رموش في مهب الرّيح - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رموش في مهب الرّيح

  نشر في 17 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 09 أكتوبر 2017 .

قلت أتّخذ من كنيتي حافزا كي أتحدّاهم جميعا وأبيّن لهم من يكون بولرماش وما الذي يستطيع فعله. لكن علىّ أن أعترف بأنّني سعيت قدر استطاعتي إلى تغيير هذه الكنية، حتّى أنّني فاتحت أستاذ مادّة العربية في الأمر ورجوته أن يساعدني في ذلك. لمّا أعلمته بأنّني أكنّى ب"بولرماش" لم يكن هناك من حاجة إلى أن أشرح له أنّ تلك الكنية تعني بالضبط عكس منطوقها اللفظي. فقد كان كغيره من الناس يدرك بالعين المجرّدة أنّه لا رموش عندي... كنت كلّما نوديت بتلك الكنية المزيج من السخرية والشماتة، أحسّ بذلك الشرخ في شخصيّتي يزداد اتّساعا. كأنّه كان عليّ أن لا أنسى أبدا أنّني أعشى ولا رموش لي.

يعود ذلك إلى طفولتي المبكّرة لمّا هبّت ريح صرصر مفاجئة في سوق القرية الأسبوعي، وكنت أساعد والدي في بيع التوابل. كانت الريح من المفاجأة والقوّة بأن ذرت في وجهي كيس الفلفل الأحمر المطحون. أحسست باللهب يشتعل في مقلتيّ، وجعلت أتمرّغ في الأرض صارخا وأفرك عينيّ بكل قوّة، والألم يحتد أكثر فأكثر. أخذوني إلى البيت وغسلوا عينيّ بماء كثير ووضعوا عليها طبقة من العسل ثم غطّوها بضمّادات لمدّة أسبوع لم أر فيه النّور حتّى خلت نفسي قد فقدت البصر.... لمّا أزاحوا الضمّادت كانت أشفاري قد اختفت تماما والعشى قد غشى نظري... ومن يومها، صرت أنادى "بولرماش".

ظللت أتألّم من تلك الكنية في صمت، لا أقوى على صدّها حتّى درسنا شخصيّة شاعر عربي قديم فذّ اسمه الأعشى. فخطر ببالي أن أطلب من أستاذي أن يناديني باسمه، تشبّها به ودفعا لتلك الكنية المذلّة. أبدى أستاذي تضامنه الكامل معي ووعدني بالاستجابة لي لكن بشرط أن أكون عبقريا في الأدب كالأعشى. كان فرحي لا يوصف واستعدادي لرفع التحدّي بحجم الدنيا وما فيها. وقد أوفى أستاذي بوعده وصار يصرّ على مناداتي بالأعشى حتّى تبعه في ذلك التلاميذ. وشيئا فشيئا، تلاشت كنية بولرماش وحلّت محلّها كنية الأعشى التي كنت أرى فيها لقبا شرفيا يغمرني بالسعادة والفخر.

ساعدني الحرص على الوفاء بالتزامي لأستاذي أن أصبح قارئا نهما، ولكنّني فشلت في أن أصير كاتبا ناجحا حيث توقّفتُ عند نشر مجموعة شعرية يتيمة لم تلفت انتباه أحد، اخترت لها من العناوين "رموش في مهب الريح" ووقّعتها باسم مستعار "الأعشى الصغير".

لكنّني استمرّيت في المطالعة حتّى صارت لي عاداتي وطقوسي التي اشتهرت بها بين العائلة والأصدقاء... من ذلك أنّني تعوّدت أن أتّخذ من جلستي في الحمّام فرصة للقراءة، حتّى أنّني ركّزت في الحمّام رفّين وضعت عليهما مجموعة من الكتب كنت أغيّرها كلّما فرغت من قراءتها. وقد ساعد ذلك زوجتي وبناتي على أن يتحوّلن إلى قارئات منتظمات. وصار دخول كلّ فرد من العائلة إلى الحمّام يستغرق وقتا طويلا، ففكّرنا في تحسين مستوى رفاهية الحمّام، بوضع عطورات راقية وجهاز لبث موسيقى خافتة، وتركيز إطار معدني لكأس القهوة كما في السيارات. ولتخفيف عناء الانتظار على المتعجّلين في قضاء حوائجهم، بنيت حمّاما ثانيا لا يوجد فيه سوى الحد الأدنى من التجهيزات والخدمات.

يومها، جلست على كرسي الحمّام بعد أن أنزلت البنطال ووضعت كأس القهوة في الإطار المعدني ثمّ تناولت كتابا أعارني إيّاه زميل بالعمل. ومنذ السطر الأوّل أدركت بحاسّة القارئ الخبير أنّ هذا الكتاب سيشدّني بقوّة...

لم أستفق من رحلتي إلاّ على زوجتي تطرق الباب بقوّة وتذكّرني بأنّ وقت العمل قد فات. انتفضت كالملسوع ورفعت سروالي دون أن أتوضّأ لأغادر الحمّام مسرعا إلى السيارة ورأسي مغروسة في الكتاب المفتوح في يدي. كنت أستغلّ كل تعطّل في حركة المرور لأسترق بعض السطور من هذا الكتاب الذي شدّ أنفاسي، ولا أضغط على دوّاسة السرعة إلاّ لمّا تضجّ منبهات السيارات خلفي. وفي أحد المفترقات أشار عليّ شرطي مرور بالتوقّف وحرّر ضدّي مخالفة كلّفتني خطية مالية...

وصلت متأخرا إلى الكلية فأشار عليّ رئيس مركز الامتحان بالالتحاق بإحدى القاعات لمعاضدة زميل في عملية المراقبة. توجّهت إلى الحمّام لأتوضّأ، ولكنّ متابعة قراءة الكتاب شغلتني عن ذلك، فظللت مقرفصا والكتاب بين يديّ، إلى أن انتفضت تحت وقع رنّة الهاتف... كانت ابنتي ذات الأربع سنوات على الطرف الآخر تعاتبني على عدم تشغيل طرّادة الماء وترك خرائي مكدّسا في الحمّام... وكان ذلك كافيا لأتذكّر ضرورة الالتحاق بقاعة المراقبة... فتحت بابها بهدوء واكتفيت بتحية يدوية عن بعد للزميل وإيماءة بالرّأس للاعتذار على التأخير. ثمّ توجّهت إلى آخر القاعة وجلست أتابع قراءة الكتاب غير عابئ بما يحصل حولي.

لم أنتبه إلى العميد الذي دخل القاعة في جولة تفقّد. قال لي زميلي أنّ العميد ظلّ واقفا إلى جانبي برهة وأنا غارق في كتابي، وأنّ نحنحته لم تفد في جلب انتباهي، حتّى اضطرّ إلى الانصراف غاضبا.

وها أنا لا أعرف كيف أجيب على استجواب السيد العميد الذي وصلني حول إخلالي بقواعد المراقبة داخل قاعات الامتحان...




   نشر في 17 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 09 أكتوبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا