَ في القصر الكبير بحضور رجال البلاط.


وبشكل طبيعي ظل في الأعوام القليلة الأولى تحت الوصاية، حيث كان الوصي عليه هو السِّلافي الخَصي "بَرْجَوان" الذي لا يزال اسمه يطلق علي إحدى حارات القاهرة، ومع انغماس الوصيّ بَرْجَوان في الملذات من فرط ما أثملته السُلطة المفاجئة والثراء ازداد نفوذ الخاكم وبدأ في إظهار نفسه والاستخفاف بوصيه بالطريقة ذاتها التي استخف بها معلمه به حيث كان يُطلق بَرْجَوان علي الحاكم "سِحلية". بدأ الحاكم سفكه للدماء باغتيال معلمه والواصي عليه بَرْجَوان، احتشد الناس عند القصر من فرط الصدمة ولكن الحاكم تملص منهم بدهائه بحجة أنه ما زال صغير السِن وناشدهُم أن يساعدوه.

جنون الحاكم

 كان يهوى الليل، فتحول الليل إلي نهار بأمره، فصارت جميع الأعمال والمعاملات التجارية تؤدى ليلًا. كان علي الحوانيت أن تُفتح والمنازل أن تُضاء تبعًا لهواه، وحيث أفرط الناس في العبث والمجون في الساعات غير المألوفة، فرض قوانين رادعة تحظر علي النساء مغادرة المنازل، كما نهى الرجال عن الجلوس في الحوانيت. هذا فضلًا عن منعه الأساكفة -الجزمجية- من عمل أحذية خروج للنساء حتي لا يمتلكن وسيلة التنقل خارج البيت. لم يكتف الحاكم باضطهاد النساء، بل اتجه إلي منع أكل الملوخيا حتي العسل قام بصبه في نهر النيل ومنع الخمر والجعة وتم إتلاف أشجار الكروم، حتي الزبيب المُجفف أصبح سلعة مهربة، وقد حُظرت ألعاب مثل الشطرنج المصري الذي أحرق رُقعه، وقتل الكلاب في الشوارع أينما وُجدت ولم يسمح بذبح الماشية إلا في عيد الأضحي.

الشخصية الإصلاحية

لا شك أن تلك التنظيمات الجديدة أوحت بشخصية إصلاحية لكنها كانت شخصية إصلاحية مجنونة. لقد احتاجت نساء القاهرة في ذلك الزمن ليد قوية تحكمهن، ولكن من كان يتوقع أم السبيل إلي ذلك هو مصادرة أحذيتهن؟ أما حظر الخمور والميسر وغير ذلك من وسائل التسلية العامة فكان متماشيًا مع شخصية المتزمت القاسي الذي ينتوي من غير ريب تحسين السلوك الأخلاقي بنفس جرحة تحجيم نفوس رعاياه. إلا أن التجولات الليلية، والقيود غير الضرورية والأحكام التعسفية الصارمة المتعلقة بالتفاصيل غير الهامة كانت تنم عن عقل غير متزن، ربما كان ما نواه الحاكم جيدًا وفقًا لأنواره الخاصة ولكنها كانت أنوار تشع ببريق الجنون.

المرحلة المسيحية اليهودية

تمتع النصارى واليهود بحصانة غير عادية خلال العشر سنوات الأولى من حكمه، لكن مع مرور الوقت لاقوا نصيبهم من الاضطهاد غير المعقول. فقد أُجبروا علي ارتداء ثياب سوداء كزيٍّ مميز، أما في الحمامات -ولإن الناس متشابهون بدون ثياب- فقد أُجبر النصارى علي أن يميزوا أنفسهم بصلبان كبيرة وثقيلة، في حين كان على اليهود ارتداء الأجراس، وفي الشوارع كان عليهم عرض صورة خشبية لعِجل كتلميح لأحداث مُخزية في تاريخهم المبكر.
ثُم أُصدر أمر عام بتدمير جميع الكنائس في مصر ومصادرة أراضيها وممتلكاتها، وقد استمرت أعمال الهدم لخمسة أعوام على الأقل، وخير النصارى بين الدخول في الإسلام أو مغادرة البلاد أو ارتداء الصلبان الثقيلة كعلامة للخزي، وحُظر عليهم امتطاء الخيل أو شراء العبيد.
رغم ذلك كانت العقوبات التي لحقت بالنصارى في الحقيقة جزءًا من ازدراء عام للناس أكثر منها علامة علي كراهية خاصة لفئة معينة، علي الرغم من ذلك الاضطهاد كان النصارى ما زالوا يعينون بأعلي المناصب مثل ابن عبدون الذي وقع بنفسه علي مرسوم هدم كنيسة قُمامة في القُدْس.

سخرية المصريين من الحاكم، وعاقبتهم

تم وضع مُجسم لامرأة بسخرية في الطريق وعندما أمسك الخليفة بهذه المرأة المُفترضة ظهر له أنها من الورق، عندئذً أرسل قواته السودانية لحرق الفُسطاط، اضطر السكان لحمل السلاح فدار قتال شوارع لثلاثة أيام، أما الجامع فقد امتلأ بصراخ المتوسلين، فقد تم نهب وإحراق نصف المدينة وأخذ الكثير من نسائها سبايا ومع ذلك ظل المصريون علي احتمالهم.

مرحلة التأليه

وفي ذلك الوقت أمسك هَوس جديد بالخليفة المتخبط، فتصور نفسه تجسيدًا للإله، وأجبر الكل علي عبادته، لقد كان ذلك حصيلة منطقية للمذهب الشيعي الباطني المتطرف، ومع ذلك وجد دعمًا من ذلك الذي يدعي حسن "الأخرم" الذي جاء من بلاد ما وراء النهر وبشّر بألوهية الحاكم، لا أنه قُتل علي يد فرد من العامة والذي أعدم بعد ذلك، فقام المصريين من أهل السنة بتعظيم قبره.
ثم قام حمزة بن عليّ -من بلاد فارس- وأخذ علي عاتقيه حمل نشر هذا المذهب الجديد واستمال العديد من الأنصار وفي يوم دخل جامع عمرو العتيق بالفسطاط وبدأ هو وأنصاره بالتبشير وسط تصفيق واطراء من تابعيهم لكن المصريين بعد أن سمعوا جملة : "باسم الحاكم الرحمن الرحيم"، سارعوا لقتل هؤلاء الكُفار وجروا أجسادهم للشوارع وأحرقوهم، ولكن حمزة بن عليّ زعيم الحركة استطاع الهرب والإلتجاء بالحاكم في قصره، ثار المصريين وذهبوا إلي قصر الحاكم مُطالبين برأس الكافر، لكن الحاكم كذب ولم يُسلمه وقال أنه غير موجود وأنه في عداد الموتي، هكذا فر الدرزي ليؤسس للديانة في لبنان بمساعدة الحاكم.

نتائج ادعاء الألوهية

كانت من نتائج ادعاء الألوهية التساهل في العديد من أحكام الإسلام فأبطل أحكام الصيام والحج وترك هو شخصيًا الصلاة والصيام فهو الإله ولا يوجد إلهٌ يُصلي، وألغي عقوباته -يمكن أن تكون هذه الحسنة الوحيدة لإدعاء الألوهية- للنصارى حيث سمح لهم بمتابعة عباداتهم واعادة احياء كنائسهم لأفضل مما كانت عليه، فارتد العديد من المسلمين الشكليين إلي المسيحية، علي الجانب الآخر عومل المسلمون بوحشية زائدة، فلم يأمن أحد من الجند السودان، وصلي الناس في المساجد وصرخوا عاليًا، دون أن يأت أحد لنجدتهم.
أخيرًا اتخذ الجند الأتراك وبربر كتامة -الذين ساعدوا جوهر الصقلي علي فتح مصر- موقفًا حين تم إهمالهم وقاموا بصد الجنود السودان وإعادة النظام في المدينة المُشتتة مرة أُخرى، ولم يستطع الحاكم على أن يرفع رأسه أمامة مقاومة الجند الساخطوين، علاوة علي ذلك فقد أثار عدوًا جديدًا من أهل بيته وهي أخته الأميرة "ست الملك" التي لم تفلت من ضغائن ذلك المجنون، لقد وبخته بشجاعة علي ويلاته، فرد بافتراء مشين ضد عفتها، وفي محاولتها لإنقاذ مملكة أبيها لحفيد أبيها قررت التخلي عن أخيها والدخول في مفاوضات مع زعماء البربر على مؤامرة، وسرعان ما شوهدت النتيجة.

اختفاء الإله

امتطي الحاكم حماره المعتاد مع تابعيه تجاه تلال المقطم في 27 شوال سنة 411 هــ / 13 فبراير سنة 1021م، وتجول هنا وهناك طوال الليل وفي الصباح أذن لصاحبيه بالانصراف وذهب وحيدًا في الصحراء كما سبق وأن فعل كثيرًا، عُثر علي حماره بعد بضعة أيام مشوهًا علي التلات، ثُم عُثر علي سترته مع علامات تدل علي طعنات خِنجر، ولكن لم يُعثر علي جثته حتي الآن، وبعد أربعة أعوام اعترف رجل ريفي بقتله نصرة لله، ولكن ظل اللغز حول اختفاء الخليفة المجنون، حيث رفض الناس تصديق خبر موته وانتُظِرَت عودته بقلق. وبدأ ظهور من يدّعي أنه الحاكم المفقود وحتي يومنا هذا يتعبد الدروز في لبنان للحق الإلهي مُمثلًا في شخص الحاكم، ويعتقدون أنه يومًا ما سيأتي مرة ثانية في جلاله ويكشف عن الحقيقة والعدل.
جديرٌ بالذكر أن من أهم المشاهير الذين اعتنقوا هذه الديانة هُم : فريد الأطرش وأسمهان جومانة مراد فيصل القاسم.


  • 1

   نشر في 04 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 26 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا