البُولِيــــــــــــــــــــــرُو - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

البُولِيــــــــــــــــــــــرُو

  نشر في 30 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 02 يناير 2019 .

(1) شِيــــــــكٌ من خشب

"هل تعلمون لماذا كنّا نحبّه ولا نزال؟"

سأل الشرطي المتقاعد جلاّسه حول طاولة صباحية على رصيف مقهــى الشارع الكبير، ثم صمت برهة كأنّما ليمكّنهم من إلقاء نظرة على الفنّان وهو يمرّ أمامهم، قبل أن يسترسل: "ببساطة، لأنّه كان يعرف كيف يدغدغ مشاعرنا ويوقظ فينا إنسانيتنا التي كنّا نكتم أنفاسها وراء ستار تطبيق القانون... معه هو، لم نكن نطبّق القانون... كانت إنسانيته تكتم أنفاس القانون...

أذكـــر ذات دورة من مهرجان الأغنيـــة، كان الاختتام في ليلة شتوية باردة وممطرة... جاءنا إشعار بأنّ موسيقيا سكرانا يحدث هرجا في قاعة المسرح قبل انطلاق الحفل... كان غاضبا من إدارة القاعة التي لم توفّـــر جهاز بيانو ضروريا لتنفيذ أغنيته... ثار على قائد الفرقة الذي قال أنّه سيتدبّر أمره وينفّذ ما كتبه الملحّــــن للبيانو بآلة الأورغ... لمّا وصلنا هناك، وجدناه يقول كلاما عن الفرق بين البلّـــور والكريستال، والحاضرون موزّعون بين ضاحك وغاضب... خاطبه الضابط باسمه في لهجة حادّة، وكان بينهما سابق تعامل بسبب صعلكات ليلية. ولكنّ الفنّان ردّ عليه بأنّه ما بقي إلاّ الشرطة كي تفضّ إشكالا موسيقيا صوتيا... كنّا نبتســـم مستلطفين ذهابه مباشرة إلى الموضوع وتسميته الأشياء بأسمائها دون مراوغة ولا ماكياج. ولكنّ الأوامــر كانت واضحة: "علينا إيقاف الموسيقي المعربـــد، قبل وصول موكب وزير الثقافة وانطلاق النقل التلفزي المباشر لوقائع الحفل."

في مركز الاستمرار الليلي الذي يقع على بعد أمتار من قاعة المسرح، جلس الموسيقيّ يشرح لنا ما حصل مصرّا على تسجيل شكوى ضدّ مدير القاعة وقائد الفرقة الموسيقية ومدير المهرجان... في الأثناء كنّا نتابع وقائع الحفل على شاشة التلفزيون.

لمّا نودي على اسمه متوّجا بالجائزة الكبرى للمهرجان، اشتعلت القاعة تصفيقا وتصفيرا. وكان هو يبصق باتجّاه الشاشة متمتما بكلام غير مفهوم. ونحن نقدّم له التهاني، رنّ الهاتف ليُطلَبَ منّا إحضار الفنّان فورا إلى قاعة المسرح... وجدنا أنفسنا نتحوّل من شرطة إلى حلاّقين وأخصّائي تجميل، نغسل له وجهه ونبحث عن عطر نرشه به ونسوّي شعره بأصابعنا.

كان الخوف كلّه من أن ينفلت الفنّان بكلام غير محسوب يُنْقَـــلُ على الهواء. ولكنّ الفنّان كان وديعا شبه تائه كأنّه غير مدرك لما يحصل حوله داخل "علبة الحلوى". سلّموه شهادة تقدير ومجسّما صغيرا وصورة شيك بنكي على لوحة خشبية كبيرة كتب عليها مبلغ الجائزة بأرقام بارزة...رفض الفنان الاستجابة لطلب المصوّرين الصحفيين بأخذ صورة إلى جانب الوزير ومدير المهرجان ونزل مسرعا من الركح وهو يشاكس أصدقاءه الحاضرين في القاعة مداعبا تلك الأرقام رقما رقما...

انتهى الحفل وأمّنّا عودة الوزير وضيوف المهرجان وغادر الجمهور وانصرف الفنّان محاطا بأصدقائه وعدنا إلى مركز الاستمرار... ليلتها طاف الفنّان مطاعم الشارع الكبير متبوعا بأصدقائه كالقطط الجوعى وراءه، ملوّحا بخشبة الشيك البنكي عسى أحد المطاعم يمكّنه من الاحتفال على الحساب، ولكنّ أصحاب المطاعم كانوا يكتفون بالضحك ثمّ يغلقون أبوابهم في وجهه...

بعد يومين حضر الفنّان إلى المركز، قال أنّه أضاع بطاقة هويته، لذلك يحتاج أن نسلّمه شهادة رسمية تثبت أنّه هو وليس شخصا آخر حتّى تمكّنه إدارة المهرجان من الشيك البنكي الحقيقي... كان يتأبّط الشيك الخشبي الذي امّحت أرقامه وكتابته وسال حبره كالدمع..."

أخذ الشرطي المتقاعد رشفة من قهوته ثم قال "هذا فقط مثال يبيّن لكم لماذا كنّا نحبّه ولا نزال..."

(2) البوليـــــرو

قابلته عند الضحــــى صدفة وكان يحثّ الخطو وقد تدلّت من كتفه محفظة بالية فارغة... طوّق كتفي بذراعه وقال تعالى معي، دون أن يترك لي مجالا للاختيار... قلت مشاكسا: ما هذه الخرقة التي على كتفك، كأنّك شاعر مجنون؟ عضّ على شفته وغمز بعينه: "شاعر مجنون؟ صبرك أيّها الأحمق؟ سترى ما لم تره في حياتك بعد دقائق"... دخلنا مكتب البريد المركزي بشارع قرطاج فقدّم للموظّف شيكا من فتحة النافذة، وسرعان ما قام الموظّف يدعوه إلى دخول المكاتب من باب جانبي موارب. تركني في قاعة الانتظار الفسيحة بعدما قال لي: "انتظرني هنا، لا تذهب بعيدا" وبعدما توارى خلف الباب أعاد فتحه ليطلّ برأسه ويضيف: "أيّها الأحمـــق"... أحسست نفسي طفلا صغيرا يتلقّى تعليمات من والده، وأعجبني الدّور فامتثلت... عاد بعد عشر دقائق على وجهه غبطة الأطفال وهو يتأبّط الحقيبة وقد انتفخت... قلت في نفسي: أترانا طفلين كلانا، ولا أب ولا يحزنون؟

طوّق كتفي بذراعه كالعادة ونزلنا السلم مغادرين... حال خروجنا من هناك، سألني:

- ألا تحنّ إلى البوليرو؟

- قلت: بلى، بلى، لا أملّ من سماعها... من أروع ما سمعت...

- ستبقى طول حياتك أحمق كما عرفتك... اسكت اسكت وهيا معـــي...

مشينا قليلا حتّى أدركنا منعطف نهج يوغسلافيا، فدار بي وهو يسألني: هل تعرف كم في هذه الحقيبة من نقود؟ ودون أن يترك لي فرصـــة الإجابة، واصل: خمسة عشر مليون ألف جد والدين دينار أيّها الأحمق... وصاح: نحن أغنياء، أغنياءءءء " فهمت أنّه قبض مقدار الجائزة التي فاز بها في المهرجان، وهي خمسة عشر ألف دينار. ضحكت في سرّي من براءته وهو الذي يعتقد أنّ هذا المبلغ البسيط ثروة طائلة...

دخلنا مطعم البوليرو فاستقبلنا الفتى فتحــي بتوجّس... قال صديقي: "لنجلس في القاعة الداخلية، تلك المقصورة تبدو لي أكثر وجاهة"... انتظر النادل أن نختار طاولتنا ثمّ جاءنا بقائمة الطعام وأخذ يجهّز الطاولة بالسكاكين والفرشاة وسلّة الخبز... أمسك صديقي يده ودسّ فيها ورقة نقدية من فئة العشرين دينارا ثمّ قال له: "اليوم، لا أريد أن أرى خبزا على هذه الطّاولة مطلقا... خبزنا اليوم هو الجمبري. كلّما فرغ صحن، آتني بغيره، تماما كما لو كنت تأتني بالخبز"... ابتسم النادل فتحي، وأومأ برأسه موافقا وقد أسعدته العشرون دينارا... استوقفه صديقي وهو ينصرف: "جئني بأفخر أنواع النبيذ لديكم، هل عندكم شيراز أو سانت أوغستان؟" ردّ فتحي: "موجود، موجود"... أضاف صديقي: "وياحبّذا لو تسمعوا هذا المسكين قطعة البوليرو لرافال"... لمّا انصرف النادل، قال لي صديقي: "كم أكره الخبز... إنّه ينفخ البطن ويحوّلها إلى بالون من الغازات... الخبز أكل الفقراء... هم وحدهم يموتون من أجله... هل تعتقد أنّ الملوك والأمراء يأكلون الخبز؟"

وقفت قاصدا الحمّام، وكان يتمخّط في ورقة من فئة الثلاثين دينارا، فأدخل يده في المحفظة ليسحب منها حفنة من الأوراق المالية ويقول لي بلهجة آمرة: خذ، هذه بعض المناديل الورقية... لا ماء لديهم في دورات المياه"

لم أفكّـــر لحظة واحدة في مخالفته، كان يحركني كما يفعل المنوم المغناطيسي فأستجيب آليا...

لمّا غادرنا المطعـــم، كانت الأوراق المالية قد تكوّرت داخل المحفظة وصارت ككرة الجوارب...

كان سكرانا ولكنّه في أوجه يقظته الذهنية... أعرف جيدا تلك اليقظة الهشّة المرهونة في أقلّ منغّص كي تنقلب إلى عربـــدة... كنت أمشي داعيا اللّه في سرّي أن يبعد عن طريقنا أولئك الذين يتحوّل إلى صعلوك بذيء ما إن يراهم... لمحنا صديقة مشتركة تجلس إلى مقهـــى الهناء في جادّة الشارع الكبير، وكانت لها عليه أفضال كثيرة، توجّه إليها وأدخل يده في الحقيبة ثمّ سحب ملء كفّه حفنة من الأوراق النقدية ودسّها في معطفها وهو يحضنها متمتما: "سامحيني، سامحيني..." لم يكن أمامي إلاّ أن أهرب بالحقيبة وأتركه يلج بطن الحوت، أقصد مقهـــى لونيفار...

لهذا وغيره أحبّه وسأظلّ أحبه...

ملاحظة:

1- علبة الحلوى la bonbonnière: هكذا يسمّى المسرح البلدي بتونس العاصمة


  • 1

   نشر في 30 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 02 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا