وجهان للرحلة..لا تكن مسافرًا زاده الخيال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وجهان للرحلة..لا تكن مسافرًا زاده الخيال

عبدالوهاب شعبان

  نشر في 11 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 19 نونبر 2018 .

المشاعر أخاذة،وترسو غالبًا على شاطيء خاطيء..راجع إن شئت مراسيها، ومآسيها..ا

(1)

ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر النهايات، عندها اليقين، ومن قِبَلِها الحنين.

بدأت القصة حين أطلت إحداهن بابتسامتها، وقبضت كفيها، وضمت ذراعيها إلى جنبيها، ثم تصلّبت، وألقت عبارتها (وحشتني، والله لولا المكان كنت....).

يجثو الملل على ركبتيه عند بداية الرحلة، ويحدق في أعين المسافرين كـ"ثابت" لا فرار من صحبته، ومع حركة الأيام يتبدد مع زحام الوجوه، وألفة الأرواح.

كانت هذه المسافرة وحدها مستوحشة رحلتها، ولاذت بأنيس لم تعرف دواخله، لكنها لم تفتأ تتخذ من (انطوائه)، وانطلاقها، ضدين متقابلين، يلتقيان خارج حدود روتين المكان، وجمود الزمان.

وبينهما حجاب، صنعته يد الواقع، وأخفته الحاجة إلى شَغل الفراغ..

(2)

قد شغفها حُبًا..(قال المسافرون)-وهي لم تنو إطلاقًا إعداد متكئًا لأحد..

قرأ عليها ذا الطباع الهادئة مقطعًا شعريًا لـ"محمود حسن إسماعيل"..(لا تتركيني في ضلال..بين الحقيقة، والخيال/ إنّي شربتُ على يديكِ مع الهوى خمرُ الزوال)، فبدا ثغرها كشمس حديثة عهد بالإشراق، واسترسلت في الأسئلة (ماذا يعني خمر الزوال؟)، فذهبت لذة الحالة، وتبخر أثر القصيدة.

(إنّ الحب لا يستأذن أبدًا، لا يُعرض، ولايُطلب، يقتحم كـ"سهم" خارج من قوس مشدود)-حين أخبرها بهذا هامسًا، جلجلت ضحكتها فأردته مبعثرًا، لملم شتاته نافيًا رغبته في اختبار مشاعرها، وأخبرها بأن هذه عبارة لأحد الفلاسفة الغارقين في خيالات "أفلاطونية"، هزت رأسها، وقالت: اعزمني على شاي ..

(3)

إننا نتعلق بأستار بالية حين تصير قلوبنا خالية، والخداع مُطاع..

لا يريد هو تصديق تلاعبها، وتجاوبه، تزيد فيدنو، تحيد فيرنو، ويستعطفها باللاشعور ألا تبرح جواره، أما هي فتدرك منذ ضم ذراعيها في لقائهما الأول أن قطار الرحلة سيصل في ساعة ما، وسيفترقان، وبمقتضى الضرورة فإن الاستئناس، والتسلية سمتان بديهيتان في المشاوير محددة الأجل..

وكلما قطعا معًا محطة في سفر بعيد، تراوح هي بين الإعجاب، والإسهاب في عبارات الثناء المفرط، يعجبها تمسكه بـ"تقاليد القرية"، وحرصه على بسط يد النصح، وقراءة ما بعد الحكايات المتشابكة، وفك طلاسمها، كل هذا الوقت المهدر لكليهما يزيدها استرخاءً، ويزده عناءً..

العابرون لا يحبون، يهونون السفر، ويتركون الأثر..

(4)

مرحلة الحسم تتجلى عند قرب الوصول، الأصدق يصل، والآخر ينفصل..

اقتربت من أهدافها المرتبة، حزمت حقائبها، واستأذنت تاركةً رسالة واضحة ( هذا الشعر الذي يسكنك يمكنك نثره في أمسيات أدبية، لا أتذوقه حين يمسني شغف السكن في شقة فارهة بجوار مكان العمل، ولن يعصمني من التلكؤ صباحًا، ومساءً في محطات المترو، ومواقف الميكروباص)..

ذيلت رسالتها بتوقيع أزرق اللون على ورقة بيضاء ( المسافر يدرك ضالته إذا حدد قبلته)..

شكرًا لك على وقتك، وحسن ضيافتك

(5)

الأنثى كالصحراء، فلا تستسلم لدور الضحية إذا أضاعتك دروبها..

(6)

أجمل ما في الرحلات أنك تحتفظ بالحقيبة، إذا فارقت الحبيبة، والذكريات باقيات.

إذا انتهى طريق ما فإن ذلك يعني أن ثمة بداية مرتقبة، تلك قواعد السير.

ولا يستأنس من استوحش مستقبله، على ذكر وحشة ماضيه، لكل رحلة مقاديرها.

(7)

على إحدى المقاهي الشعبية في وسط المدينة فاحت روائح "الغربة" مع أدخنة "الشيشة"، فتذكر الشاب حكايته، واستجمع ذاكرته، طيفها يحضر في سحب الدخان المتصاعدة، وتتفرق ملامحه إذا هبت نسائم الهواء.

(ما هو تعريف السراب، إذا لم يكن هكذا، طيف، وهواء، يبدد آخرهما الأول)..؟!

(لماذا تأسرنا البدايات، وتفسد أسفارنا؟، ماذا سيتغير إذا قصرت المسافات ؟)..

تدور الأسئلة مع انبعاثات "عوادم السيارات" بين بنايات شامخة تحجب رؤية السماء"، ترتطم بجدرانها الصلبة، وتسحق على الأرصفة، ويجنّ ليل لتذكير المسافر بأن الأهداف الواضحة تحيل إلى نتائج راجحة.

والعبث قدر الأسفار، مالم تهون الغربة، وتُصفَد الرغبة..

(8)

في البلاد الغريبة يشبه أمسك يومك، أنت الآن محروم من أصدقاء الطفولة، من الطفولة ذاتها، مكان نومك المعتاد، ذاكرتك بيضاء متاحة لكل نقش محتمل، أصداء الماضي تحاصر خطوتك، وجوه غائمة في الطرقات لا تعرف أيها يشبهك، وعليك وحدك صناعة اليوم، وترتيب الغد المجهول.

وحب عابر يستحيل إلى نضج مبكر، أفضل من خيال يخصم من رصيد المدة المحددة للإقامة.

(9)

وصل الخطاب الأول من الأم التي تنتظر نتائج السفر، سطورها الرقيقة المشوبة بالقلق لا تخل من التذكير بأمنيات الزواج كحصاد ترجوه أمهات المفارقين على أمل العودة، بجانب رغبات محمومة في رأب صدع الأسرة، ومناصفة في تحمل الأعباء.

لهذه الرسائل المفطورة على عاطفة الوجد، والفقد للدفء العائلي أثر لا يقاوم، وهي في سياقها تجدد أثر سابقتها (المسافر لا يدرك ضالته، إلا إذا حدد قبلته)، عليك إذَا أن تتأمل وجه آخر في الرحلة، وهو وجه لا يضاهيه نقاء، ولا تبرحه مشاعر الوفاء.

تذكر الشاب أنّ قواسم الرحلة يمكنها أن تشترك في بلورة النتائج، مع اختلاف المعطيات، وزاحمته الحكايات مقسومة على مفاهيم الحب، وقسوة التجربة.

(10)

للمسافر خياران (مغامرة ملهمة، أو إقامة مؤلمة)، ولكل منهما أثره في العودة.

حان موعد القرار بعد سنوات من اللهاث خلف هدف واحد، التكوين هو الرغبة التي لم تروض إطلاقًا، والتحقق قرينها، وما بعدهما وجه واحد مألوف لديه يتبلور في نظرة انتصار في عين من تنتظره على شوق العودة.

أما الحب فهو المصير الذي يجهله الباحثون، ويدركه المتغافلون.

(11)

وضعت الرحلة أوزراها بين يدي أمه، وذابت التفاصيل، واستسلمت الأقدار لرغباتها، وحين أخرج ما في حقائبه نسي أن يخفي قصيدته التي خلدت لقاء من شكرته على عزومة الشاي، وحسن الضيافة..

سألت الأم عن القصيدة، وصاحبتها، فابتسم بوداعة تليق بعفويتها، وقال: إنه خمر الزوال يا أمي..

ولم يكن منها سوى استعادة دهشة الأولى (ماذا يعني خمر الزوال؟)..

كذلك تصير الرحلة، مخاطر الذهاب لا تمحوها سلامة العودة (إذا بقي الأثر)..


  • 6

  • عبدالوهاب شعبان
    حاصل على جائزة مصطفى وعلي أمين في القصة الإنسانية عام 2017.... حاصل على جائزة نقابة الصحفيين في التغطية الميدانية عام 2014
   نشر في 11 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 19 نونبر 2018 .

التعليقات

ما اجملك
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا