الحلوى التي صفعتني! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحلوى التي صفعتني!

  نشر في 06 ماي 2016 .

ذات ليلة حصلت على وصفة للحلويات مشهورة في بلد ذي ثقافة مختلفة. بدأت بقراءة الوصفة لأرى ما المتوفر لدي من مكوناتها وما الغائب, فوقعت عينيَّ على أحد المكونات و هو الحمص.  بلا أي إدراك مني في لحظتها قرأت أن المطلوب هو دقيق الحمص, ورحت أبحث عن أماكن توافره في مكان إقامتي. عند مشاركتي الوصفة مع إحدى صديقاتي, نبهتني بأن الحمص المقصود هو الكامل بهيئته الاعتيادية. دُهشت! إذ كنت قد قرأت الوصفة ثلاث مرات على الأقل ولم ألحظ هذا, فعقلي لم يستسغ وجود الحمص في وصفة حلويات, فأغفل المعلومة تمامًا وحولها إلى معلومة أخرى تطابق ما اعتاده وألفه!

تُرى كم معلومة يا عقلي عدلتها وفق ما تُريد؟!

ما الذي حدث؟

في رحلته الفكرية يتحدث د.عبد الوهاب المسيري عن شيء يدعى الخارطة الإدراكية.

يقول رحمه الله: (الإنسان لا يُدرك الواقع بشكل حسي مادي مباشر إلا في حالات نادرة مثل: أن تلسع يدك سيجارة فتستجيب بأن تُبعد يدك. فالإنسان ليس مجموعة من الخلايا و الرغبات المادية, وسلوكه ليس مجرد أفعال وردود أفعال مشروطة.

العقل لديه قدرة توليدية, وهو مستقر كثير من الخبرات والمنظومات الأخلاقية. لكل هذا فإن الإنسان عندما يسلك لا يسلك كرد فعل مباشر للواقع, وإنما كرد فعل للواقع كما يدركه بكل تركيبته, ومن خلال ما يسقطه على الواقع من أفراح وأتراح ورموز وكلمات ونوايا خيرة وشريرة. ومن خلال مجموعة من المنظومات الأخلاقية والرمزية والأيدولوجية. و بناءًا عليه فهي تحدد ما يراه من هذا الواقع الخام فهي تستبعد وتهمش بعض التفاصيل فلا تراها مهمة, وتؤكد البعض الآخر بحيث تراها مهمة و مركزية)

ما الذي يعنيه هذا الكلام؟

يعني بأن سلوكنا واختياراتنا وما نصفه بأنه صائب أم خاطئ, ظالم أم عادل, حكيم أم أهوج, جميعها ترتكز على هذه الخارطة الإدراكية التي نَسَجتها في عقولنا عوامل و تراكمات عدة. هذا النسج وهذه التراكمات تحدث عادة بصورة غير واعية, وعقولنا تسعى إلى مصادقة الواقع مع المستقر في هذه الخارطة الإدراكية. والأسوأ أن الإنسان يحملها وهو يظن بأنها أكثر الأشياء منطقية وطبيعية!

هل نعي بأن السلوك أو الفعل الذي هو ما نُحاسب عليه في الدنيا و الآخرة يمكن أن يرتكز على أمر لطالما ظنناه صوابًا و هو غير ذلك؟ أن ما كنا نقسم على عدالته ما هو إلا ضرب من الظلم لكننا أغفلناه لنرضي خريطتنا الإدراكية ولا نسمح بأن تُخدش أو تهتز؟ هل نعي بأن الحقيقة قد تكون - بل هي غالبًا- موجودة أمامنا لكن ستار (ما ألفينا عليه آباءنا) قد حجبها ليُبقي على استقرار أذهاننا و سباتها؟

حسنًا, من أين تتكون هذه الخارطة؟

تتكون قيمنا و مبادؤنا على مدار سنوات عمرنا, فمن قيم تشربناها من آباءنا , إلى قيم بثّها فينا المجتمع, إلى قيم الدين وما وصل إلينا من تفسير له, إلى كل ما يدخل حواسنا من هذا العالم المحيط. جميعها تُشكل قطع الأحجية التي تنسج خرائطنا.

هل تذكرون تلك القصة الطريفة لماري انطوانيت (ملكة فرنسا قبل الثورة) عندما رأت رجلًا مغمًى عليه من فرط الجوع, فكان رد فعلها: ليأكل بسكويت!

الحقيقة أن الخارطة الإدراكية لهذه الملكة المسرفة و الغارقة في النعم لم تستطع أن تقرأ بأن هناك بشر يموتون جوعًا! بل أوّلت الأمر على أنه يخضع لحمية غذائية أرهقته!

الخبر الجيد هو أن هذه الخارطة ليست حتمية وإنما يمكن تعديلها, فمالذي علينا فعله في ضوء هذه الحقيقة؟

1- عندما ننظر إلى تفكر إبراهيم عليه السلام, ومن ثَم نبذه الخرافة وما كان يعبد آباؤه من دون الله, ألا نلمح هنا مراجعة لخارطة إدراكية؟

في تأمل الأنبياء جميعًا و تفكرهم وأن ليس منهم من أحد إلا وكان راعيًا للغنم حيث السكون و التأمل في هذا الكون الواسع و دور الإنسان فيه, ألا نلمح تأمل و مراجعة لقيم و حقائق متوارثة؟

لم ترد آيات التفكر و التدبر في كتاب الله بهذه الكثرة عبثًا سبحانه. التفكر و التدبر هو ما يجعلنا نقف, فقط نقف نبطئ من عجلة الحياة التي تأكلنا في مسيرها وتجعلنا كالآلات. التفكر هذا يعطي لأنفسنا الفرصة لنختلي بها, لنعيد الأمور إلى نصابها, لنتفكر فيما تقترف أيدينا وتنطق ألسنتنا, لنفحص ما يعتمل في عقولنا و قلوبنا.

كما كان التأمل والخلوة إعدادًا فكريًا من الله تعالى لأنبيائه لتلقي رسالته, فكذلك الأمر لكل من يسعى لتلقي هذه الرسالة من رسل الله تعالى و تثبيت مكنوناتها في خارطته الإدراكية.

التوقف لنصف ساعة يوميًا مع أنفسنا هو أول ما يمكن أن ننصف به ذواتنا ونكرّم به عقولنا.

2- قال تعالى : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا))[الإسراء:36]

في هذا الجنون الإعلامي الحالي واقتحامه حياتنا بشتى السبل, لا بد أن نستذكر هذه الآية. فنحن مسؤولون عما يدخل من هذه النوافذ ويؤثر بالتالي على قيمنا ومبادئنا التي تشكل خرائطنا الإدراكية. ما نراه في الإعلام بشكل متواصل يعمل على صوغ قيمنا من جديد, يعمل على غسل أدمغتنا حرفيًا. بالطبع لا نلحظ هذا لأن الأمر يتم ببطء وحذق شديدين. و أيضًا هذاالانفتاح على حياة وتجارب الأخرين, أفراحهم وأحزانهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو الآخر يؤثر بشكل ما على خرائطنا. مسؤوليتنا أن نسعى إلى فلترة ما نراه ومانسمعه وما تدركه حواسنا من هذا العالم.

3- في ذكر العلم و التعلم و مشتاقاتهما في القرآن الكريم 750 مرة أمر يدعو إلى الدهشة. من سبل البلاغة الإيجاز و كتاب الله هو الأبلغ, وعندما يُذكر أمر في سياق الإيجاز بهذه الكثافة, لابد أنه أمر تتوقف عليه الحياة و المصير لهذا المسلم.

لا يُعذر أحد اليوم مع هذه الثورة التكنولوجية عن تقاعسه في طلب العلم. لنقرأ كتاب ربنا و سنة نبيه ثم كتب سلفنا. لننظر كيف اعتنوا بأنفسهم وعقولهم وهذبوها فهم الأقرب للمعين الأول. هناك الكثير من الكتب التي تحدثت عن النفس وأهوائها وأمراضها لعل أبرزها كتب ابن القيم و ابن الجوزي رحمهما الله, فليكن لنا نصيب منها.

4- ( إن كنت ناقلًا فالصحة, و إن كنت مدعيًا فالدليل) قاعدة صاغها الأولون نضمن بها استقرار المعقول والمنطقي فقط في عقولنا. عندما تردنا معلومة لنتأكد من صحتها أولًا وقبل كل شيء. و إن كان هناك إدعاء أو افتراض أو قضية فالننظر في أدلتها قبل قبولها أو رفضها.

في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه في حادثة الإسراء والمعراج أروع المثل على العقلانية.

حينما قال له المشركون: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: (أوَ قال ذلك؟، قالوا : نعم ، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: لئن كان قال فقد صدق، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة)

أولًا: تثبت, أوَ قال ذلك؟ هل قالها حقًا ؟

ثانيًا:علّق الأمر, لئن كان قالها , فربما هي كذبة من قريش و النبي عليه الصلاة و السلام لم يقلها.

ثالثًا: قياس الأولى, إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. إن كنت أصدقه بالخبر يأتي إليه من السماء أفلا أصدقه في هذا؟

لنتأمل كيف كان تقديرهم لعقولهم و حرصهم على نقائها و لنحذو حذوهم ففي طريقهم السلامة.

ولا نكن كأولئك النفر من المسلمين الذين مرّ بهم زنديقًا وهم في سوقهم يبيعون و يشترون فقال: عن فلان فلان عن فلان عن رسول الله قال: ( من أخرج لسانه حتى لامس أرنبة أنفه دخل الجنة) فأخرج الجميع ألسنتهم!

هل بدت لنا الحياة معقدة وثقيلة؟ أجل هي كذلك ( لقد خلقنا الإنسان في كبد) المكابدة هي قدرنا, سماتنا الإنسانية هي ميزتنا و ابتلاؤنا في نفس الآن. إلا أن هذا الجهد سيلامس صوتًا عميقًا في أصل فطرتنا ينادينا بأن نسمو و نعلو, و لملاقاته حلاوة تنسينا رهق الطريق.

يقول علي بن أبي طالب: ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)

الانتباهة هنا تكلف جهدًا و وقتًا, إلا أن الانتباهة هناك تكلف المصير! فالنتأمل.


  • 1

  • هنادي عثمان
    مسلمة, مهتمة بالفكر و التغيير في مجالات عدة, أحب القراءة و أقدر كثيرًا من يستطيع تحويل خلجاته و أفكاره إلى كلمات, لذا سأحاول :)
   نشر في 06 ماي 2016 .

التعليقات

راااااااائع .. بالتوفيق
0
هنادي عثمان
شكرًا جزيلًا :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا