فتات الماضي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فتات الماضي

الجزء الاول

  نشر في 29 أبريل 2020 .

فَتحتُ رسالتكَ بعد منتصف الليل، تَقُول:

"مضى شهر على فراقنا وأربع ساعات ودقيقتين وثانية،

لا تعبسي وجهك الجميل كوني لهنيهة غَدوتُ محب التفاصيل، ولست مغرم بها بتاتا أو شيء من هذا القبيل، فأنا الذي أصبحت بين عشية وضحاها أسير أشياء كان لا يطيقها يوماً، قد تستخفي من هذا الأمر لكنني حقاً لم اعد أبالى، فالحال الذي أنا عليه اليوم لا تدركين مدى حضيضه.

. أتعلمين! يقال أن الظالم والخاطئ كلاهما سيان، يدفعان ثمن أفعالهم، وها أنا أدفع ثمن أخطائي واحد تلو الأخر إلى أن اشتد الندم.

في ذلك اليوم،استشاطت غضبي اتصالاتك المتكررة وعصبيتي، رفعت السماعة ثم أجبتك بامتعاض، قلتِ بصوت مرتجف:

"لم لا ترد على اتصالاتي"

أَجبتُك دون مقدمات "بحياتي امرأة أخرى"، ثم أنهيت اتصالكِ دون مراعاة. فور انتهاء المكالمة بعثت لها برسالة اسألها إن كانت متفرغة لنخرج سويا. وقتذاك كنت اشعر أنني اسعد رجل في العالم كما لو انكِ كنتِ العبء الوحيد الذي يقف بيني و بين السعادة، نسيتُ أمركِ بين ليلة وضحاها، كأنكِ لم تكوني بحياتي قط، كان زوالكِ كزوال مساء ممل يحين بعده الغد لا محال. بدا لي رحيلك سهلا لم يخلف وراءه اثر، صحيح أنه لم يعد يرن هاتفي كالسابق وغير ممتلئ برسائلك وبالرغم من إمضائي وقت ممتع معها، إلا انه في آخر الليل يزورني شعور الوحدة القاتلة، لا انكر أن جزء مني تعود على اتصالاتك الليلة، تسردين لي تفاصيل يومك بدقة متناهية، بالرغم من أنني كنت اعتبرها منك مجرد ثرثرة، إلا أن أسلوبك كان يلفت انتباهي ويجذب نحوك كل مسامعي. كنت كلما اعتراني الأرق احمل هاتفي لأخاطبها، عسى أن تخفف عني لكن دون جدوى، لم تكن مثلك تجيد السرد والحكي، لم يكن باستطاعتي مطاردته ولا باستطاعة احد، يا من كان في سميري شهرزاد.

ذات يوم أخبرتني هي الأخرى أنها لم يعد بمقدورها البقاء، بحيث علاقتنا أصبحت تشكل لها عائق بينها وبين أحلامها، قالت أشياء منمقة أشعرتني كما لو أنها تريد التخلص مني لا أكثر، وبما أنني لست ذاك الذي يتسول الحب ويتوسل للنساء، تركتها ترحل دون وداع، حملت نفسي وترجلت من المقهى بكبرياء شامخ دون أن أدير لها ظهري، أو أفكر في طلب إعادة التفكير فيما قالته للتو.

في تلك الليلة ذهبت للسهر مع أصدقائي الذين يمثلون لك برفقاء السوء، في كل مرة أخبرك فيها أني سأسهر الليلة تثورين في وجهي غيظا، تقاومين حتى تنخر كل قواك، آنذاك غيرتك لم تكن تحرق إلا سواك، سألتني ذات مرة لماذا نخون؟ فأجبتك قائلا: "نحن معشر الرجال لا نخون النساء، إنما حبَّاً فيهن نتغزل بحسنهن إكراماً لجمالهن"، طأطأت رأسك كمن ليس بيده حيلة، لكن أدركت فيما بعد أن الخيانة تعد خيانة ولو كانت بالتفكير.

أتصدقين أنه للمرة الأولى لم يحدث ذاك الذي طرأ على ذهنك الآن، حتى هذا الجزء مني قد تغير، اكتفيت فقط بالجلوس والتحديق في كأسي، أنخب الخسارة، مع كل رشفة ألعن نفسي ألف لعنة. كان ذلك الشعور الذي ذَكرتَه لك سابقاً يكبر مع مرور الأيام، إحساس وبيل خانق. يوم بعد يوم تغمرني لواعج الحنين، ويأخذني الشوق إليك، لتحيا ذكرياتك من جديد، فأرويها من حسرتي ما استطعت، فإذا بها تصبح باهتة، ذابلة لا تسر الناظرين، ارمقها بنظرات اسفي الشديد، مكبل اليدين بأصفاد الماضي، فأقف على ناصية الهاوية دون حيلة، مدركاً لحطامه ولبصيرته التي كانت لك بالعمياء.

حاولت البحث عنك، لأرمى بمشاعري الثقيلة قي قاع بحرك، كنت أريد ان أضمك، أعلم أننا كنا مع بعضنا لعامين ولم أضمك ولو لمرة واحد، لم تتسخ طهارتك بقذارتي، لكن العناق هنا اقصد به ذاك الذي يرمم جراحي، يعيد ترتيب مشاعري، ويطهر تلوثي، فوحدي لا استطيع صدقيني، طيفك أصبح يلف حول عنقي بسلاسل، يلاحقني أينما ذهبت، غدا كظلي يعاتبني ويقول كلاما لم تشئي قوله لي.

كيف يكون ثمن الخطيئة يا هذه؟، أو الأجدر أي ثمن يضاهي ثمن خطيئتي؟

أتعلمين أمرا! حتى من تسببت في فراقنا لم يكن لها أي فصل في قصتي، كنت وحدك الفصول كلها، كانت مجرد نزوة زالت بينما أنت وحدك من تشبثت بأظافر حبها على جدران قلبي إلى أن تسببت بجروح بالغة، جروح لن أحملك ذنبها لأنني وحدي قاتلها وقتيلها. اليوم غدوت شخصا أخر، شخص يعيش في فراغ قاتم، يقتات من فتات الماضي ما يملئ ظمأ قلبه، في فراغ يلوثه الحنين والفقد، فقدتك وفقدت نفسي معك، كما لو أنك خلقتي مني ولأجلي يا من لم أخلق لأجلها ولو لثانية، أتدركين أن الندم لا يفيد الميت سوى أن يجعله يموت بدل المرة مرتين؟.

لقد مر شهر حثيث، مر لا يشتهيه احد، نبضات قلبي بدأت تتباطء، أحدق في عقارب الساعة متسائلاً كيف تدور حول نفسها وكيف تجيد التكرار دون ملل أو كلل، لكن الساعات لا تشبه بعضها البعض، ففي كل ساعة حدث وشعور مختلف تماما، إلا أنا شعوري يعيد نفسه، شعور باهت يملئه السواد، كالسم يتلذذ بوجعي، لا يترك موتي يأتي بسلام، ولا يترك حياتي للسلام.

اشتد التعب، بدأت تراودني فكرة الرجوع إليك، لتعيدي ترميم جروحي، بالرغم من أن الخوف بدأ يجتاحني، إلا أن عشقك لي يستحق المخاطرة ولو على خطى كبريائي، ولو صار بدل الموت مرتين ثلاث، سأموت على الأقل شهيدا على ساحة قلبك، سأخبرهم أنني كنت دائما المغترب عن وطنه، وعندما رجوت منه الاحتواء، اندلعت مدافع غضبه نحو صدري، فقلت أشهد أن لا حبيب لي سواك واشهد أن القلب هذا لا يبتغي إلا سواك.

في دقيقتين، اندفعت تجاه الهاتف مسرعا لاتصل بك، لكنني ترددت وتسمرت في مكاني حائرا، تسارعت نبضاتي و تعرق جبيني، لكن حزني القابع بداخلي كان أكبر من جرأتي، فأذنت له بكتابة ما شاء ورغب، عسى أن يخفف عني، ويردك لي.

إذا سألتني ماذا حل بالثانية، فسأجيبك: أدركت فيها أنني "أحبك".


  • 3

  • souhayla kheir
    " هدف كتاباتي ملامسة قلوب البشر و ليس الشهرة كما يعتقد البعض "
   نشر في 29 أبريل 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا