مرارة الفقد بدأت بصوص - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مرارة الفقد بدأت بصوص

  نشر في 26 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 31 يناير 2019 .

عاد أبي من المدرسة فأخبر أمي ان فلان قد مات ، ف عندما سمعت أمي الخبر أظلم وجهها وانطفأ نورها وذبلت عيناها من شدة الحزن ، ابي ذهب الى الدفن ،فسألتُ أمي من الذي مات قالت انه كان شاب في ريعان شبابه نقي القلب هادئ الطبع فترحمت عليه وهي تقرأ الفاتحة بدأت عينيها تبرق وامتلأت بالدموع ، قرأت الفاتحة مع اخواني الصغار التي كنا لا نحفظ سواها ، اراها تبكي فبكينا معها تضامنا ، لم افهم لماذا بكت ومامعنى ان تفقد شخص تعرفه ؟ اليوم التالي اذهب الى القرية المجاورة يوم الاربعاء صباحا ، انطلق مع جدتي الى سوق الأربعاء ،كان عمرها يتجاوز الستين صوتها رقيق نحيفة الجسم مشرقة الوجه، خفيفة الروح، رغم كبر سنها كانت ماتزال وسيمة ، كنت مرافقها الخاص ، نركب باص (علاوي ) ، يُخيّلُ الي أن كبار السن يصبح لديهم دسك من وراء هذا الباص ، تنكة على شكل باص، انا الصغير والباقي كلهم مسنين ف انجبر ان اجلس في الكرسي المعاكس ولكن يشبه كل شيء الا الكرسي ، وكانك متسلق شجرة وعلى وشك الوقوع منها هذا كان وضعي في الباص ، وان كان الطريق 10 دقائق يصبح بباص علاوي اكثر من ساعة، ونحن نتبادل أطراف الحديث في السوق ، يمر بائع السحلب تخيرني بين السحلب و الميلو ، أخجل ان اردها فأوافق على السحلب، ويقتلني البائع عندما يضيف القرفة التي أكرهها له رغم ذلك أشربه على مضض ، الآن ياجدتي..هل تعلمين؟!! اصبحت من عشاق السحلب الزمن غيرني غير كل رغباتي ، ونحن نتمشى في السوق ، اقلب نظري فيما حولي فأجد بائع طيور ووقعت ناظراي على تلك الصيصان الصفراء التي لطالما أحببتها طلبت منها أن نشتري فتوافق على طلبي اشتريت ثلاثة صيصان، الفرحة غمرتني ورسمت على ثغري ابتسامة لؤلؤية، وكأني في حلم ،ياالله كم كنت سعيد يومها!.. بدأت أفكر متى نعود الى بيتنا لأعتني بهذه الصيصان ، انتهينا من الرحلة المتعبة عدت الى نفس المقعد أو الذي يشبه المقعد لم يعد مهم بالنسبة لي ، كانت فرحتي قد انستني المقعد وغيره ومنحتني راحة نفسية وكأني قد استقلّيت أفخم طائرة المهم صيصاني معي عندما عدت الى بيتنا وضعت الصيصان في قن و قدمت لهن الحب المجروش ووضعت في علبة صفيح صغيرة ماء وقدمته لهن، حتى بعد أن صلينا المغرب فذهبت أتحسس الى القن ،لأطمئن على صغاري وضعت لهن نوراً صغير لكي لا يخافوا ،اعتقدتُ أنهنّ مثلي يخشين الظلام والعتمة ، نمت تلك الليلة وأنا أفكر بالصيصان ،فقد نِلن الاولوية من اهتماماتي حينها، كل من يمدُّك بوميض من السعادة لن يغادر فكرك ،حتى ولو كانت مجرد صيصان ، استيقضت صباحاً قبل أن أغسل وجهي، خرجت لأتفقد أوضاع من أحبهم فوجدت أن أحد الصيصان قد مات ، أبيضت عيناي من الحزن فكظمت ،هناك...بدأت رحلة الفقد من محطة هذا الصوص الصغير، لم أصدق أنه مات ، الآن أدركت لماذا امي بكت عندما مات أحدهم ،عدت فارتديت قميصا أصفرا مخططا وحذاء بنيا قديما مغبرا وبنطالا أسود شاحب اللون، رفضتُ أن أتناول الفطور ، وجهي عبوس كوجه يعقوب عندما فقد يوسف ، فقدت وما أصعب الفقد!! اخذته وحفرت حفرة صغيرة دفنت صوصي فيها ،وأنا في أشد لحظات ٍ من العزاء وأثقلها عل النفس، قرأت عليه الفاتحة كما قرأت أمي الفاتحة من قبل بكيت عليه وليس أيُّ بكاء بكاء من القلب ،كانت أول مرة ابكي من أعماقي لفقدان شيء أحببته ورحل ولأول مرة أتذوق فيها مرارة الفقد الحقيقي بعد يوم من فقداني لهذا الصوص، فقدت الصوصان الآخران ، لم أحزن مثلما حزنت اليوم الأول بدأت أنسى.

أنسى كلمة معظم من يقولها لايصدق لاشيء ينسى لاصيصان ولا غيرها او بالأحرى من الصعب جدا نسيانه وسيبقى له أثر،الفقد كلُّه مؤلم ومتعب لان الفقد يأتي على شكل فاجعة.

(كل من عليها فان) من الآية الكريمة يجب ان نعلم ان الفقد سنة كونية ثابتة ، كلنا سنَفقد وسنُفقد ،رحلة الفقد ستستمر رغماً عن أنوفنا...

في رواية دراغونوف لإبراهيم المحلاوي يقول :" لا يوجد أحد في الدنيا ليس له بديل...ربما يكون الصعب أن تجده ، لكن المهم أنه موجود..الحياة لو كان بها اشخاص ليس لهم بديل لأصبحت جحيما لا يطاق ، وهذا من نعم الله علينا..."

من رحلة الفقد يجب ان نتعلم الا نتعلق بأي شيء بأي شخص التعلق الوحيد الذي ليس فيه خسارة التعلق فيه سبحانه وتعالى

"يارب ...وأنت الكبير في عليائِك وأنا الهَباءةُ في كونِك، فكُن أنت الصَّاحبُ في سفرِ الحياة"


  • 2

   نشر في 26 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 31 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا