فأقم عليهم مأتما وعويلا! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فأقم عليهم مأتما وعويلا!

السلام عليكم

  نشر في 21 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

إذا وصف الطائي بالبخل مادر              وعير بالفهاهة باقل

وطاولت الأرض السماء سفاهة            وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

فيا موت زر إن الحياة ذميمة               ويا نفس جدي إن دهرك هازل

إن لكل أجل كتاب والموت محتوم وهو كأس تشرب منه النفوس رغم أنوفها ولا يجحد أحد على ذالك أن يكون مصيره في أحد الأيام على السرير وعلى آلة الحدباء وتحت نعش يضعه الرجال على أكتافهم ثقيل ضخم لا يقوى أحدهم على حمله نزعت منه الروح فهو جثة هامدة لا تتحرك ولا تصدر الأصوات وكان قبل هذا أسدا مغوارا وبطلا هماما مطيعا بين قومه تصدر منه النفوس برأيه السديد وفكره العميق أما هذه الساعة فقد أصبحت جيفة تعاف منه النفوس وتسد أنوفها بأقمشة ولا تذيق رائحته الكريهة النتنة قد حال عليه الحول وانتهت صلاحيته فقد أتى عليه الموت هادم اللذات من حيث لا يدري وأصبح رفيق الفراش هزيل الجسم يعاني وبعد معانات طويلة تحضر عليه المنية بين عشية وضحاها

وإذا المنية أنشبت أظفارها                رأيت كل تميمة لا تنفع

فقد ذهبت أمنياته أدراج الرياح وضاعت أحلامه بين الأمواج المتلاطمة وصار ينشد ويغني بهذه الأبيات شعر صالح بن عبد القدوس وهو في سكرات الموت يرثي ويوصي ببني جلدته في اختيار الأصدقاء الصالحين النافعين في هذه الحياة الزائلة

المرء يجمع والزمان يفرق                  ويظل يقع والخطوب تمزق

وأن يعادي عاقلا خير له                  من أن يكون له صديق أحمق

فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا     إن الصديق على الصديق مصدق         

وزن الكلام إذا نطقت فإنما           جيدي للعقول المنطق

وبعد صولات وجولات في ميادين المستشفيات وقيل من راق وذهب الناس في كل مذهب ولكن لم تعثر له أي دواء (وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق ) وحضرت الملائكة في نزع الروح( والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذالمساق) ولكن أيه القارئ الكريم هل تعلم أن هناك من هو أسوأ حالا من هذا الميت الذي فارق الحياة وشد رحاله إلى الحياة الآخرة تنتظره السؤال أمستراح أنت أم مستريح هل تدري بأن فقدان الضمير أسوأ من فقدان الحياة لعلك تتساءل كيف ذالك والجواب بين يديك لما خلق الله الانسان حباها الله العقل ليميز بين الحقائق وسفاسف الأمور فهو نبراس مبين الذي يبين وينير له الطريق في هذه الحياة كثيرة المشاكل والأحوال فهو القائد يقود النفس نحو سبل الخيرات وما ينفعها في الدارين لكسب حياة سعيدة فيهما ويدرأ عنها عن رذائل الأمور ومساوئ الحياة والعقل هو الحصن المنيع فهو منبع المعرفة والدراية فإذا لم يقم بعمله المنوط الذي وضع له أو قصر عن أداء مهمته في توضيح الأشياء والحقائق والأمور عن بعضها البعض الزائفة منها عن الحقائق المرجوة لتحقيقها في واقع الحياة اليومية فإذا لم يؤدي هذا العمل المذكور فقد مات عن مهنته التي لأجله خلق ومن هنا تموت النفس ويموت معها الضمير رويدا رويدا ويعيش المرء في حالة مزرية يرثى لها يقع كذباب على كل شيء صحيحه وسقيمه لأن عقله مات تلك الآلة التي كانت تتحكم في أفعاله وأعماله فلا يميز بين الفاسد والصالح وبين الحسن والجيد فقد مات الضمير إثر وفات العقل فإذا مات الضمير ماتت الحواس فهو يورد نفسه موارد الشر ويبتعد عن مناطق الخير وتتآكل كل أعضائه ويصبح خبر كان ويبقى منه الطول الفارع والجسد الفارغ يرتكب المعاصي والموبقات ويفتقد الإحساس الديني ويفتقر إلى من يساعده لانتشاله من هذه الأوحال التي يعيش فيها وقل ما تجد من يسعفه ويعيده إلى رشده وما أكثر هؤلاء الذين يعيثون الفساد في الأرض بدون روابط دينية وأخلاقية فقد عريت أنفسهم عن الوازع الديني والخلق ويرتكبون المعاصي جهارا ونهارا إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم وذالك بارتكابهم المعاصي التي لا تحصى عددا فقد خرجوا عن مقاييس الحياة ومنوالها الصحيح وانجرفوا نحو اشباع غرائزهم واخلطوا أنفسهم بالأعمال الدنيئة كما يخلط العجين على الماء وصاروا كهشيم محتظر كجذوع نخل خاوية لا قوانين تردعهم ولا شيمة الرجال توقفهم وتنصحهم أحياء أموات ولكن لا يشعرون فموت الضمائر أسوأ حالا وأشد وأنكى من موت الإنسان فإذا مات الإنسان انتقل من هذه الدار إلى الدار الأخرى وإلى حياة أخرى ولكن أن يذوب الإنسان في حياته اليومية كما يذوب الملح في الماء ويعيش في هذه الدار حقيرا تتقاذفه الظروف فوق الجبال ولا يرى فيها بصيصا من نور الحياة السعيدة يعيش في أحلام هي أشبه إلى الخيال يمني بها نفسه في مستقبل بعيد فما أكثر الغوغائيين والثرثارين المتشدقين في هذا الكون الذين يعتكفون على مجالس قيل وقال ومالا يعنيهم من الحديث يهيمون في كل واد ويقتلون وقتهم ويهدرونه مالا ينفع ولا يهم فقد نهى الحبيب أن يهدر الانسان الوقت الذي هو بمثابة الذهب والفضة هو أغلى ما يمتلكه المرء في الوجود بما لا ينفع ويهدره بقيل وقال والجلوس في الطرقات وقد قال في غير موضع واحد (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وهؤلاء الكسالى الذين يسبون الدهر ويعيبون الزمان والعيب فيهم كما قال الشاعر

نعيب زماننا والعيب فينا                  وما لزماننا عيب إلا سوانا

وهؤلاء السفلة يرددون بألسنتهم  أنهم عاطلون ولا يجدون عملا ويطلقون عنانها بسب الدولة والحكومة لأنها لم توفر لهم الأعمال والأشغال يخرجون من الأحياء الشعبية وإلى الأماكن الخالية ويكثرون اللعب والشتم والسب وبحضرة الإلهية والرسول والدين وليست هناك قوانين تزجرهم وتنهيهم عن ذالك علما بأن الإله والدين من أسباب التي تخرج الإنسان عن الملة وهي من نواقض الاسلام وإذا رأيت هؤلاء رأيت الشر يكشر أنيابه لدحر الحق ونشر الباطل فقد ماتت ضمائرهم وودعوا الحياة فبل سنين وهم أحياء أموات من عداد الأموات فأقم عليهم مأتما وعويلا وحين يعسعس الليل ينتشرون في أحياء المدينة ويتعرضون للجواري المسكينات ويغتصبونهن في قارعة الطريق ثم يختفون في جنح الظلام وعندما يتنفس النهار يعودون إلى أكواخهم وهم يحملون مما وجدوه من نهب وسلب وسرقة ثم يعيدون الكرة في الليلة التالية ويبدؤون من حيث وقفوا في البارحة في مطاردة فريستهم من النساء القواعد والقوارير فينهبونهن في مرأى الناس ولا أحدا يطاردهم فقد فشى أمرهم وصدع صوتهم وبلغ حديثهم في جميع جهات الدولة ولكن لا أحد يلاحقهم وكأن أمرهم أمر دبر بالليل فمازالوا يمارسون مهنتهم الوضيعة في ضاحية المدينة وفي مرأى الشرطة والشعب كمستجير من الرمضاء نار فهؤلاء الذين يلبسون زي الشرطة ليسوا أحسن حالا منهم إن لم يكونوا أسوأ منهم فهم يمارسون التعذيب والتنكيل بدون تهم وجرائم الموجهة إليهم يتكدسون على الناس ويقتلونهم أسرابا أسربا حتى لا يعلم ولا يقتفى أثر قاتليه ويثأر منه ولذالك ترى هؤلاء الأشرار من قطاع الطرق أحرارا يمارسون أفعالهم بدون أي خوف ولا يجد المتضرر منهم من يستغيثه ويستنجده إلا الله وتوجد هناك أيضا شرذمة قليلة تستأثر بأموال الناس وتغتسل بالماء العذب والشعب يموت عطشا وجوعا يعيشون حياة الملوك يقولون بأفواههم الوطن لنا والشعب لنا والعلم لنا والأرض لنا كل شيء لهم حسب اعتقادهم الضال هذا غيض من فيد من أفكارهم ومعتقداتهم الخبيثة الفاسدة ولا يتسع المقال لذكر الجميع إنهم أفراد من هذا المجتمع العريق يتنكرون لهذا الشعب ويكيدون لهم المكايد يتصدرون في مجالس علية القوم يأكلون كما تأكل الأنعام والبهائم ولا يفرقون بين الليل والنهار لا يعرفون إلا أنفسهم ومن يحيط بهم يتسامرون ويتحدثون أن دنيا الناس لهم جميعا يتملقون لهذا الرئيس فهم حاشيته يديرون الدولة العميقة عبر مجالسهم القاتمة يسجنون الناس بأتفه الأسباب حتى سمعت أن أحد عناصرهم وهي امرأة قد أدخلت سجن كبود شيخا طاعنا في السن بدون تهمة واضحة فقد مكث في السجن أربع سنوات بدون محاكمة شرعية وحين نشب خلاف بين هذه الامرأة وسيدتها في موضوع تقاسم الأموال عزلت الأولى عن العمل واثر ذالك تذكرت عملها الدنيء بحبس هذا الشيخ وأمرت بإطلاقه ولو لا افتقاد عملها وتدارك نفسها ومحاسبتها بعد افتقادها العمل لمكث في السجن ونسي أمره إلى أمد بعيد ومازال الشيخ يتألم ويتحسر بهذا الحبس المزور الظالم هذا جزء بسيط من أعمالهم الدنيئة من هؤلاء الذين أفسدتهم الحياة ومازالوا يرتعون ويلعبون والموت ينتظرهم وقد ماتت ضمائرهم بأكل أموال الناس ومعاداتهم والله يقول (سأستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين) وفي موضع آخر يتوعدهم ويقول (كلوا وتمتعوا قيلا إنكم مجرمون) ولما رأى الشعب هذا المشهد القاتم الذي أرخى سدوله عليه في زمن طويل يقرب عقدين من الزمان والناس يعيشون في رمق الحياة الأخير فهاهم ينشدون ما أنشد به أبو العلاء المعري

لدي موطن يشتاق كل سيد                     ويقصر عن إدراكه المتناول

ولما رأي الجهل  في الناس فاشيا               تجاهلت حتى ظن أني جاهل

فوا عجبا كم يدعي الفضل ناقص            ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل

فكيف تنام الطير في وكناتها                  وقد نصبت للفرقدين الحبائل

ينافس يومي في أمسي تشرفا               وتحسد أسحاري على الأصائل

وطال اعترافي بالزمان وصرفه                 فلست أبالي من تغول الغوائل

فلو بان عنقي ماتأسف منكبي                        ولو مات زندي ما بكته الأنامل

ونقول لهذا الشعب الأبي الذي مازال يناضل في تكميل رحلته لتحرير الأنفس من الاستعباد وتحريره من الاستعمار المتربص المتلبس هذا الشعب الذي لا يزال يبحث عن حياة كريمة

تغرب عن الأوطان في طلب العلى               وسافر ففي الأسفار خمس الفوائد

تفرج الهم واكتساب معيشة                                  وعلم وآداب وصحبة ماجد

وان قيل في الأسفار ذل ومنحة                             وقطع الفيافي واكتساب الشدائد

فموت الفتى خير له من حياته                                بدار هوان بين واش وحاسد

ونقول لهؤلاء المتملقين والمزورين والواشين والمتشدقين و

من يملك درهمين تعلمت                                          شفتاه أنواع الكلام فقالا

وتقدم الإخوان فاستمعوا له                                     ورأيته بين الورى مختالا

لولا دراهمه التي يزهوا بها                                   لوجدته بين الناس أسوأ حالا

ونرسل إلى الوالي رسالة ننصح بها ليأخذ خطوات واثقة ومتأنية ويبعد عن نفسه الطيش والتسرع

صافي الكرام فخير من صافيته                           من كان ذا أدب وكان ظريفا

واحذر مؤاخاة اللئيم فإنه                              يبدي القبيح وينكر المعروفا

إن الكريم وان تضعضع حاله                             فالخلق منه مازال شريفا

والناس مثل دراهم قلبتها                             فأصبت منها فضة وزيوفا



  • المنتصر بالله
    أنا اسمي المنتصر بالله عندي أربعة أطفال أجتهد في عملي وأقوم بتدريس أولادي في المساء
   نشر في 21 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا