ليوناردو العائد من فريضة البقاء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ليوناردو العائد من فريضة البقاء

أمل ممدوح

  نشر في 05 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

     تحت طائلة البقاء الكل في صراع .. قد يكون في إحدى زواياه ظالما وقد يكون مظلوما في زاوية أخرى ، فكأنما الصراع القدر والبقاء هو الإمتحان لكل الكائنات .. هذه إحدى زوايا الرؤى التي يستدعيها فيلم " العائد The Revenant " الذي ما زال يعرض في دور العرض والمرشح للكثير من جوائز الأوسكار للمخرج المكسيكي أليخاندرو إيناريتو ؛ مخرج فيلم " بيردمان " الفائز في العام الماضي بعدة جوائز أوسكار ، وفي فيلم العائد بقدر ما كانت المعاني الفلسفية والضمنية من أهم جوانبه بقدر ما كان وجود بعض الغموض في السرد من جوانبه السلبية حيث الفيلم قائم على واقع جغرافي وبعد تاريخي لأطراف متعددة مما كان يتطلب اتساع بقعة الضوء أو تركيزها أحيانا كي لا يتبدد مضمونه خاصة للمشاهد العادي .

    في هذا الفيلم من أفلام الويسترن يظهر البطل بصورة مغايرة لصورة الكاوبوي المعروفة لكنه يظل محتفظا بسمات بطل الويسترن الأمريكي الخارق صانع البطولات ، ففي الفيلم يخوض صياد الفراء الأمريكي " هيو جلاس " حربا ضارية رائعة للبقاء يعتبر تتبعها قوام الفيلم ومنبع تشويقه ، فأثناء عملية لصيد الحيوانات للحصول على فرائها خلال الفترة الاستعمارية التي أعقبت الكشوف الجغرافية يخرج جلاس " ليوناردو ديكابريو " مع مجموعة هو دليلها ، ليذهب أثناء هذه العملية وحده لصيد دب يسير مع أبنائه لكنه يتعرض لهجوم ضار من الدب في مشهد من أقوى وأهم وأصعب مشاهد الفيلم يعد " الماستر سين " وربما هو المشهد الذي قد يستحق عنه الفيلم جائزتي الأوسكار في التصوير والإخراج فقد نجح المشهد في إقناعنا تماما بحقيقة ما يحدث أمامنا فنحن نسمع أنفاس الدب ونراه يدهس بقدميه وجه جلاس ونرى وجهه وجسمه ينوء بثقل جسد الدب فوقه دون كثير من التقطيع لكنه يقطع أنفاس المشاهد معه ، وهو مشهد شاق يحسب أيضا لليو ، وبعد معركة ضارية يستطيع جلاس قتل الدب وإحراز نجاة أقرب للموت .

      تتضح تدريجيا مضامين الفيلم وبناؤه الدرامي مع تواتر أحداثه وتواصل سرده؛فقد خرج جلاس مع مجموعة أمريكية لصيد الفراء بينما هناك جماعة من قبائل الهنود الحمر تنافسهم في صيد الفراء وبالتالي هاجمتهم للاستيلاء على الفراء لمقايضتها مع الفرنسيين مقابل الخيول ، وبطل الفيلم " جلاس " له قصته الخاصة حيث قتلت زوجته الشابة التي كان يحبها إثر إحدى المعارك على يد إحدى قبائل الهنود الحمر المعادية للقبيلة المهاجمة لهم ، أفراد هذه القبيلة المهاجمة في الفيلم أيضا لهم معاناتهم الخاصة من الفرنسيين المسيطرين على أرضهم والناهبين لثرواتهم والمهددين لثقافتهم وهو الأمر الذي فيه فتحا لحسابات الفترة الاستعمارية وأثرها العميق في وجدان الهنود الحمر وكل من تعرضت أرضه للاستعمار وثقافته للاعتداء ، فالفيلم مع التراكم السردي يضعنا مع معظم أطرافه في لعبة تبادل الأدوار أو تبنيها في إحدى زواياه ، حتى الحيوانات بما فيها الدب الذي اعتدى على البطل كان له عذره في مهاجمة جلاس بل إن جلاس نفسه كان في شراسة الدب حين خاض رحلته القاسية للبقاء ثم الانتقام لمقتل ابنه حتى لكأنه مبعوث من الموت ، بينما تشهد كل ذلك الطبيعة المحيطة بهم جميعا والممثلة بقوة في الأشجار الغابية العالية والتي ظهرت في كادرات متعددة من زاوية منخفضة تتجه من أسفل إلى أعلى حيث تبدو الأشجار متوازية مستقيمة كاملة الطول في سيطرة وإحاطة بالأحداث مما يعطي إحساسا بهيمنة الطبيعة ، فالجميع رغم اختلافهم وتصارعهم كل له منطقه الخاص لكن تظل تجمعهم الطبيعة الواحدة أو الحياة الواحدة ، وقد بني هذا المعنى ببطء كان يؤكده كل ما يستجد من أحداث حتى نهاية الفيلم ، وهو معنى يدعو تأمله لتذويب العداء وشدة الخصومة بين الجميع الذين يعيشون معا ضمن طبيعة واحدة تحتويهم جميعا مع تضمين في هذا الإطار فكرة أن الجميع بشكل ما ظالم أو مظلوم يضمهم نفس الإطار ولا أحد يمتلك الأعذار أو الحقوق الكاملة ، ويتضح هذا المعنى في أجزاء من الفيلم أولها حين التقى جلاس في رحلته بهندي من إحدى القبائل المعادية ورغم ذلك جمعتهما المحنة فتعايشا وضحكا أملا في البقاء ، في حين يحيا هذا الهندي للقصاص من قبيلة أخرى هي نفسها تعرضت ابنة زعيمها للخطف ليكون اجتماعها بجلاس في موقف يأتي بعد ذلك سببا لخلاصها ونجاتها أيضا رغم العداء مع قبيلتها ، لتكون نجاتها بدورها سبيل نجاته في نهاية الفيلم ، فهي دائرة متغيرة الصياغات والعلاقات القدرية ، فعدو اليوم قد يكون صديق الغد بمصادفات قدرية وتغيرات ظرفية وزمنية ، وما تكرهه في أحد قد تكون ممارسا له أيضا وهو ما يبرز بوضوح في العبارة التي كتبها الفرنسيون على جسد الهندي حين قتلوه وشنقوه وتركوه معلقا في الشجرة " كلنا همجيون "؛ هذا الهندي الذي كان بدوره يريد الانتقام من القبيلة المتعاونة معهم لقتلهم عائلته ، مما يقوض  فكرة حدية الخلاف وضراوته وأي معنى للعداء والنبذ لجنس أو عرق أو شعب ويدعو ضمنيا الجميع للتعايش حيث لا سبيل لذلك سوى كسر دائرة العداء المتصلة ونبذ الخلافات للبقاء على هذه الأرض الواحدة للجميع .

    تميز الفيلم بتكنيكه العالي خاصة في استخدامه لأحدث تقنيات التصوير والخدع البصرية وهو ما يحسب بقوة للفيلم ومدير تصويره "إيمانويل لوبزكي" بشكل خاص الذي ربما هو المرشح الأمثل لجائزة الأوسكار من حيث براعة اختياراته للزوايا وتنويعها وصعوبتها وتميز اختيارات كادراته وصعوبة لقطاته وسلاسة استخدام الخدع أو الكمبيوتر بما لا يدع فرصة لإحساس بتصنع أو اصطناع ، أما من ناحية السيناريو فهناك العديد من الثغرات التي لا تتوازى مع دقة التنفيذ والتصوير والصورة البصرية التي خرج بها الفيلم ، فكثير من المشاهد المتأزمة بمنتهى الواقعية والإقناع جاءت انفراجتها ببساطة غير منطقية واستسهال ينقص مما تم بناءه تكنيكيا ككثرة السهام الطائشة الموجهة بكثرة تجاه شخص جلاس ونجاته ببساطة دون أن يمس ، ومشاهد أخرى لنجاته من مآزق أخرى لم تكن دائما مقنعة ، أما مشهد دخوله داخل جثة الحصان فأمر آخر .. فبرغم إبهار المشهد وكونه جديدا إلا أني أراه استعراضيا فقط ؛فقد مر على جلاس مواقف مشابهة في برد قارس فتحملها وعبر منها .. هذا من جهة ومن جهة أخرى مفترض أن يكون جسم الحصان مليء بالدماء التي في حد ذاتها ستتجمد وتصيبه بالبرودة بل التجمد فهناك جهة فيه مفتوحة وسط الجليد، أما من جهة التمثيل خاصة وأن ليو مرشح لجائزة الأوسكار لأفضل ممثل فقد بذل الكثير من الجهد وهو في رأيي ما يبرر ترشيحه للجائزة وهو شيء لا يمكن إنكاره وإن كان تقدير جهده الكبير يطغى على قيمة أدائه نفسه الذي استهلك في عدة مشاهد متشابهة ، ويبقى مشهدا صراعه مع الدب وموت ابنه من أقوى مشاهده على الإطلاق ويغفران مع جهده أي تكرار ، أما "توم هاردي" الذي أدى دور غريم جلاس الغادر الذي قتل ابنه وتركه هو أيضا ليموت فكان لأدائه مذاق التوابل الحقيقية مما كان بحد ذاته من عوامل الجذب وتحريك الإيقاع ، وهنا وعن الإيقاع تحديدا فربما نجح الفيلم في تنويعه من خلال جاذبية الصورة البصرية وكذلك جاذبية فكرة صراع البطل في رحلته للبقاء وللانتقام معا إلا أن طول الفيلم الذي اقتربت مدته من الثلاث ساعات كان مرهقا ومستنفذا لحيل الإيقاع في الوقت الذي كان يمكن أن يكون مكثفا أكثر من ذلك دون إخلال ، لكن الفيلم إجمالا يفتح في ذهن المشاهد صورة بانورامية تأملية فلسفية عميقة ومبسطة في آن واحد ترافقه بعد انتهائه لوضعه في الكون وفي الطبيعة ومع الآخر.. فالصراع حتمي وقد تكون العودة منه بالتسامح وترك العدالة بيد القدر وهو ما قدمه الفيلم في النهاية لكن بشكل بدا هزيلا ضعيفا بترك جلاس لعدوه وترفعه عن قتله ليلقى ما يقرره القدر من عدالة جاءت فورية بيد قائد القبيلة الهندية ردا لجميل جلاس مع ابنته العائدة ، وبهذا الترفع عن تنفيذ العدالة بيده يكون جلاس قد عاد بالفعل من رحلته .. أو موته . 




  • 3

   نشر في 05 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات

شكرا استاذه امل على النقد والمراجعة المتميزة لفيلم the revenant
1
أمل ممدوح
وكل الشكر لاهتمامك وتعليقك الكريم .. تحياتي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا