الصرخة في الكتابة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الصرخة في الكتابة

  نشر في 18 فبراير 2017 .


انتهيت لتوي من قراءة كتاب الصرخة لرضوى عاشور، الكتاب الذي لم يُكتب له أن يكتمل إذ توفَّت رضوى في منتصفه. بينما أقرأه جعلتني رضوى عاشور أنتقل من فكرة لأخرى، من الكتابة والمرض، لما بعد الثورة، للأسرة ودفئها.

أما عن الكتابة، فأنا لم أكتب منذ فترة طويلة، لم أحاول حتى أن أُخرج الكلماتِ من رأسي بل تركتها هناك تُحدث ثقوبًا حتى وصلتَ إلى كامل أنحاء روحي وجسدي. أنا أقاوم الآن، أقاوم الألم الذي أشعر به بينما أُجبر رأسي على إيجاد الكلمات.

 يقولون وأعلم أن الكتابة تزن عليك حتى تضطر أن تُخرج الأفكار لتسكن ولكن ما لم يقله أحد أنك من الممكن جدًا أن تتجاهل صوتك. بالتأكيد سيزعجك لفترة ما حتى تستمع له ولكن ماذا لو تركته يزعجك؟ ماذا لو تناولت حبوبًا منومة لتجبر عقلك أن يغلق؟ ماذا لو أحضرت لعبة صغيرة لعقلك لينشغل بها كطفل حتى لا يسأل عن أمه؟ ماذا لو أزحمت عقلك وأكملت حشو الأفكار به حتى صرخ إستنجادًا ولكنك لا تتوقف حتى تنهار وتبكي كأن الموت ينتظرك على حافة سريرك فتستمر بالبكاء حتى تنام.

تحدثوا عن لعنة تارك الكتابة، وتحدثوا عن لعنة الكتابة التي لا تتركك ولكن لم يتحدثوا على ازدحام الأفكار برأسك دون كتابة بإرادتك أو بغير إرداتك. أصطحب كل الأفكار معي اينما ذهبت.أتذكر كل المرات التي أفتح فيها ملف الكتابة لأكتب فأجد الأفكار تزدحم فجأة حتى أنني أعجز عن التقاط إحداها أو حتى أول حرف فينتهي بي الأمر بإغلاق الملف.

تتكلم رضوى عاشور عن مرضها، تقول أن المرض يغير صورتنا عن أنفسنا حتى تصدق أنك لا تصلح ولن تستطيع. ربما سيشفع لها مرضها عدم التناسق التام للكلمات، فهل يشفع لي مرضي؟

أسيعلم الجميع أنني الآن أقاوم الرغبة العارمة في ترك الملف واغلاقه؟ أقاوم ألم ذراعي وأعصاب يداي اللاتان يصرخان علي لأريحهما؟

أسيشفع لي غضبي الدائم بسبب فشلي في ايجاد الكلمات الصحيحة؟، أسيشفع لي تركي للملف عدة مرات لأنني أرفض أقل مواجهة لأفكاري ومشاعري؟  أسيشفع لي تركي للملف عدة مرات  لأنني أرفض أقل مواجهة لأفكاري ومشاعري والعودة له كل مرة؟ أسيشفع لي أنني أحاول أن أكتب فلا أستطيع كأن أحدهم سحب قاموسي الداخلي أو محا الكثير من الكلمات به حتى أنه أحيانًا تحضرني بعض الكلمات كطيف خفيف أحاول أن أدقق النظر لأعثر عليه فلا أجده. لا أعلم تمامًا ما الذي حدث ولكن ذلك الثقب بذاكرتي جعل الكتابة صعبة وكثير من الأحيان مستحيلة، أنا عاجزة بدون الكتابة وعاجزة بها إلى الحد الذي لن يفهمه الا من مر به بمرارة.

يقولون أن كل ما تشعر به أثناء الإكتئاب هو أنسب الأسباب لتكتب ولكن الأمر أنه كل ما تشعر به سيكون سببًا لتصمت، لتعجز عن التعبير عن أي شيء وهذا الصمت هو أدق وأنسب وصف لمشاعرك. 

تقول رضوى عاشور: " نحن لا نكتسب ثقتنا بأنفسنا الا عندما نكتب بتدفق وسلاسة فلا نتوقف إلا عندما ننتهي حينها فقط نتعجب ونتسائل عمن كتب كل هذا!"

أُصدقها لأن هذا هو ما أشعر به دائمًا؛ أكتب بينما تتسارع أنفاسي كأنني غير قادرة على إدخال الهواء لرئتاي، ليس هناك وقت يجب أن أنهي ما أكتبه كأن مصير العالم أجمع يتوقف على تلك اللحظات التي تكتب فيها، كأن مصير العالم يتوقف على كلماتك؛ وعندما أنتهي من الكتابة أتنفس الصعداء، الآن فقط يمكن للعالم أن يعش في سلام.

لم تستسلم رضوى عاشور لمرضها. أتخيلها وهي تجر نفسها لتجلس وتبدأ تضرب بأصابعها على لوحة المفاتيح. الكتابة ليست سهلة فهي تستهلكك تمامًا، تستهلك رأسك، يديك، وضعية جسدك، تفكيرك، ماضيك، ذكرياتك، قاموسك وعينيك؛ ولكنها رغم كل هذا كانت تكتب.

أنا متأكدة أنها كانت تواجه ألمًا شديدًا وأعراض جانبية إثر المرض، ربما فكرت في ترك كل شيء، او ربما لم تفكر في ذلك بل فعلت ما يجب عليها فعله لإنقاذ العالم.

أما أنا، فأكتب لاقاوم عجزًا أشعر به. ربما أكسبتني رضوى بعض القوة لأثبت لنفسي أنني مازلت قادرة على إنتاج شيء، أنه مازال بي جزءًا حيا ينبض رغم المرض ورغم الألم ورغم العجز.


  • 4

   نشر في 18 فبراير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا