على حواف الوداع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

على حواف الوداع

  نشر في 30 يوليوز 2020  وآخر تعديل بتاريخ 01 غشت 2020 .

فاطمة - ديسمبر 2011


تعالت شهقات ذاك الصّباح الصّيفيّ الصّاخب؛ فارتخت لتتلاشى في سماء ملبّدة بصفاء منغّص، تثاءبت الجراح معلنة عن ميلاد جرح آخر أقبل ليملأ جرّته بالخطوب ويرحل ثم يلتئم أو يتقرّح في الأخير كرقم على ورق.

إنّها القدس بمبسمها الفتّان الغائر في سحنة الحسن، إذ تقابلها ملامح التّاريخ ذاهلة حيرى ، هي ذي ككلّ يوم تصحو بابتسامة أخّاذة تطبق على أنين خافت، هي ثورة معتّقة في شرايين الحبّ ، على خلاف كلّ مدينة، تكتحل بالألم وتتخذ الجراح أوشاما فلا تزيدها إلّا حسنا وبهاء.

هي ذي كما هي دائما منذ العصور البائدة وأبدا حتّى النّهاية ، تشرق لتزاحم شمسا تكاد تنطفئ غيرة وغيظا، إذ لهذه الأرض شمسان : شمس وقدس، تلك تظلّل السّماء لتخبو، وهذه تتألّق شاهقة دوما، تسبل حسنها ذوائبا تتسلق نحو السّماء، تتنعّم في بركات الله ، و تتأنّق وهي تسدل الرّموش على الأقصى المتربّع بشموخ على عتبات أحداقها يتحدّى اللّؤم اللاهث عند أطراف صموده، أو ربّما تنصت لهمس المكبّر ،أو تطرق خجلى أمام غزل جبل الزّيتون وذهول جبل المشارف أمام حسنها.

****

أوصد باب بيتهم واستدار نحو حتفه، تعانقه كوفيّة تناثر عليها سواد يشبه حلكة عينيه، وبياض يعكس نور وجهه القمحيّ، وجموح عارم يشدّ تلابيب غيظه..

أرسل خطوات وئيدة متثاقلة و راح يهشّ على دواخل نفسه، ويدحرج على عجل 26 سنة هي سنوات عمره التي قرّر أن يسفكها من أجل القدس..

لم يكن بحاجة لتفكير عميق حتّى يحسم أمره، ولم يجد أيّ صعوبة في اتّخاذه، أليس هو التّواق دائما لموعد مقدّس يجمعه بالغزاة؟ موعد بالتأكيد سيخلفه الحجر عكس كلّ مرة، فقد كان عليه أن يتجاوز أسطورته إلى شيء آخر، المهم أن يقطف حنظل أرواحهم الدنسة وليكن بعدها ما يكون..

كل مايعرفه الآن أنه منذ طفولته يعيش بمحاذاة الانتهاك، يمر عليه كلّ يوم لتلطخه أوحاله، الانتهاك خبزهم وكلّ يومهم وهو أوّل ما يسبق نور الصّباح إلى أبصارهم..

ما أتعسها من حياة !

حياة على أطراف هويّة مشؤومة تختزل بذاتها كلّ معاني القهر، وتحكي بزرقتها المقيتة أسطورة السّرقة والاختلاس.

هنا في القدس كلّ شيء يُسرق، الأرض والهوية، الحياة والموت، المقدسات والتاريخ، الماء والهواء، وحتّى الأسماء والأنفاس تسلب! كلّ شيء هنا مضرج بجريمة أو على الأقلّ بخدوش خلّفتها نذالة عابرة..

عن أيّ جرم تراه سينتقم؟ أللغربيّة التي اغتصِبت عام الغدر؟ أم للشّرقية المسلوبة في خيبة حزيران؟ أم تراه سينتقم عن تسميات خبيثة طوت الانتماء وغيّبت الحقوق؟!

وماذا عن الهويّة التي مُزّقت ونثرت أشلاؤها في مهبّ الضّياع، ثمّ رقّعت بنصفٍ ممسوخ لهويّة أخرى تخضع لمزاج الغزاة يسحبونها أنّى شاءوا فيُجبرون على التشبث بها فقط ليتنعّموا بظلال القدس..

ماذا عن الأقصى المفجوع بهول الخيبات و المحاصر بالعجز والخذلان قبل أن يحاصره الحقد؟ ماذا عن دماء الشهداء وقوافل المهجرين وأحلام غضّة فتيّة غارت بين جدران الزّنازين؟ ما أكثر جرائمهم! وما أعمق جراحه التي لا تلتئم، كلّها أبواب مشرعة أمام نكئهم المستمرّ، يذهبون ويجيئون ليثخنوا الجراح جراحا..

و بأيّ جرم سينتقم؟

ولم يبق له إلا الجرح والحجر، وبضع ذكريات حالكة متلكّئة يتّكئ عليها عزمه وتميل عليها خلجاته الثّائرة!

لم تكن به حاجة لأن يتلقّى جرحا مباشرا أو طعنة غادرة منهم حتّى يعي فيستلّ خيار الموت أو يتلذّذ بالانتقام، إذ تكفيه تلك النسائم الذّابلة التي تخالط أنفاسه آتية من كلّ ربع مفشية عن أسى بالغ وقهر دفين، حسبه تلك الصّرخات المكتومة الهاربة من كلّ بقعة مباركة من هذه الأرض مفصحة عن جريمة أو عن انتهاك يحدث، لقد شهد الاغتصاب المعلن أمام ملأ أخرس، لقد رأى كلّ تفاصيله، ولا حاجة به إلى من يترجم له أو يبصر عنه فيلقّنه، الوعي ملكة تكتسب ولا تلقّن أبدا..

قضي الأمر إذا، وهاهو ذا على حواف الوداع يتدفّق بهدوء بين شفة الحياة وهوّة الموت، لكم كان يخشى الحواف ويكره الوداع، بل يخشاهما ويكرههما معا. أليست الحواف ذاك الخطّ الدّقيق الذي يفرّق دوما بين شيئين؟ كما هو الوداع تماما إذ يفرّق بين قلبين..

لوهلة اكتشف انّ حياته وحياة كلّ المقدسيّين حوا ف، نعم، فمنذ بدايات الخيبة وهم يعيشون على حواف الحياة وان فارقوها دفنوا على هوامش الموت، منذ نعومة أظافرهم ينبتون على حواف الهوية،على حواف القدس ، مهدّدين بالسقوط في بؤرة اللاإنتماء والتّهجير، حتّى على "المحسوم* " يقفون على حواف الكرامة مطلّين على جحيم الإهانة والإذلال، لا بأس إذن أن تكون هذه الحافة الأخيرة التي يقف عليها ليدفع بتجبر الأوغاد إلى أودية الذل والانكسار ويهوي هو في رحاب الشّهادة..

كلّ شيء كان يغرّد له سعادة وحزنا ووداعا، الأرض والزّقاق، القباب والمآذن وحتّى الكنائس، النسائم والطير والشّجر وحتّى الحجر، القدس كلّها كانت مكسوّة بمنديل الوداع ، تبتسم له وهي تفلتُ الشّمسَ دمعةً متمرّدة تجتاح خدّ السّماء وترسل أشعّتها لتربت على عزائمه برقّة وحنان..

قبل لحظات كان يودّع أمّه بصمت، إذ كانت غارقة في حديثها الصّباحي الشّهي على طاولة الفطور توصيه بحرص بأغراض ترجو أن يعود بها في نهاية دوامه، وربّما تلقي ثرثرة حلوة عن مشاغلها البسيطة التي لا تنتهي، كانت تتحدّث وهو يختلس توديعها، كم تمنّى أن يعانقها ولو لثوانٍ ، لم تحسّ بنبرته الخافتة المتحمّسة السّعيدة الحزينة، ولا بنظراته الزّائغة أو بثرثرة زفراته المتوالية، كانت نظراته تهيم في تقاسيم وجهها، تحفظها، تتعثّر بأخاديدها الجديدة فتنسكب فيها حبّا وشوقا..

أتراه بدأ يشتاق إليها منذ تلك اللحظة وهي تتوهّج بقربه ؟

ما أروعها! وما أروع بساطتها التي ورثها عنها ونورها الدافق الذي يتقاطر من محياها العذب البسّام المهيب، لكم سيعذبها فراقه ، ولكنّها القدس، تستحقّ أن يتجرعا لها كلّ صنوف العذاب..

متيقّن هو من قوّتها ورباطة جأش تصول في ربوع قلبها، فهي التي سقته حبّ القدس وهو طفل، فهل تراها سترفض أن تسقي القدس من دمائه وهو شاب يافع؟!

ودّع أخته حنين ذات الـ 18 عاما والمائة طموح، هي الأخرى لم تلتفت لهدوئه و صمته، ولا لعينيه اللّتان كانتا ترمقان انطلاقها وحيويتها الصّباحية العذبة، إذ كانت منهمكة في غسيل اواني الفطور وإلقاء تعليقاتها الطريفة كعادتها كل صباح، قويةّ كأمها ! ستسعد ربّما، إذ باستشهاده سيهبها طموحا آخر، وبه سيهديها وسام فخر ومسحة حزن قد تغطّي وجنتيها ، وقد يهبها حوافا وهوة جديدة ..

أحاسيس عجيبة كانت تتسلّقه ولم يستطع أن يفهمها، لم يكن حزينا أبداً، ولا حتّى متردّداً، بل كان في قمّة الغضب المنتشي، في ذروة الحماس المنتفض، لقد كانت مشاعراً متداخلة كتلك التي كانت تتزاحم في صدره وهو بين أحضان حجر يهمّ برجم الأوغاد، رغبة شديدة في البوح تعتريه، كأنه يريد أن يقص قصته مع الحجر والمقلاع..

أتراه يريد أن يكتب في آخر لحظات حياته وهو الذي كان طوال سنوات عمره يعاف الكتابة؟لم يكن يؤمن بها، بل كان يعدّها خطيئة لا تغتفر ويراها شكلا من أشكال الهروب؛ فالحرف بالنّسبة إليه ليس إلّا كأساً من خمر يُهرع إليه المرء ليشيّع فيه خيباته ويطفئ في تفاصيله جنون فشله..

لكم كان يسخر من زياد حينما يراه يكتب شيئا ما على دفتر يسنده لركبته كما كان يفعل دوما حينما تباغته فكرة او تهطل عليه خطرة ، فلا يبالي به هذا الأخير، فإن تمادى ردّ عليه بهدوء دون أن يرفع نظره عن حروفه :

"لا تهزأ يا حسام!

اليوم حرف وغدا حتف! والحروف ظلال الحتوف، فلا بأس إذن أن نحترف ظلال الموت قبل أن نرتمي في آتونه !"

هكذا هي عباراته الحاسمة الصارمة التي تفحمه دوما وتتركه ذاهلا في حيرة من أمره، وهكذا هو زياد دوما، رجل الحرف بامتياز ورجل البندقيّة عن جدارة إذ يترنّح ويتقلّب بينهما دونما عناء ويمازج بينهما ببراعة نادرة ، فلا عجب إن نسج قصيدة يتغزّل في أبياتها بقوام البندقيّة أو أرسل خاطرة على قوافي الحجر.

لكم أحبّه، وأكثر ما أحب فيه تميّزه الذي اختصّ به منذ طفولته، إذ التقيا منذ 16 سنة في موعد ضربه الحجر خلال إحدى ملاحمهم مع جنود الغدر، فنمت صحبتهما حتّى فاقت مراتب الأخوّة فلم يكن يفرّق بينهما إلا ساعات النّوم.

معه عرف الطّريق إلى المسجد، وفهم كيف تكون أرصفة الصّمود و الانتقام، وكانا على اختلافهما الصّارخ متكاملين، فزياد مثقّف ذو مستوى جامعي و له منحى تنظيمي واضح، أمّا حسام فهو بسيط التّعليم وبسيط التّفكير أيضا إذ لا يجيد قولبة أفكاره في حروف مهما اتّقدت، وهو ذو منحى متمرّد وجامح لا يسمح أبدا أن تُحاصر عزائمه وتطمر تحت أوامر أو قوانين، وأكثر من هذا هو تلميذه ، كان دائما يجد نفسه خاشعا وهو ينصت لحنقه الثّائر و كلماته النارية المتفلّته، إذ كثيرا ما كان يردّد قائلا بعنف:

- لماذا كلّما بصقوا إهاناتهم علينا مسحناها بأطراف كرامتنا؟ أكمام العزّة خشنة يا حسام، وكلّ من أراد أن يمسح بها ندبة الذلّ على جبينه لم تزدها إلا تقيّحا وتقرّحا، الذّل لا يمسح إلّا بالدّم يا حسام !

-لا تذكر أشباه العرب أمامي رجاءً !

فهم لا يعتبروننا منذ ذاك اليوم الأشعث الأغبر إلا ندبة تتعفّن في لحمهم، فلمّا أعيتهم الحيل في استئصالنا أصبحوا يتفنّنون في غض البصر!! ما أتعسنا بخذلانهم، وما أتعسهم بصمودنا ووجودنا وصمة عار على جبينهم تلعنهم أبد الدّهر!!

لكم يحتاج لينصت لشيء من ثورته الآن ، بل كم يحتاج لرؤيته الآن وأكثر من أيّ وقت مضى، كم احتاج إلى توديعه، ولكنّه لم يفعل، فقد خاف أن تفضحه عيناه، فيبوح بكلّ ما لديه دون أن ينبس بحرف، فزياد أعلم خلق اللّه بتقلّبات سحنته.

لكنّه نسي أن يودع والده..

ذاك الرّجل الطّيف، الحاضر الغائب الذي لا يذكر له حضورا في أيّ موقف، يقضي طوال وقته في أشغاله التي لا تنتهي فإن عاد وجد له ركنا قصيّا في البيت لا يكلّم أحدا ولا أحد يكلّمه إلّا نادرا ، كان وديعا لأقصى حد، كالرّياح المترفقة إذ تدخل البيت وتخرج دونما أثر، لا يهمه من هذه الدنيا إلا أن تخطئه المصائب ، وفيما عدا ذلك فلتقم القيامة فهذا لا يعنيه في شيء مادام لا يمسّ مصالحه وبضعة الشّواقل التي يدرّها عليه عمله، ترى كمّ مرة سيحقد عليه بعد العملية؟!

كان يعجب لهذا الزّواج العجيب بين والديه، كيف ترتبط كتلة التقوقع تلك مع شظايا الانطلاق التي تتبعثر من محيّا أمّه ؟ كيف تحمّلت صمته وربّما بلادته؟ وأين تراها أغمدت صخب حيويّتها وانطلاقها؟ أين استطاعت أن تواري حماستها ؟ ومن يدري؟ لعلّه تكامل ولعله كما يقولون النصيب!

أمر لم يشغل باله كثيرا، فقد حامت حوله عبارة كان يردّدها زياد:

- إياك أن تفر من الدنيا وهي معرضة عنك! لا ينبغي أبدا أن تكون التّضحية آخر خيار يتاح لك ، دع التضحية تكون أول خياراتك إذا أشرقت لك الحياة، وإن قررت أن تترك الدنيا فلا تتركها إلا وهي متشبثة بك أو مرتمية عند أقدامك تستجديك وترجو بقاءك!

كلمات لطالما استوقفته وأعيت تفكيره كسائر كلمات زياد، هل تراه يهرب من شظف هذه الحياة؟

كلّا! هو لا يهرب، صحيح أن الحياة محال أن تبتسم أو أن تضحك مع القهر الذي يفرضه عليهم الأنذال إلا أن أموره وأهله تحسنت نوعا ما منذ ثلاث سنوات، فهو يعد محظوظا حينما تسنّى له أن يحصل على عمل يعين به أباه ليسد رمق الضرائب العالية ومصاريف البيت، نعم كلّ شيء على ما يرام، حتّى أن والدته ...يا للعجب ماذا تراه يفعل هنا أمام بيتها؟ أكلّما تحايل على قدميه خانتاه وقادتاه إلى نفس الدّرب؟ هو الآن يقف على مرمى حجر من الحبّ، إنه البيت الذي تسكنه أسماء رفيقة السّنوات الأولى، تلك التي كان يغيب حائرا في ليل عينيها، تلك المجاهدة الرائعة منذ سنوات طفولتها إذ كانت على خلاف أترابها أيام الطفولة تلهو بالحجر بدل الدّمى وتستميت في رجم اليهود قبل أن يصل إليها أحد أقاربها ليجتثها من ميدان الملاحم، كانت دوما تلاعب الصّبيان دون أن تحتفي بتفاهات البنات كما كانت تقول دائما، وأيضا كانت " فتّانة " تحاول بكلّ ما أوتيت من حيل للتفريق بينه وبين زياد، هذا الدّخيل المتطفّل الذي جاء ليزاحمها في صداقتهما.

كانت تصغره بثلاث سنوات وتكبره بهمّ ورزيّتين، همّ بيتهم القديم الذي هُدّم بحجج واهية، ورزيّتي أبيها المعتقل وأخيها الشّهيد.

هاهو الآن يمرّ قرب بيتها حتّى في لحظات الوداع كما اعتاد أن يفعل دائما ليحظى بسعادة رؤيتها فيرسل لها سلاما متلعثما خجولا فيصله صوتها منكمشا في حياء.

لم يكن ما يكنّه لها يشبه مايترنّم به العشّاق في أشعارهم وخواطرهم، لقد كان شيئا آخر يشبه حبّ القدس، لقد كانت أسماء تشبه القدس ، بل هي قدس في قدس! وهو لا يعلم إلى الآن أهو يحب القدس من أجلها أم كان يحب القدس فيها؟!

قبل أسبوع باغتته أمّه بخبر أحاله شظايا فرح تتناثر، لقد عزمت أن تخطبها له، و قد قرّرت أن تذهب لطلبها بعد أسبوع ،أي اليوم!!

الآن فقط اكتشف أن الدنيا جاثية عند قدميه تنتحب وتستجديه أن يبقى!!

****

وأخيراً وصل..

وقف أمامها مذهولا وكأنّه يراها لأوّل مرة، كانت تنتصب في عظمة وشموخ، تتصبّب قوّة ، تكتسحها هيبة غريبة وألق آسر، لم يكد يعرفها وهي رفيقة دربه لثلاث سنوات مضت، إنّها الجرّافة تنتصب قبالته وترمقه بنظرات لاهبة وتكاد تتوثب إليه من فرط حماسها، كأنها تتعجل الانتقام فتهمس له بحرقة:

- هيت لك !

أليست هي التي أثقلها بهمومه وجنونه حينما ساعد في هدم بيت جاره أبو عمر حينما قرّر أن يتخلّص منه قبل أن تسحقه الضرائب؟ تطوّع ليهدم عنه بجرّافته بدل أن تشل يداه أو أن تسحقه فاتورة جرافات البلدية، لم يبك حينئذ ولكنّه بداخله كان ينتحب؛ فالقدس هي المكان الوحيد الذي يُجبر فيها المرء على هدم بيته بيده، بمطرقة صغيرة يهدم بها ذاكرته وكلّ أحلامه!

لكم أحرقها بجحيم الغضب يوم احترق أحد بيوت الحيّ عن آآخره ثمّ احترق أهله بفاتورة الإطفاء المتأخر!

لقد جاء الآن ليطفئ فيها ضياعه وضياع أترابه بين البطالة والسّموم، جاء ليطبع على صفحة الانتهاك نصرا سيكون مدويّا وإن توارى خلف ألف جرح..

لا تكمن المشكلة في السّلاح فهنا في القدس يتقاطر الموت من كلّ شيء، أيّ شيء يمكن أن يكون سلاحا، حتّى الزّفرات الحارقة!!

هذه المرّة سيقلب المعادلة، سيهدم الأوغاد بسلاحهم الذي أمعنوا في تسليطه عليهم، .سيجرّفهم أوحالا علقت بهذه الأرض الطاهرة منذ أكثر من ستين عاما ومن بعد ذلك فليهنأ في انتصاره الأبدي.

امتطاها وهو يعتلي صهوة الثّأر، ومال بها نحو الهوّة..

يا لسعادته التي فاقت براكين غضبه، ويا لغضبه الذي يتسّعر بين أطياف جموحه، زأر في صمت وزمجرت الجرّافة في صخب فتدفقا حمما تلاحق كلّ فلول الضيم والغدر..

هادئ هو حتّى في ثورته، مبتسم وهو يشعل ثأره وحرائقه ، تعرّقت الشّجاعة أمام جرأته، وهرول جبنهم مرتجفا أمام إقدامه ، مضى يسحقهم جرحا جرحا، يمزّق فيهم كلّ أسمال الهوية الممسوخة ويطأ فيهم كلّ تمطّيهم وتجبّرهم فأحاله فتاتا يتناثر في مهبّ عواصفه..

إنّها الملحمة، فارس من لهب و جواد من حديد، وأوحال ذاهلة تتعبثر هاربة، كان عليه أن يصمد لأطول وقت ممكن حتّى يسحق أكبر عدد منهم، ففي كلّ ثانية من حياته زؤام لهم وفي كلّ صرخة مرتعبة منهم نشوة عارمة تتسلّق شرايينه، تكالبوا عليه يسبقهم إليه جنونهم، تسابقت إليه الرّصاصات المسعورة من كلّ جهة فاستقرّت اثنتان منها في لحمه ، لكنّه أبى إلّا أن يجهز عليهم، صال وجال وأرغى فيهم وأزبد، باغته أحدهم متشبّثا بحديد الجرّافة، حاول مقاومته لكنّ رصاصاته الغادرة كانت أسرع منه فانحدرت أنفاسه مع أشعّة الشّمسين اللاهبة لتسقي ظمأ القدس وعطش صدور مؤمنين..

انتهت الملحمة، وهدأت عواصف الغضب إلا غمغمات ذاهلة تعالت من صدور حاقدة ولم تبق إلا أصداء النّصر تتردّد في أنحاء فلسطين والعالم أجمع..

****

على وقع الخبر وبعد تحقيقات حثيثة بائسة لم تعلن خلالها أيّة جهة عن علاقتها بما حدث، تعالى غيظ الأوغاد تماما كما تعالت زغاريد أمّ حسام مبتلة بدموع محمومة ، في حين انتفضت شهقا ت حنين مرتعبة حائرة بين صدمة وحزن و... فخر!

اعتقل أبو حسام على إثر العمليّة، أخيرا أراد له القدر كلّ ما كان يخشاه طيلة عمره، هُدّم بيته، وألقي بعائلته كلّها في منافي التيه والشّتات كآخر ما استطاع الأوغاد فعله انتقاما وتخفيفا من حدّة تخبّطهم،

أمّا هي فقد ظلّت مشدوهة تحاول أن تفرح أوربّما تحاول أن تصدّق، أسماء لا تبكي الشّهداء ولا تبكي أبدا، لكنّها بكت في تلك اللحظة، حقّ لها أن تفعل فقد كانت على حافة العذاب تنتظر أن تهوي الى السعادة، وفجأة كأنّما انعدمت الجاذبية فبقت معلّقة باللّوعة تنهش قلبها..

أتراها هي الوحيدة التي لم تفارق الحواف؟!

وعلى حافة الجنون وقف زياد يضرب أخماسا بأسداس، يمنعه الذّهول من رثاء نفسه وشقيق روحه ، وربّما رثاء حرفه، فهاهو حسام قد تركه في بركة حرفه ليتنعّم هو في أحضان الحتف!

****

المحسوم* : هو الحاجز باللغة العبرية ، وهي كلمة شائعة بين سكان القدس والضفة الغربية.

توضيح*: كلّ التّفاصيل التي ذكرت ليست بالضّرورة من الواقع إلّا ما يتعلّق بتفاصيل تنفيذ العمليّة فهي حقيقية وأدرجت ضمن ما أطلق عليه الكيان الصهيوني اسم "حرب الجرافات ".

****

محاولة أهديها إلى أرواح الشّهداء بإذن الله تعالى:

حسام دويات

مرعي الردايدة

غسّان أبو طير

...وإلى القدس أهديها...


  • 3

   نشر في 30 يوليوز 2020  وآخر تعديل بتاريخ 01 غشت 2020 .

التعليقات

ما أجمل المجاز بالقصة أكثر من رائع ابدعت
3
فاطمة بولعنان
شهادتك نيشان أعتد به يا سهام.. شكرا لكِ

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا