لقد تم احتجاز النيل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لقد تم احتجاز النيل

مايكل ولديمريام – فورين افيرز –ترجمة / محمد احمد حسن

  نشر في 21 غشت 2020 .

أصبح سد النهضة الاثيوبى الكبير أمرا واقعا . حيث بدأت إثيوبيا الشهر الماضي في ملء الخزان الضخم خلف المشروع الكهرومائي و الذي بلغت تكلفته 4.5 مليار دولار و الذي يعد بجعل البلاد مركزا للطاقة . السد الضخم سوف يجلب الكهرباء الرخيصة إلى ملايين المواطنين و سيقوم بتشغيل قطاع الصناعة الآخذ في النمو في إثيوبيا و سيمكن الحكومة من الحصول على النقد الاجنبى المطلوب بشدة من خلال تصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة . دولتا المصب مصر و السودان يمكن ان تستفيدا من السد من خلال الوصول إلى الطاقة و تحسين التحكم في الطمي و تخزين أكثر كفاءة للمياه يقلل حجم مياه النيل التي يتم فقدانها عن طريق التبخر .

و لكن منذ أن بدأت إثيوبيا في بناء السد في 2011 ساهم السد في توتر العلاقات في حوض النيل . تعتبر مصر السد تهديدا وجوديا : حيث تعتمد البلاد على النيل في معظم احتياجاتها من المياه العذبة و تمتعت بالهيمنة على حوض النيل لأكثر من 60 عاما . اتفاقية 1959 مع السودان منحت مصر نصيب الأسد من مياه النيل . لم تكن إثيوبيا طرفا في تلك الاتفاقية و لكن مصر عارضت إنشاء اى سد على منابع النهر يمكن أن يقلص إمداداتها من المياه حتى أنها هددت باستعمال القوة العسكرية لإيقاف بناء السد في عام 2013 .

خففت القاهرة من حدة موقفها إلى حد ما في الأعوام الأخيرة و سعت إلى التوصل إلى تسوية تفاوضية مع إثيوبيا و لكنها لا تزال تنظر إلى السد باعتباره تهديدا لمصالحها القومية . السودان عالق وسط هذا النزاع حرفيا و مجازا . فهو يقع بين قوتين إقليميتين في حوض النهر و هي في وضع جيد للحصول على فوائد السد و لكنها ترغب في تجنب الآثار الاجتماعية و البيئية السلبية المحتملة للمشروع .

حققت المفاوضات بين البلدان الثلاثة بعض التقدم و لكنها فشلت في حل قضايا خلافية مثل الآلية المناسبة لحل النزاع و قواعد تشغيل السد في فترة الجفاف الممتد . و قد طالبت كلا من مصر و السودان بالتوصل إلى اتفاقية قبل أن تبدأ إثيوبيا في ملء السد و لكن اديس ابابا مضت قدما على أية حال حيث أن استعمال طرق الهندسة و البناء البدائية ربما يغير ما تراه إثيوبيا توزيعا غير عادل للموارد الطبيعية . و على الأرجح أن المفاوضات سوف تستمر حول السد و حول قضايا تقاسم مياه حوض النيل العابر للحدود . و لكن ذلك أيضا سوف يزيد من حدة التوتر بين القاهرة و اديس ابابا اللتان تتصارعان على النفوذ في الدول المجاورة لهما بشكل مباشر و على ما هو ابعد من ذلك .

و لكن ربما الأثر الأكثر إثارة للقلق للنزاع على المياه سوف يكون على الأحرى بين بلدان حوض النيل فقد ساهمت سياسات النيل الضارة في تعقيد التحول الديمقراطي الهش في إثيوبيا من خلال توسيع الهوة السياسية بين الحكومة و معارضيها . و ساهمت كذلك في ترسيخ أنماط التدخل المصري في السودان التي تهدف إلى دعم الجيش و القوى الأمنية السودانية على حساب قادة البلاد المدنيين . بعبارة أخرى فإن قومية نهر النيل قد ساهمت في تقويض اثنتين من تجارب التحول الديمقراطي الواعد في القرن الافريقى .

قانون التوازن الاقليمى

ظلت مصر لاعبا هاما في منطقة القرن الافريقى و لكن تأثيرها قد أصابه الضعف منذ الربيع العربي بينما تنامى تأثير إثيوبيا . فبعد أن فشلت في إيقاف بناء السد تعتقد القاهرة أنه ينبغي عليها أن تعيد بناء مكانتها في القرن الافريقى من اجل توازن أكثر فعالية مع إثيوبيا كقوة إقليمية و في طاولة المفاوضات في المباحثات المستقبلية بخصوص مياه النيل . يرزح الرئيس عبد الفتاح السيسى الذي يرتكز حكمه على سرديات الأمن القومي و الإحياء المصري تحت ضغط هائل لتجنب فقدان ادعاء مصر بالأحقية في النيل . و نتيجة لذلك سعت حكومته إلى خطب ود البلدان الأخرى في القرن الافريقى و دق إسفين بين إثيوبيا و جيرانها .

احد أعمدة تلك الإستراتيجية ترتكز على استغلال الزخم الدبلوماسي بخصوص التعاون في منطقة البحر الأحمر لمنفعة مصر . و قد ظهر مجلس عربي افريقى جديد تقوده السعودية يهدف إلى تطوير التعاون في منطقة البحر الأحمر و خليج عدن في يناير الماضي . و قد كانت لدى القاهرة مبدئيا تحفظات جادة بشأن المبادرة و لكنها انضمت على أية حال لتحقيق هدف هام : تحالف اقليمى يشمل مصر و دول القرن الافريقى المطلة على البحر الأحمر و لكن يستبعد إثيوبيا .

ركيزة أخرى من ركائز إستراتيجية القاهرة يرتكز على تحسين العلاقات الثنائية و التعاون الأمني مع الدول الإقليمية . حيث قامت بتوطيد علاقاتها مع السودان و خلق مظهر من مظاهر التحالف بين القاهرة و الخرطوم بشأن السد على الأقل . و سعت كذلك إلى تطوير العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية ارض الصومال ( صومالاند ) و هي منطقة تزعم أنها مستقلة عن الدولة الأم في مقديشيو و السعي لإنشاء منطقة تجارة حرة مع جيبوتى و هناك مزاعم عن بيع أسلحة إلى الصومال في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة . و قد راجت شائعات عن منح قاعدة للقوات المسلحة المصرية في جنوب السودان أيضا . و قد أنكرت جوبا هذه التقارير و لكن هذه التقارير متوافقة مع نموذج تدخل مصر في جنوب السودان خلال الأعوام القليلة الماضية . و هناك اريتريا التي طورت مصر علاقاتها الدبلوماسية معها منذ عدة أعوام و تشاطر القاهرة في وجهات النظر حول بعض القضايا الإقليمية مثل التحول السياسي المستمر في السودان .

واجهت إثيوبيا الأمر بخطة طموحة لبناء قوات بحرية حيث تأمل إثيوبيا أن تسمح لها تلك القوات باستعراض قوتها في منطقة البحر الأحمر و خليج عدن و بإحداث توازن مع القوات البحرية المصرية هناك . و في الوقت الذي تحظى به اديس ابابا بالفعل بشراكات سياسية و اقتصادية على امتداد القرن الافريقى فإنها تسعى أيضا إلى ترميم نقاط الضعف في علاقاتها مع جيرانها . بدأت إثيوبيا بقيادة رئيس الوزراء آبى احمد الذي تولى السلطة في عام 2018 تقاربا تاريخيا مع العدو اللدود اريتريا و شكلت (( تحالفا ثلاثي الأطراف )) معها و مع الصومال . و قد قصد آبى احمد من تشكيل هذا التحالف التدشين لعصر جديد من السلام و التكامل الاقليمى في القرن الافريقى تكون فيه إثيوبيا مركز الجذب . و لكن واجهت هذه الرؤية عقبات في طريق انجازها فبينما يتمتع آبى بعلاقات دافئة مع الرئيس الاريتري اسياس افورقى فإن العلاقات الثنائية بين البلدين لا تزال تفتقر إلى الطابع المؤسسي و تعتمد في جزء منها على استعداد رئيس الوزراء لطرد أعداء اريتريا من إثيوبيا . الأمر الأكثر إثارة للقلق أن التحالف الثلاثي قد قوض علاقات إثيوبيا مع حليفتها التاريخية جيبوتي و ارض الصومال ( صومالاند ) و كينيا : حيث تخشى جيبوتى من تأثير التقارب الاثيوبى الاريتري على تنافسها مع أسمرة بينما شعرت كلا من صومالاند و كينيا بالقلق من علاقات ابى احمد مع مقديشيو .

تدهورت علاقات إثيوبيا مع السودان في العام الأخير من حكم نظام البشير . و قد كانت العلاقات بين البلدين قوية خصوصا بعد أن أعلن البشير عن دعمه لسد النهضة في عام 2012 . و لكن مثل نظيره في جيبوتي عبر رجل السودان القوى ( آنذاك ) عن عدم رضاه عن التقارب الاثيوبى الاريتري . و منذ الإطاحة بالبشير في ابريل 2019 أصبحت العلاقات في طريقها للتحسن لكن لا تزال هناك توترات مع حكومة السودان الانتقالية . و قد أدى نزاع حدودي ظل خاملا لفترة طويلة إلى اندلاع مناوشات عسكرية حادة بين البلدين في مايو و يونيو من هذا العام و استفز قادة السودان العسكريين لكي يقولوا خطابا متشددا بشكل غير معهود .

هناك اضطراب ينتظرنا في الصومال حيث وضعت إثيوبيا رهانا سياسيا كبيرا على الرئيس الصومالي محمد عبد الله محمد أو ( فرماجو ) و أمدته بدعم عسكري و سياسي في مواجهة خصومه المحليين . في المقابل قام فرماجو بمقامرة طموحة لتعزيز قوة الحكومة الفيدرالية خلال العامين الماضيين الأمر الذي سوف يكلفه إعادة انتخابه في عام 2021 و يترك إثيوبيا دون حليف في القصر الرئاسي . لا تزال العلاقات الدولية غير مستقرة و بعبارة أخرى فإن جهود كلا من إثيوبيا و مصر للتغلب على كل لك دبلوماسيا إنما تضيف إلى مزيج متفجر بالفعل .

تحولات مضطربة

إذا ساهم نزاع النيل في مزيد من تعقيد العلاقات في القرن الافريقى . فإن ذلك النزاع بالكاد سيكون مهدئا للسياسات المحلية للدول ذات الصلة . و يعد موقف إثيوبيا خاصة موقفا غير مستقر . تولى آبى احمد مقاليد السلة في 2018 و بدأ فورا في سلسلة من الإصلاحات الديمقراطية التي تم التبشير بها طويلا و التي تشمل فتح المجال للإعلام المستقل و الترحيب بعودة مجموعات المعارضة من منفاها إلى الوطن . و لكن حتى قبل أن تستطيع البلاد تنظيم انتخابات قومية فإن التحول الديمقراطي قد بدأ في التعثر . نوبات متكررة من العنف ذي الطابع العرقي و الذي ساهم الاقتتال الداخلي بين القوى السياسية الرئيسية في البلاد في تغذيته و تم تقييد المجال أمام السياسات الديمقراطية . و قد ساهم اغتيال مطرب يحظى بشعبية في أواخر يونيو في اندلاع شرارة أعمال شغب عنيفة لعدة أيام في منطقة اوروميا . و ردت حكومة أبى احمد على ذلك بتضييق الخناق على المعارضة و اتهامها باستغلال المناخ المشحون سياسيا للتحريض على العنف و الإخلال بالنظام . عدد كبير من معارضي الحزب الحاكم قد تم اعتقالهم و تم إغلاق منصاتهم الإعلامية .

في مثل هذه الحالة يمكن لسد النهضة أن يوحد و يفرق بين الإثيوبيين في آن معا . حيث أصبح السد رمزا قوميا للتقدم و معظم الإثيوبيين تقريبا يدعمون المشروع . و لكن القوى السياسية وظفت المشروع في نزع الشرعية عن خصومها بأسلوب يمثل عائقا أمام الحوار . حيث اتهم معارضو آبى احمد الرجل بتقويض مشروع السد و تعريض المصالح الوطنية للخطر و الإشارة من بين عدة أشياء إلى التحقيق الموسع في أعمال الفساد الخاصة بالمقاول العسكري الذي لعب دورا رائدا في إنشاء السد . حزب الازدهار الذي يقوده آبى بالنسبة لهذه الجزئية لديه في بعض الأوقات رغبة في إعادة توظيف أوراق اللعب الخاصة بأسلافه من خلال تصوير خصومه العرقيين كعملاء لمصر متورطين في حملة واسعة للتخريب . و بالرغم من أن هناك عناصر هامة تقف حائلا دون ذلك بما في ذلك شعور آبى بضرورة ضبط النفس . فإن هذه الحملة من نزع الشرعية المتبادل تعد واحدة من عدة عوامل تدفع بإثيوبيا إلى حافة الاحتراب الاهلى .

تساهم سياسات النيل في تعقيد التحول الديمقراطي في الجارة السودان . مصر لديها مصلحة منذ فترة طويلة في استمالة الخرطوم بِان قضايا المياه و لم تكن تعتبر حكومة البشير شريكا موثوقا به و هي الرؤية التي تم تبريرها بدعم البشير لسد النهضة . و حينما وصل نظام البشير إلى محطته النهائية في أوائل عام 2019 منحت الأجهزة الأمنية المصرية و شركاؤها الخليجيون الضوء الأخضر لانقلاب عسكرى أنهى 30 عاما من حكمه . فمنذ شهر ابريل و حتى شهر يوليو 2019 استخدمت مصر نفوذها كرئيس للاتحاد الافريقى لحماية المجلس العسكري الانتقالي و هم مجموعة من القادة العسكريين السودانيين الذين قاموا بملء فراغ السلطة الناتج عن الإطاحة بالبشير . العلاقات بين الجيشين المصري و السوداني عميقة الجذور حيث تلقى عدد من ضباط الجيش السودانيين تدريبهم في الأكاديميات المصرية و يحافظون على علاقات شخصية مع نظرائهم المصريين . و نتيجة لذلك لا يزال شريك مصر الأول في السودان هو الجيش حتى مع سعى المجتمع الدولي لدعم القادة المدنيين في الحكومة الانتقالية الجديدة التي يرأسها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك .

بالنسبة لهذه الجزئية دعمت اديس ابابا بشكل عام حمدك و التحول الذي يقوده المدنيون و لكنها تحتاج إلى تجنب النأي بنفسها بعيدا عن الجيش خشية أن تهب رياح سياسية في السودان و تجد إثيوبيا نفسها في العراء عندما يتم حكم الخرطوم من قبل رجال يرتدون بزة عسكرية . و هكذا تمكن سياسات التنافس الاقليمى قادة السودان الأمنيين من استعادة قبضتهم جزئيا على السلطة و مع أن القادة العسكريين حاليا اضعف مما كانوا عليه في أوج ازدهار حكم البشير لكنهم لا يزالون عائقا أمام الإصلاح الديمقراطي .

توترات دائمة

حتى بعد أن يصبح السد على وشك أن يعمل بطاقته و يتم التوصل إلى تسوية فإن كلا من مصر و إثيوبيا سوف تظلا على الأرجح في خصومة . و بالتالي ينبغي على اللاعبين الدوليين من خارج المنطقة من ذوى النفوذ في حوض النيل أن يركزوا ليس فقط على تأمين اتفاقية حول السد و لكن على إدارة التأُثيرات الإقليمية للتنافس الاستراتيجي طويل المدى حول النيل .

لا تزال هناك قوى خارجية قادرة على الوساطة في هذا النزاع . حيث اعتبرت إثيوبيا أن الولايات المتحدة الأمريكية تقف في صف مصر في المفاوضات حول السد . تحظى المملكة العربية السعودية و دولة الإمارات بعلاقات قوية مع القاهرة و الخرطوم و اديس ابابا و لكنها تميل إلى تفضيل الاستقرار المصري على المسائل المتعلق بالنيل . كلا البلدين أعلنتا دعمهما للقرارات المصرية في جامعة الدول العربية التي تنتقد إثيوبيا . الصين بالتأكيد لديها المكانة التى تؤهلها للوساطة و لكن يبدو أنه ليس لديها الشهية لدبلوماسية عالية المخاطر حول النزاعات المستمرة في القرن الافريقى

الاستقرار في حوض النيل و القرن الافريقى سوف يأتي على الأرجح من دول المنطقة نفسها . الجهود السابقة التي بذلها الاتحاد الافريقى في الوساطة تبدو اعترافا بهذه الحقيقة . و كما هو الحال في المفاوضات السابقة فإنه من الصعب الحفاظ على الزخم الدبلوماسي للإبقاء على ذلك الأمر . و في حالة غياب جهود قوية متعددة الأطراف لحل قضايا المياه الدائمة في المنطقة فإن النيل سيظل مصدرا للاضطراب السياسي لأعوام قادمة .  

مايكل ولديمريام : استاذ مساعد فى العلاقات الدولية بجامعة بوسطن الامريكية ( من اصل اثيوبى ) 

رابط المقال الاصلى 

https://www.foreignaffairs.com/articles/africa/2020-08-10/nile-be-dammed



   نشر في 21 غشت 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا